للإمام مسلم منهجية تختلف عن منهجية شيخه البخاري في الأحاديث التي وضعها في صحيحه، فالإمام البخاري تراه أحيانًا يعدل عن إيراد الحديث المتصل بسند متصل بل يورده
معلقًا لأن الحديث معلول عنده، وأحيانًا يورده مرسلًا، ويترك المتصل، ليتجنب الاختلاف فيه، وأحيانًا يصرح بالاختلاف الذي وقع في الحديث.
أمّا تلميذه - مسلم - فإنَّ له منهجية تكاد تختلف تمامًا عن شيخه، فهو يورد الحديث المعلول - عنده - بشكله المعلول، على حاله ولكنه يضعه بعد الحديث الصحيح، ولا يصرح بعلته في موضعه.
وقد بين ذلك الإمام مسلم في خطبة الكتاب فقال:
"إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت، وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك، وهو إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله - ﷺ - فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك، لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيئته إذا ضاق ذلك أسلم، فأما ما وجدنا بدًا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى.
فأما القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها، وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا ولم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم.
فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض
[ ٢٨٢ ]
من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم وأضرابهم من حمال الآثار ونقال الأخبار فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية. فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني وعمرو بن خالد وعبد القدوس الشامي ومحمد بن سعيد المصلوب وغياث بن إبراهيم وسليمان بن عمر وأبي داود النخعي وأشباهم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم، وسنزيد
أن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح أن شاء الله تعالى " (١).
فالإمام مسلم قسم الأحاديث في صحيحه إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: حديث الباب وهو أصح الأحاديث الأخرى، وأنقاها من العيوب.
ثانيًا: أحاديث تتلو ذلك (متابعات، وشواهد):وهي أقل صحة من الأولى، فقد يقع في إسنادها من ليس موصوفًا بالحفظ والإتقان، ولكن القاعدة المشتركة بينهم أنهم جميعًا ممن يشملهم اسم الستر والصدق يعني أهل مرتبة (صدوق، وضعيف يعتبر به) ومثل لهم بعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم وأضرابهم.
ثالثًا: أحاديث معلولة ساقها لبيان عللها، وعادة ما يأتي بها بعد إيراد الأحاديث الصحيحة.
ومما تقدم يتضح أن الإمام مسلم بن الحجاج قد فصل بين الحديث الذي يمكن أن يدون في الكتاب، وبين أحاديث المتهمين والكذابين، التي لا يجوز عنده التشاغل بها.
ثم قسم الأحاديث المذكورة في صحيحه إلى ثلاثة أقسام -كما مرت - وهي: الأصول، والمتابعات والشواهد ثم بعض الأحاديث المعلولة التي يريد التنبيه إليها (٢).
_________________
(١) مقدمة الصحيح ١/ ٤ - ٦.
(٢) مقدمة الصحيح ١/ ٤ - ٥.
[ ٢٨٣ ]
وهذا الذي ذكرنا ليس بدعًا من القول، ولا فيه إساءة إلى الصحيح، إذ قاله إمامان عظيمان ممن عني بصحيح مسلم، ودرسه دراسة جيدة متخصصة، وهما: القاضي عياض، ومحيي الدين النووي، نقل النووي في شرح خطبة الإمام مسلم لصحيحه عن القاضي عياض قوله: " ووجدته ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين الأوليين، وأتى بأسانيد الثانية منهما على طريق الاتباع للأولى والاستشهاد، أو حيث لم يجد في الباب الأول شيئًا، وذكر أقوامًا تكلم قوم فيهم وزكاهم آخرون، وخرج حديثهم ممن ضعف أو اتهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري.
فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر ورتب في كتابه، وبينه في تقسيمه، وطرح الرابعة كما نص عليه، فالحاكم تأول أنه إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتابًا ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة، وليس ذلك مراده بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه، وبان من غرضه أن يجمع ذلك في الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين فيبدأ بالأولى ثم يأتي بالثانية على طريق الاستشهاد والاتباع، حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة، ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث الحفاظ ثم الذين يلونهم، والثالثة هي التي طرحها، وكذلك علل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب
من اختلافهم في الأسانيد كالإرسال والإسناد، والزيادة والنقص، وذكر تصاحيف المصحفين، وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه، وإدخاله في كتابه كما وعد به. قال القاضي ﵀: وقد فاوضت في تأويلي هذا، ورأيي فيه من يفهم هذا الباب، فما رأيت منصفًا إلا صوبه، وبان له ما ذكرت وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب وطالع مجموع الأبواب، ولا يعترض على هذا بما قاله ابن سفيان صاحب مسلم أنّ مسلمًا أخرج ثلاثة كتب من المسندات، أحدها هذا الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة، وابن إسحاق صاحب المغازي، وأمثالهما، والثالث يدخل فيه من الضعفاء، فانك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله تجده كذلك إن شاء الله تعالى. هذا آخر كلام القاضي عياض ﵀ وهذا الذي اختاره ظاهر جدًا والله أعلم " (١).
ويقول الحافظ ابن الصلاح في معرض الحديث عن منهجية الإمام مسلم هذه:
_________________
(١) شرح مسلم ١/ ٢٣.
[ ٢٨٤ ]
"الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في الشواهد والمتابعات، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف رجاله ثقات، وبجعله أصلًا، ثمَّ يتبع ذلك بإسنادٍ آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه تنبيه على فائدة فيما قدمه" (١).
ومن ذلك يقول الإمام النووي مجيبًا على تعقب الدارقطني على أحد الأحاديث استدركها الدارقطني على مسلم:"وهذا الاستدلال فاسد لأن مسلمًا لم يذكره متأصلًا، وإنما ذكره متابعة للطرق الصحيحة السابقة، وقد سبق أن المتابعات يحتمل فيها الضعف لأن الاعتماد على ما قبلها، وقد سبق ذكر مسلم لهذه المسألة في أول خطبة كتابه وشرحناه هناك، وأنه يذكر بعض الأحاديث الضعيفة متابعة للصحيحة " (٢).
وقال الحافظ العراقي:" وفيه مواضع يسيرة رواها بإسناده المتصل ثم قال: رواه فلان وهذا ليس من باب التعليق وإنما أراد ذكر من تابع رواية الذي أسنده من طريقه عليه، أو أراد بيان الخلاف في السند كما يفعل أهل الحديث، ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا إدخاله في كتابه أنه يقع في بعض أسانيد ذلك من ليس هو شرط مسلم كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر" (٣).
وهذا العلائي يقرر القاعدة ذاتها، فعند ترجمة أبي قلابة البصري ذكر أنه لم يسمع من عائشة - ﵁ -،مع أن حديثه عنها في صحيح مسلم، فقال:"روايته عن عائشة في صحيح مسلم وكأنه على قاعدته" (٤).
وقال الدكتور نور الدين عتر في منهجية الإمام مسلم:"وقد اقتفى أثر البخاري في اشتراط الصحة، فجاء كتابه تاليًا كتاب البخاري في الصحة على المعتقد المشهور، ولكنّ أبا الحسين لم يتبع طريقة الإمام البخاري الفقيه، بل سلك طريقة الصناعة الحديثية، وفن الإسناد، فعني بالمتابعات والشواهد، وبين ما في الأحاديث من لفظة زائدة، أو اختلاف بين الثقات، أو علة، وجعل الأحاديث ثلاثة أقسام، والرجال ثلاثة أصناف من حيث
_________________
(١) صيانة صحيح مسلم، ابن الصلاح ص٩٥.
(٢) شرح النووي ١١/ ١١٣.
(٣) شرح الألفية ١/ ٧٢.
(٤) جامع التحصيل ص٢١١.
[ ٢٨٥ ]
العدالة والضبط والإتقان، كما ذكر في مقدمته لصحيحه" (١).
وقد نبه إلى ذلك كثير من العلماء، كالعلامة أبي مسعود الدمشقي، والقسطلاني، وعبد الرحمن المعلمي، والشيخ المباركفوري وغيرهم (٢).
