ومما مر نخلص إلى أنّ المتقدمين لا يفصلون بين المصطلحين، بل لم يشتهر عندهم مصطلح " شاذ " إلا عند البعض منهم، وما جاء عن هؤلاء من تعريف الشاذ كأنهم أرادوا به المعنى اللغوي والذي يعني التفرد لذا قال الشافعي:
" ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس هذا الشاذ من الحديث." (١). فالشاذ والمنكر عند المتقدمين هو تفرد الثقة وغيره بشيء غير محفوظ أو بمخالفتهم المحفوظ؛ إسنادًا أو متنًا.
وأما عند علماء المصطلح فإنهم لم يختلفوا عن منهج المتقدمين إلى أن جاء الحافظ ابن حجر العسقلاني ففرق بينهما وعدَّ من سوّى بينهما أنه غفل، وقد بان من خلال أقوال وصنيع الأئمة المتقدمين من قبله أن هذا التفريق لا يقوم على أسس صحيحة بينة، وهو في مجمله تفريق جزئي غير بيّن.
والذي أراه أنه ليس مثل الحافظ العسقلاني يغفل عن هذا!؟ فهو إمام جبل، وكأنه لما رأى أن الناس قد قسموا الحديث إلى إسناد ومتن وعلة إسناد وعلة متن فالحديث قد يصح سندًا ولا يصح متنًا، وهذا ينافي صنيع المتقدمين، خشي من التباس تفرد الثقات مع تفرد الضعفاء ومخالفتهم مع مخالفة الضعفاء لأن الناس يحكمون من خلال رجال السند على المتون أراد وضع قيد لفصل مخالفات الثقات عن مخالفات الضعفاء .. أو نحوها من الأسباب.
وحسبه في ذلك ما نقله عنه تلميذه الحافظ السخاوي إذ قال: سمعت الحافظ يقول:" لست راضيًا عن شيء من تصانيفي لأني عملتها في ابتداء الأمر ثم لم يتسن لي تحريرها سوى " شرح البخاري " ومقدمته"والمشتبه"و"التهذيب"و"لسان الميزان" أما سائر
_________________
(١) معرفة علوم الحديث، الحاكم ص١١٩، وانظر المنهل الروي، ابن جماعة ص٥٠ - ٥١.
[ ١٣٣ ]
المجموعات فهي كثيرة العدد واهية العدد ضعيفة القوى خافية الرؤى" (١).وهذا الكلام يدلل على الإنصاف والعدل حتى مع النفس، ولا ضير فهو الإمام الحافظ الحجة، خاتمة الحفاظ، ولكن الحق أحق أن يتبع.
أقول: وأصبح مفهوم الشاذ والمنكر وفصلهما عن بعضهما كما قرره الحافظ ابن حجر العسقلاني قاعدة سار عليها كل من جاء من بعده فمن يقرأ تعريف المنكر أو الشاذ في تقريب النووي مثلًا يجده خلاف ما يقرأه في "فتح المغيث" أو "تدريب الراوي" أو "توضيح الأفكار" أو أي كتاب آخر إلى يومنا هذا (٢).
ولم تنته هذه المسألة إلى هذا الحد إذ ما المشكلة من إطلاق هذين المصطلحين على حديث واحد، أنت تسميه شاذًا، وأنا أسميه منكرًا، ولا سيما إنهما من أقسام الحديث الضعيف؟! ولا مشاحّة في الاصطلاح؟!
وستتضح المسألة أكثر في مبحث زيادة الثقة إذ عشرات الأحاديث التي يسميها المتأخرون زيادة ثقة هي في حقيقتها منكرة، أو شاذة أو غير محفوظة أو خطأ، أما في إسنادها أو متنها!!
وسنذكر بعضًا من الأمثلة التي توضح كون الأئمة المتقدمين استعملوا لفظ شاذ، ومنكر، وغير محفوظ، وغير معروف، والوهم، وغيرها من ألفاظ التعليل، استعمالا لغويًا، إذ أرادوا بها الحديث الخطأ، والدليل اختلافهم في الحديث الواحد، فهذا يسميه منكرًا، وذاك يسميه شاذًا، والثالث يسميه غير محفوظ، والرابع يقول: غير معروف، وهكذا.
١ - قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن مروان قال: حدثنا أبي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن رجلًا ابتاع غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا فخاصمه إلى النبي - ﷺ - فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله - ﷺ -:"الخراج
_________________
(١) فهرس الفهارس، الكتاني ١/ ٣٣٧،قال الدكتورحمزة المليباري في كتابه نظرات جديدة ص ٤٩ تعقيبا على كلام الحافظ:"وقد قرأت النص في المعجم المفهرس للحافظ ابن حجر، المخطوط في مكتبة جامعة أم القرى بمكة المكرمة ".
(٢) انظر مثلًا جواهر الأصول، فيض الهروي ص٤٧، وعلوم الحديث، صبحي الصالح ص ٢٠٤، وأصول الحديث، محمد عجاج الخطيب ص ٣٤٨، ودراسات في علوم الحديث، محمد عوض ١١٥.
[ ١٣٤ ]
بالضمان".قال أبو داود: هذا إسناد ليس بذاك (١).
قلت: هكذا قال أبو داود.
وقال الإمام أحمد:"ما أرى لهذا الحديث أصلا " (٢).
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، من حديث هشام بن عروة استغرب محمد بن إسماعيل هذا الحديث من حديث عمر بن علي، قلت: تراه تدليسًا؟ قال: لا " (٣).
وقال في العلل:"سألت محمدًا عن حديث ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة:"أن النبي - ﷺ - قضى أن الخراج بالضمان"؟ فقال: مخلد بن خفاف لا أعرف له غير هذا الحديث، وهذا حديث منكر " (٤).
وقال ابن الجوزي: " وهذا الحديث لا يصح " (٥).
أقول: وقد صححه الحاكم فقال:" صحيح الإسناد، ولم يخرجاه " (٦)!
٢ - قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس الأودي، هو عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة ابن شعبة:" أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين ".
قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين.
قال أبو داود: وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ -: أنه مسح على الجوربين، وليس بالمتصل، ولا بالقوي.
قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء ابن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وروي ذلك
_________________
(١) سنن أبي داود (٣٥١٠).
(٢) العلل المتناهية، ابن الجوزي٢/ ٥٩٦ (٩٨٢).
(٣) جامع الترمذي (١٢٨٦).
(٤) العلل الكبير ص١٩١ (٣٣٧).
(٥) العلل المتناهية، ابن الجوزي٢/ ٥٩٦ (٩٨٢).
(٦) المستدرك ٢/ ١٨.
[ ١٣٥ ]
عن عمر بن الخطاب، وابن عباس" (١).
قلت: هكذا قال أبو داود.
وقال البيهقي: " قال عبد الرحمن بن مهدي، قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو واه أو كلمة نحوها " (٢).
وقال ابن معين:"الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس" (٣).
وقال عبد الله بن أحمد:"حدثت أبي بهذا الحديث فقال أبي: ليس يروى هذا إلا من حديث أبي قيس قال أبي: أبى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر" (٤).
وقال ابن المديني:"رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا انه قال: ومسح على الجوربين وخفائف الناس" (٥).
وقال النسائي: " ما نعلم أن أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة: أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين. والله اعلم " (٦).
وقال الإمام مسلم بعد أن ساقه:"ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن" (٧)، ثم قال:"
_________________
(١) سنن أبي داود (١٥٩).
(٢) سنن البيهقي ١/ ٢٨٤.
(٣) أنظر مصدر سابق.
(٤) العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٣٦٦.قلت: قال صديقنا الأخ حسن مظفر الرزو في كتابه المسح على الجوربين ص ٢٨: معقبًا على قول الإمام عبد الرحمن بن مهدي:" منكر ": " وهذا مردود بما ورد في تعريف هذا المصطلح عند أئمة الحديث. فالحديث يكون منكرًا متى ما انفرد به من لم يتصف بالثقة والضبط وقد انفرد برواية هذا الحديث ثقة ضابط، لذا يكون الحديث معلولًا بالشذوذ دون النكارة". .أ. هـ قلت: وهذا القول من نتائج غياب المنهج السليم في تقعيد مصطلح الحديث، فكيف يحاكم إمام النقد على قواعد المتأخرين؟ وكان الأجدر بالأخ حسن أن ينتقد تعريف المتأخرين لا العكس، وعلى أية حال فلا فرق بين الشاذ والمنكر عند المتقدمين.
(٥) البيهقي ١/ ٢٨٤.
(٦) السنن الكبرى ١/ ٩٢ (١٣٠).
(٧) التمييز ص ٢٠٢ (٩٩).
[ ١٣٦ ]
والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهزيل، لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارًا غير هذا " (١).
وقال الدارقطني:"لم يروه غير أبي قيس، وهو مما يعد عليه به لأن المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين" (٢).