فالإمام مسلم إذًا قد يورد الأحاديث (الطرق) المعلولة ليبين علّتها، لا أنَّه يستدل بها وهذا الذي حمله أن يورد روايات متعارضة في مكان واحد فمثلًا تراه يثبت قضية ما في حديث الباب، ويورد حديثًا بعده ينفي القضية تلك، ولكن العمدة في المسألة هو تبويبه له، ونضرب لذلك مثلًا واحدًا له، له نظائر عديدة هو:
حديث زيد بن أرقم - ﵁ - (٣)،المعروف بحديث الثقلين: فإنه أخرجه في٤/ ١٨٧٣ (٢٤٠٨): فأخرج في حديث الباب، فقال:"حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد جميعًا عن ابن علية قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثني أبو حيان حدثني يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين:"لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا رأيت رسول الله - ﷺ - وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله - ﷺ -؟ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله - ﷺ - فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال:"قام رسول الله - ﷺ - يوما فينا خطيبًا بماءٍ يدعى خمًا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي
أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي "فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل
_________________
(١) الموازنة ص ٣٩.
(٢) انظر كتاب"عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح"،د. المليباري ص٥١ فما بعد، وهو كتابٌ قيمٌ نبَّه بحث فيه الدكتور هذه الجزئية المهمة بعناية فائقة، وبنفس طويل، فانظره ففيه فوائد جمة.
(٣) انظر المسند الجامع ٥/ ٥٠٦ (٣٨٢٩).
[ ٢٨٦ ]
هؤلاء حرم الصدقة قال: نعم ".
ثم قال مسلم:"حدثنا محمد بن بكار بن الريان قال: حدثنا حسان يعنى ابن إبراهيم عن سعيد وهو بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيرًا لقد صاحبت رسول الله - ﷺ - وصليت خلفه، وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان غير أنه قال: " ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله ﷿ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة "وفيه:"فقلنا من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وأيمُ الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده"؟!
أقول: قد ساق مسلم هذا الحديث من أربعة طرق:
الأول: من حديث زهير بن حرب، وشجاع بن مخلد من حديث إسماعيل بن علية عن أبي حيان، عن يزيد بن حيان، أثبت فيه أنّ نساءه من أهل بيته، وهو ما يوافق نص القرآن الكريم (١).
الثاني: من حديث محمد بن بكّار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم عن سعيد ابن مسروق، عن يزيد بن حيان، ولفظه بمعنى حديث زهير الأول.
الثالث: من طريق محمد بن فضيل وجرير، عن أبي حيان، عن يزيد بمثل الحديث الأول مع زيادة لجرير في التمسك بكتاب الله.
الرابع: أعاد إسناد حديث محمد بن بكّار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيان، وفيه نفي أنّ نساءه من أهل بيته. وهذا مناقض لحديث الباب وللمتابعات التي ساقها مسلم في الثاني والثالث، فكأنه أراد أن يبين أن محمد بن بكار، رواه على وجهين عن حسان بن إبراهيم، وحسان بن إبراهيم هو: الكرماني، قال الحافظ ابن حجر عنه: "صدوق يخطئ "، وقال صاحبا التحرير: "صدوق حسن الحديث، له أفرادات، وثقه أحمد، وابن معين، وعلي بن المديني، والدارقطني، والذهبي، وقال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي:" قد حدث بأفرادات كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء،
_________________
(١) قال تعالى مخاطبًا نساء النبي - ﷺ -:"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ". الأحزاب ٣٣.
[ ٢٨٧ ]
وليس ممن يظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسنادًا، وإنما هو وهم منه، وهو عندي لا بأس به ". فهذا رجل قد وثقه الأئمة ولعلّ النسائي لين أمره بسب أفراداته، وبعض وهمه، وقد أخرج
له البخاري أحاديث يسيرة توبع عليها مما يدل على صحته في الجملة، وأن البخاري انتقى من حديثه الصحيح " (١).
فلعلّ هذا من إفراداته التي أخطأ فيها إذ روى كلام زيد بن أرقم - ﵁ - على وجهين مختلفين. أما قول النووي:"والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: نساؤه لسن من أهل بيته " (٢)، فلا نعلم من أين جاء به، فإن الروايات التي ساقها الإمام أحمد ٤/ ٣٦٦، والدارمي (٣٣١٩)، وابن خزيمة (٢٣٥٧)، والطبراني في الكبير (٥٠٢٨)، وغيرهم ليس فيها ذلك.