٣ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:" وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن، فقام رجل من القوم فاتخذه فجاء به، فقال: في أي شيء كان هذا؟ قال: في عكة ضب، قال: ارفعه ".قال أبو داود: هذا حديث منكر، قال أبو داود: وأيوب ليس هو السختياني " (٣).
قلت: هكذا قال أبو داود: حديث منكر.
وقال أبو حاتم:"باطل، ولا يشبه أن يكون من حديث أيوب السختياني، ويشبه أن يكون من حديث أيوب بن خوط " (٤).
وسئل الإمام أحمد عنه:"فاستنكره، وحرك رأسه كأن لم يرضه " (٥).
٤ - قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين قال: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أبي بن عمارة، قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله - ﷺ - للقبلتين، أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يومًا؟ قال: يومًا، قال: ويومين؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت ".
قال أبو داود: رواه ابن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن ابن رزين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة قال فيه:" حتى بلغ سبعًا، قال رسول الله - ﷺ -:نعم وما بدا لك "، قال أبو داود: وقد اختلف في
_________________
(١) التمييز ص ٢٠٣.
(٢) العلل ٧/ ١١٢.
(٣) سنن أبي داود (٣٨١٨).
(٤) العلل ٢/ ١٩.
(٥) تهذيب التهذيب ١/ ٣٥٢ في ترجمة أيوب بن خوط. وانظر تعليق أستاذنا المشرف على سنن ابن ماجه (٣٣٤١)،وتحفة الأشراف ٥/ ٣٧٠ (٧٥٥٢).
[ ١٣٧ ]
إسناده وليس هو بالقوي، ورواه ابن أبي مريم ويحيى بن إسحاق والسليخي عن يحيى ابن أيوب وقد اختلف في إسناده" (١).
قلت: هكذا قال أبو داود:"ليس بالقوي".
وقال الإمام أحمد بن حنبل:"رجاله لا يعرفون" (٢).
وقال ابن حبان:" لست أعتمد إسناده " (٣).
وقال الدارقطني:"هذا الإسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا " (٤).
وقال الجورقاني:"هذا منكر " (٥).
وقال أبو فتح الأزدي:"حديث ليس بقائم " (٦).
وقال ابن عبد البر: " لا يثبت وليس له إسناد قائم " (٧).
وقال ابن الجوزي: " هذا حديث لا يصح " (٨).
ونقل الإمام النووي: اتفاق الأئمة على تضعيفه: كالإمام البخاري وأبي زرعة الرازي وغيرهم. (٩)
٥ - قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: قدم عباد ابن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء فأخذ بيده فأقامه، ثم قال: اللهم إن هذا يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال:" إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ". فقال العلاء اللهم إن أبي حدثني، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - بذلك. قال أبو داود: رواه الثوري، وشبل بن العلاء، وأبو عميس، وزهير بن محمد عن العلاء.
قال أبو داود: وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي - ﷺ - كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي - ﷺ - خلافه.
_________________
(١) سنن أبي داود (١٥٨).
(٢) العلل المتناهية، ابن الجوزي ١/ ٣٥٨ (٥٩٣)، وانظر التلخيص الحبير، ابن حجر ١/ ١٦٢.
(٣) الثقات ٣/ ٦ ترجمة (١٣).
(٤) سنن الدارقطني ١/ ١٩٨.
(٥) الأباطيل ١/ ٣٨٤ (٣٧١).
(٦) التلخيص الحبير، ابن حجر ١/ ١٦٢.
(٧) أنظر مصدر سابق.
(٨) العلل المتناهية ١/ ٣٥٨ (٥٩٣).
(٩) المجموع شرح المهذب١/ ٤٨٤.
[ ١٣٨ ]
قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجىء به غير العلاء عن أبيه حديث أبي هريرة: " إذا انتصف شعبان " (١).
وجاء في سؤالات البرذعي: " وشهدت أبا زرعة ينكر حديث العلاء بن عبد الرحمن إذا انتصف شعبان وزعم أنه منكر " (٢).
وقال النسائي:" لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن " (٣).
وقال أحمد:"هذا الحديث ليس بمحفوظ قال: وسألت عنه ابن مهدي فلم يصححه ولم يحدثني به وكان يتوقاه. قال أحمد: والعلاء ثقة، لا ينكر من حديثه إلا هذا " (٤).
٦ - قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي قال: حدثني الحارث بن وجيه قال: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر".قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف " (٥).
قلت: هكذا قال:"حديثه منكر ".
وقال الإمام الشافعي:"هذا الحديث ليس بثابت " (٦).
وقال أبو حاتم: " حديث منكر" (٧).
ونقل البيهقي أن الإمام البخاري: استنكره (٨).
وقال الترمذي: (١٠٦):"غريب، لا نعرفه إلا من حديثه وهو شيخ ليس بذاك".
وساقه العقيلي وقال:" لا يتابع عليه، وله غير حديث منكر " (٩).
_________________
(١) سنن أبي داود (٢٣٣٧).
(٢) سؤالات البرذعي ص ٣٨٨.
(٣) السنن الكبرى ٢/ ٢٧٢ (٢٩١١).
(٤) نصب الراية، الزيلعي ٢/ ٤٤٠.
(٥) سنن أبي داود (٢٤٨).
(٦) سنن البيهقي ١/ ١٧٩ والتلخيص الحبير، ابن حجر ١/ ١٤٢.
(٧) العلل ١/ ٢٩ (٥٢).
(٨) سنن البيهقي ١/ ١٧٩.
(٩) الضعفاء ١/ ٢١٦.
[ ١٣٩ ]
٧ - قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين، وهناد بن السري، وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، وهذا لفظ حديث يحيى، عن أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - كان يسجد وينام، وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ. قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال:" إنما الوضوء على من نام مضطجعًا ".زاد عثمان وهناد:" فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله ".قال أبو داود: قوله
الوضوء على من نام مضطجعًا: هو حديث منكر، لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني، عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا، وقال: كان النبي - ﷺ - محفوظًا، وقالت عائشة ﵂ قال النبي - ﷺ -:" تنام عيناي ولا ينام قلبي".وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس ابن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس، حدثني رجال مرضيون، منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر.
قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل، فانتهرني استعظامًا له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة ولم يعبأ بالحديث" (١).
قلت: هكذا قال أبو داود:"حديث منكر "؛وقال:"وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل، فانتهرني استعظامًا له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة ولم يعبأ بالحديث".
وقال الترمذي في جامعه:"وقد روى حديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه" (٢).
وقال في العلل الكبير:"سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة. قلت: أبو خالد كيف هو؟ قال: صدوق، وإنما يهم في الشيء، قال محمد: وعبد السلام بن حرب صدوق" (٣).
وقال الدارقطني: " تفرد به أبو خالد عن قتادة ولا يصح " (٤).
فهذا الحديث أعلّه أبو داود بالزيادة في متنه، وأعلّه البخاري بالوقف، وتابعه تلميذه الترمذي، وقد صححه بعض المتأخرين (٥).
_________________
(١) سنن أبي داود (٢٠٢).
(٢) الجامع الكبير (٧٧و٧٨).
(٣) العلل ص ٤٥ برقم (٤٣).
(٤) سنن الدارقطني ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٥) انظر كلام أستاذنا المشرف في تحقيق جامع الترمذي برقم (٧٧و٧٨).
[ ١٤٠ ]
٨ - قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا حماد ابن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ -،قال موسى في موضع آخر: عن سمرة بن جندب، فيما يحسب حماد قال: قال رسول الله - ﷺ -:"من ملك ذا رحم محرم فهو حر".
قال أبو داود: روى محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وعاصم، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - مثل ذلك الحديث.
قال أبو داود: ولم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة وقد شك فيه" (١).
قلت: هكذا قال أبو داود.
وقال الإمام ابن المديني:"منكر" (٢).
وقال الإمام البخاري:"لا يصح" (٣).
وقال الترمذي بعد أن ساقه:"هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة " (٤).
٨ - وأخرج الترمذي حديث سمرة الذي مر، ثم قال عقبه: .. وقد روي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال:" من ملك ذا محرم فهو حر ". رواه ضمرة بن ربيعة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -، ولم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث" (٥).
قلت: هكذا قال الترمذي"خطأ "
وقال النسائي:" حديث منكر" (٦).
وقد أنكره أحمد ورده ردًا شديدًا (٧).
_________________
(١) سنن أبي داود (٣٩٤٩).
(٢) التلخيص الحبير، ابن حجر ٤/ ٢١٢.
(٣) التلخيص الحبير، ابن حجر ٤/ ٢١٢.
(٤) جامع الترمذي (١٣٦٥).
(٥) أنظر مصدر سابق.
(٦) التلخيص الحبير، ابن حجر ٤/ ٢١٢، وانظر نصب الراية، الزيلعي ٣/ ٢٧٨.
(٧) تأريخ أبي زرعة (٤٥٩) نقلًا عن تعليق أستاذنا المشرف علىجامع الترمذي (١٣٦٥).