فهذا الحديث - الطريق - قد جاء به مسلم مرة متابعًا لرواية الجماعة وذكره أخيرًا ينفي ذلك فجاء به من طريق محمد بن بكار بن الريان: قال حدثنا حسّان - يعني ابن إبراهيم - عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم عن النبي - ﷺ - به على الوجهين؟
فأيهما الصحيح؟ وهل نساؤه من أهل بيته؟ ولماذا الإمام مسلم لم يعل الرواية الأخرى؟ وكيف أتى بها وهي معلولة؟
الجواب على ذلك كله في النص الذي بيّناه! فتأمل.
وهكذا نخلص بثلاث نتائج مهمة لموضوعنا:
١ - ليس كل أحاديث صحيح مسلم بمرتبة واحدة من الصحة.
٢ - إذا جاءتنا رواية فيها زيادة - على مفهوم المتأخرين لها - وكانت الرواية في المتابعات أو الشواهد فلا يعني ذلك قبولها عند الإمام مسلم، لأنها لو كانت مقبولة عنده لأوردها في أصل حديث الباب إذ قد تكون غير مقبولة عنده وإنما أخرجها ليبين علّتها على قاعدته، إلاّ إذا صرّح بقبولها هو في موضعها.
فلا يحق لنا نسبة القول أنه يقبل الزيادة لأنه أوردها في المتابعات أو الشواهد.
لذا فإنك تجد الأئمة المتأخرين كالقاضي عياض، وأبي مسعود الدمشقي، والنووي يردون على الدارقطني في تتبعه على الإمام مسلم بكونه لم يخرجها في أصل الباب - كما
_________________
(١) تحرير التقريب ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) شرح مسلم ١٥/ ١٨٠.
[ ٢٨٨ ]
سنلاحظه في الأمثلة -، ومع هذا فإننا حاولنا استقراء جميع الأمثلة في الأصول أو المتابعات، ومناقشة ذلك.
ولا بد أن نجيب عن تسائل مهم: وهو لماذا لم يصرح الإمام مسلم بعلة الأحاديث هذه؟
فأقول: ذلك لأن الإمام مسلم أورد طرق كل حديث في بابه مجموعة مترادفة، فلا يحتاج إلى أن يبين علّته بعد ذلك لأن القارئ يتنبه إلى الاختلاف مباشرة مثلما مر معنا في حديث زيد بن أرقم.
وأمّا من كان جاهلًا فيعلم، ومن كان مغرضًا للطعن في صحيح الإمام مسلم أو في دين الله من خلال هذه الأحاديث المعللة فلا ينفع معه إيضاح لأنه ﴿وأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ (١).
ومن أراد الاستزادة والإيضاح لمعرفة منهجية الإمام مسلم في العلة فليراجع مع الصحيح كتابه العظيم (التمييز) الذي يصرح فيه الإمام مسلم بالعلل ويناقش الأحاديث بفتح من الباري - ﷻ -.
وبعد الاستقراء التام أو القريب من التام لصحيح الإمام مسلم وبالاستعانة بكتاب الدارقطني العظيم (الإلزامات والتتبع)،وبردود أبي مسعود الدمشقي، والقاضي عياض، والإمام النووي في شرح الصحيح، وقفت على الأحاديث التي تعنيني في البحث، وجمعت الأحاديث التي قبل فيها الإمام مسلم الزيادة والتي رد فيها الزيادة ثم ناقشتها وناقشت الإمام الدارقطني والأئمة الذين دافعوا أو نقدوا على وفق القاعدة التي ذكرناها في الزيادة.
وقد وجدت الإمام مسلم يقبل الزيادة من الثقة على وفق فهم المتقدمين لمعنى الزيادة كما مرت (٢)، وليس زيادة ثقة واحد على جماعة من الثقات؛ وأمّا على تعريف المتأخرين لها وفهمهم للزيادة فلم أجده يوردها إلاّ في بعض الأحاديث وقد بيّنا أنَّه إنما أوردها لبيان علّتها كما سيأتي.
ولو أنه كان يقول بقبول الزيادة على وفق فهم المتأخرين وهي زيادة راوٍ على بقية الرواة في الشيخ نفسه - سندًا أو متنًا - لما وسع صحيح مسلم إلاّ أن يكون ثلاثة
_________________
(١) سورة آل عمران (٧).
(٢) انظر ص٢٠٨.
[ ٢٨٩ ]
أضعاف حجمه أو يزيد، لكثرة الزيادات، وأهميتها في الأحكام.