[ ١٤١ ]
أقول: صححه بعض المتأخرين كابن حزم الظاهري (١)،وابن التركماني (٢)،على أنه زيادة ثقة! وأجابهم أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي إجابة وافية، ثم ختم كلامه:"وحديث ينكره النسائي، وأحمد بن حنبل، والترمذي وأضرابهم ويعدوه غلطًا لا ينفع فيه تصحيح كل المتأخرين، وهذه قاعدة ينبغي التنبه إليها" (٣).
٩ - أخرج الترمذي، قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا جرير بن حازم، عن ثابت عن أنس بن مالك، قال:"كان النبي - ﷺ - يكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر" (٤).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (٥) لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، قال: وسمعت محمدًا يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح: ما روي عن ثابت عن أنس قال:"أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي - ﷺ - فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم ".قال محمد: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء، وهو صدوق. قال محمد: وهم جرير بن حازم في حديث ثابت عن أنس عن النبي - ﷺ - قال:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني"،قال محمد: ويروى عن حماد بن زيد قال: كنا عند ثابت البناني فحدث حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني"،فوهم جرير فظن أن ثابتًا حدثهم عن أنس عن النبي - ﷺ - " (٦).
قلت: هكذا قال: حديث غريب إلا من حديث جرير بن حازم سمعت محمدًا يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث والصحيح ما روي عن ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي - ﷺ - فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم، والحديث هو هذا وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء وهو صدوق.
_________________
(١) المحلى ٩/ ٢٠٢.
(٢) الجوهر النقي ١٠/ ٢٩٠.
(٣) جامع الترمذي (١٣٦٥).
(٤) أخرجه الطيالسي، وأحمد وغيرهم انظر تخريجه في المسند الجامع ١/ ٣٥٨ (٥١٣).
(٥) في نسخة الشيخ أحمد شاكر دون (غريب)، وإنما أثبتناها من تحفة الأشراف ١/ ١٠٣ (٢٦٠) ونسخة أستاذنا المشرف الجامع (٥١٧)، وهو الصواب.
(٦) الجامع (٥١٧).
[ ١٤٢ ]
وقال في علله الكبير: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: " هو حديث خطأ، أخطأ به جرير بن حازم، والصحيح عن ثابت عن أنس كان النبي - ﷺ - إذا أقيمت الصلاة يتكلم مع الرجل حتى ينعس بعض القوم " (١).
وقال أبو داود في سننه بعد أن ساقه:" والحديث ليس بمعروف عن ثابت وهو مما تفرد به جرير بن حازم " (٢).
وقال أستاذنا المشرف في تعليقه على عند قول الترمذي " وهم جرير ":وهم جرير في قوله " يكلم الرجل إذا نزل من المنبر "،وإنما الحديث المحفوظ عن ثابت عن أنس" أقيمت الصلاة فأخذ رجل " وليس فيه إذا نزل من المنبر ." (٣).
١٠ - أخرج الترمذي في جامعه، فقال: حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه فأمره النبي - ﷺ - أن يتخير أربعًا منهن".
قال أبو عيسى: هكذا رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه.
قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ (٤)،والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره، عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي: أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، قال محمد: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر لتراجعن نساءك أو لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال ".قال أبو عيسى: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق" (٥).
وقال الأثرم عن أحمد:" ليس بصحيح، والعمل عليه" (٦).
_________________
(١) العلل الكبير (١٤٤).
(٢) سنن أبي داود (١١٢٠).
(٣) الجامع (٥١٧).
(٤) وكذا في العلل الكبير (٢٨٣): "غير محفوظ ".
(٥) الجامع (١١٢٨).
(٦) تلخيص الحبير، ابن حجر٣/ ١٦٩.
[ ١٤٣ ]
وقال أبو زرعة: مرسل أصح (١).
وقال أبو حاتم: وهذا أيضًا وهم، إنما هو عن الزهري عن عثمان بن أبي سويد، قال بلغنا أنّ النبي - ﷺ - (٢).
وقال مسلم: هذا مما وهم فيه معمر بالبصرة (٣).
وقال ابن عبد البر: الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة، وليست أسانيدها بالقوية (٤).
قال أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي معقبًا على من حاول تصحيحه من المتأخرين:"من غير المعقول أن يكون للحديث إسناد صحيح ويجمع هؤلاء الأئمة الكبار على رده مطلقًا" (٥).
وقد ذكره ابن حبان في صحيحه (٦) والحاكم في مستدركه وعده زيادة ثقة، وقال:"والزيادة من الثقة مقبولة " (٧).
١١ - أخرج الترمذي قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا بكر بن يونس بن بكير، عن موسى بن علي عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله يطعمهم ويسقيهم".قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" (٨).
وقال أبو حاتم:"هذا حديث باطل" (٩).
وقال ابن عدي:"ليس يرويه عن موسى بن علي غير بكر بن يونس،.وعامة ما
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠٠ (١١٩٩).
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠١ (١٢٠٠).
(٣) قاله الحاكم ٢/ ٢٠٩،هكذا دون أن ينسبه إلى كتاب، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ١٦٩ أن النص في كتابه التميز، ولكني لم أجده هناك.
(٤) التمهيد ١٢/ ٥٨، وانظر التلخيص الحبير، ابن حجر ٣/ ١٦٩.
(٥) جامع الترمذي (١١٢٨).
(٦) صحيح ابن حبان ٩/ ٤٦٦ (٤١٥٨)،و٩/ ٤٦٣ (٤١٥٩).
(٧) المستدرك ٢/ ٢٠٨و٢٠٩.
(٨) جامع الترمذي (٢٠٤٠).
(٩) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٤٢ (٢٢١٦).
[ ١٤٤ ]
يرويه لا يتابعونه عليه " (١).
وقد صححه الشيخ الألباني!! في سلسلته الصحيحة (٢).
١٢ - قال الترمذي: حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال:"من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض".قال: وفي الباب عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام عن بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد: لا أراه محفوظًا.
قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - ولا يصح إسناده، وقد روي عن أبي الدرداء، وثوبان، وفضالة بن عبيد:"أن النبي - ﷺ - قاء فافطر".وإنما معنى هذا أن النبي - ﷺ - كان صائمًا متطوعًا، فقاء فضعف فأفطر لذلك، هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا، والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمدًا فليقض وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق" (٣).
قلت: هكذا قال الترمذي.
وقال في العلل: سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فلم يعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة وقال:"ما أراه محفوظًا" (٤).
وقال الإمام البخاري:" لم يصح وإنما يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه، وخالفه يحيى بن صالح قال: حدثنا معاوية قال: حدثنا يحيى عن عمر بن حكم بن ثوبان سمع أبا هريرة " (٥).
وقال الإمام أحمد:"ليس من ذا شيء" (٦).
_________________
(١) الكامل في الضعفاء ٢/ ٣١ (٢٧١).
(٢) رقم (٧٢٧).
(٣) جامع الترمذي (٧٢٠).
(٤) العلل الكبير (١٩٨).
(٥) التأريخ الكبير ١/ ٩٠ في ترجمة ابن سيرين.
(٦) سنن البيهقي ٤/ ٢١٩.
[ ١٤٥ ]
وقال الدارمي:"زعم أهل البصرة أن هشامًا وهم فيه" (١).
وقال مهنا عن أحمد:"حدث به عيسى وليس هو في كتابه، غلط فيه وليس هو من حديثه " (٢).
١٣ - اخرج الترمذي في علله قال: حدثنا محمد بن طريف الكوني قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن جابر:"أنّ النبي باع مدبرًا في دين ".سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: لا أعرفه وجعل يتعجب منه" (٣).
قلت: وقال الإمام مسلم:"ذكر رواية أخرى نقلها الكوفيون على الغلط"،ثم ذكرها (٤).
١٤ - قال الترمذي: حدثنا بندار، محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النبي - ﷺ - قرأ "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" فقال: آمين، ومد بها صوته".قال: وفي الباب عن علي وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن.
وقال: سمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواقع من هذا الحديث فقال
وقال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة " (٥).
قلت: هكذا قال الترمذي.
وقال أبو بكر الأثرم:"اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فضبطه ولم يضطرب" (٦).
_________________
(١) سنن الدارمي (١٧٢٩).
(٢) نقله أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي (٧٢٠).
(٣) العلل (٢١٣).
(٤) التمييز ص ١٩٦.
(٥) جامع الترمذي (٢٤٨) بتصرف.
(٦) التلخيص الحبير، ابن حجر ١/ ٢٣٧.
[ ١٤٦ ]
وقال الإمام مسلم:"ذكر الأخبار التي نقلت على الغلط في متونها "وساقه، ثم قال:" أخطأ شعبة في هذه الراوية حين قال: وأخفى صوته" (١).
وقال الدارقطني:"ويقال أنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوته آمين وهو الصواب" (٢).
١٥ - قال الترمذي: حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع النيسابوري، ومحمود بن غيلان، ويحيى بن موسى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، عن النبي - ﷺ - قال:" أفطر الحاجم والمحجوم ".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي، وسعد، وشداد بن أوس، وثوبان، وأسامة بن زيد، وعائشة، ومعقل بن سنان (ويقال بن يسار)،وأبي هريرة، وابن عباس وأبي موسى، وبلال، وسعد. قال أبو عيسى: وحديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج (٣)،وذكر عن علي بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعًا، حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس. وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم الحجامة للصائم حتى أن بعض أصحاب النبي - ﷺ - احتجم بالليل، منهم أبو موسى الأشعري، وابن عمر، وبهذا يقول ابن المبارك. قال أبو عيسى: سمعت إسحاق بن منصور يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: من احتجم وهو صائم فعليه القضاء، قال إسحاق بن منصور: وهكذا قال أحمد، وإسحاق.
حدثنا الزعفراني قال: وقال الشافعي: قد روي عن النبي - ﷺ - أنه احتجم وهو صائم، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: أفطر الحاجم والمحجوم، ولا أعلم واحدًا من هذين الحديثين ثابتًا، ولو توقى رجل الحجامة وهو صائم كان أحب إلي، ولو احتجم صائم لم أر ذلك أن يفطره.
_________________
(١) التمييز ص ١٨٠ (٣٦).
(٢) السنن ١/ ٣٣٤.
(٣) قال الإمام أبو حاتم في العلل ١/ ٢٤٩: "واغتر أحمد بن حنبل بأن قال الحديثين عنده. وإنما يروى بذلك الإسناد عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن كسب الحجام، ومهر البغي ".
[ ١٤٧ ]
قال أبو عيسى: هكذا كان قول الشافعي ببغداد وأما بمصر فمال إلى الرخصة، ولم ير بالحجامة للصائم بأسًا واحتج بأن النبي - ﷺ - احتجم في حجة الوداع وهو محرم" (١).
قلت قول الإمام الترمذي:"حديث حسن صحيح":هكذا هي في نسخة الشيخ أحمد شاكر، ورجحه أستاذنا في تحقيقه للجامع الكبير للترمذي.
وما أثبته الإمام المزي في التحفة"حسن" (٢).والذي أرجحه هو ما أثبته المزي ووافقه أستاذنا بعد تحقيقه لتحفة الأشراف، والله أعلم.
والذي يؤيد ذلك أنّ الإمام الترمذي لما أورده في علله الكبير نقل هناك قول شيخه البخاري"غير محفوظ"وسكت عنه (٣).
وقال يحيى بن معين:"أضعفها "يعني حديث رافع هذا (٤).
وقال أبو حاتم: باطل (٥).
وقال إسحاق بن منصور: هو غلط (٦).
١٦ - قال الترمذي: حدثنا يحيى بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا قيس بن الربيع قال: وحدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الكريم الجرجاني، عن قيس بن الربيع، المعنى واحد، عن أبي هشام يعني: الرماني، عن زاذان، عن سلمان، قال: قرأت في التوراة: أن بركة الطعام الوضوء بعده فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فأخبرته بما قرأت في التوراة، فقال رسول الله - ﷺ -:"بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده".
قال وفي الباب عن أنس وأبي هريرة. قال أبو عيسى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع وقيس بن الربيع يضعف في الحديث وأبو هاشم الرماني اسمه يحيى بن دينار. وقال: لا نعرف هذا الحدث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع يضعف في الحديث (٧).
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال:"هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيحًا كان حديثًا، ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي، عمرو بن خالد عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم " (٨).
_________________
(١) جامع الترمذي (٧٧٤).
(٢) تحفة الأشراف ٣/ ٧٢ (٣٥٥٦).
(٣) العلل الكبير (٢٠٨).
(٤) التلخيص الحبير، ابن حجر ٢/ ١٩٣.
(٥) العلل ١/ ٢٤٩ (٧٣٢).
(٦) جامع الترمذي (٧٧٤).
(٧) جامع الترمذي (١٨٤٦).
(٨) العلل ٢/ ١٠ (١٥٠٢). وعمرو بن خالد هذا متروك، ورماه وكيع بالكذب. التقريب (٥٠٢١).
[ ١٤٨ ]
وقال ابن المبارك:"في حديثه خطأ" (١).
وقال الإمام أحمد:" هو منكر" (٢).
وقال أبو داود:"ليس هذا بالقوي، وهو ضعيف" (٣).
وقال الإمام أحمد عن قيس بن الربيع:"كان كثير الخطأ في الحديث " (٤).
وقال البيهقي: لم يثبت في غسل اليد قبل الطعام حديث" (٥).
١٧ - قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا أيمن بن نابل، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن:"بسم الله، وبالله، التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ".
قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحدًا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ، وبالله التوفيق " (٦).
قلت: هكذا قال النسائي.
وقال الإمام مسلم:"بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث بخلاف الليث وعبد الرحمن إياه، دخل الوهم أيضًا في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه، وقد روي التشهد عن رسول الله - ﷺ - من أوجه عده صحاح فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته " (٧).
_________________
(١) أنظر مصدر سابق.
(٢) تهذيب السنن، ابن القيم ٥/ ٢٩٧، وانظر العلل المتناهية ٢/ ٦٥٢.
(٣) السنن (٣٧٦١).
(٤) الكامل، ابن عدي ٦/ ٢٠٦٣
(٥) السنن ٧/ ٢٧٦.
(٦) قلت: هكذا هو في المطبوع من المجتبى ٣/ ٤٣، وقال الإمام المزي في تحفة الأشراف ٢/ (٢٦٦٥) بعد ساقه: " وقرأت أنا بخط النسائي: لا نعلم أحدًا تابع أيمن على هذا الحديث، وخالف الليث بن سعد في إسناده، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ، وبالله التوفيق ".
(٧) التمييز ص ١٨٩ (٥٩).
[ ١٤٩ ]
وقال الترمذي في الجامع:"غير محفوظ " (١)؛وقال في العلل:"فسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو غير محفوظ هكذا، يقول أيمن بن نابل: عن أبي الزبير عن جابر وهو خطأ " (٢).
وقال الحافظ ابن حجر:" .. أيمن بن نابل كأنه سلك الجادة فأخطأ " (٣).
وقد صححه الحاكم وقال: على شرط مسلم (٤).وخطأه الإمام النووي وغيره من العلماء (٥).
وقال أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي:"وهذا خطأ، أخطأ فيه أيمن بن نابل، وضعفه - يعني الحديث-الجهابذة: البخاري، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي " (٦).
١٨ - قال الإمام النسائي: اخبرني إبراهيم بن الحسن قال: أنبأنا حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله - ﵁ -:أن رسول الله - ﷺ -:نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد ".قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث منكر " (٧).
قلت: أعلَّ حديث جابر أصلًا، إذ قال عنه هنا: منكر، وقال عن طريق آخر: ليس هو بصحيح (٨).
وقال الترمذي:"في إسناده اضطراب" (٩).
وقال مرة:"لا يصح إسناده" (١٠).
١٩ - قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: سئل أبو زرعة عن حديث رواه علي بن ظبيان، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:"المدبر من الثلث"؟ فقال أبو زرعة: هذا حديث باطل وامتنع من قراءته. قلت: يروي خالد بن إلياس، عن نافع، عن ابن عمر قال: المدبر من الثلث قول ابن عمر" (١١).
_________________
(١) حديث رقم (٢٩٠).
(٢) العلل الكبير ص٧٢ (١٠٥).
(٣) التلخيص الحبير ١/ ٢٦٦.
(٤) المستدرك ١/ ٣٩٩.
(٥) نصب الراية، الزيلعي ١/ ٤٢١.
(٦) جامع الترمذي (٢٩٠).
(٧) سنن النسائي ٧/ ٣٠٩.
(٨) سنن النسائي ٧/ ١٩٠.
(٩) جامع الترمذي (١٢٧٩).
(١٠) جامع الترمذي (١٢٨١).
(١١) العلل ٢/ ٤٣٢ (٢٨٠٣).
[ ١٥٠ ]
قلت: وقال الإمام أحمد في العلل: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيد الله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره " (١).
وهكذا بان أنّ أئمة النقد المتقدمين لا يفرقون بين كلا المصطلحين (الشاذ، والمنكر)،بل ولا بينهما وبين (خطأ، وهم، غير معروف، غير محفوظ) .. وهلم جرا.
وأنما استعملوها باعتبارات لغوية، لا اصطلاحية، وأرادوا اعلال ذاك الحديث حسب، وانما تأصل هذا التفريق عند المتأخرين، وعدوها مصطلاحات حديثية مختلفة، وحملوا أقوال المتقدمين ما لا تحتمل، فوقع كثير بعد في الخطأ، لحمل أحكام المتأخرين على أقوال المتقدمين، ولم يتنبه إليه إلا القليل من الناس، والله أعلم.
_________________
(١) العلل برواية المروذي ص١٠٨ (٢٥٦).
[ ١٥١ ]