وخلاصة ما تقدم من أقوال الأئمة المتقدمين نقول: صرح أئمة الحديث من المتقدمين أن الزيادة من الثقة مقبولة، ولكن مفهوم الزيادة عندهم يختلف عما يُعرّفه المتأخرون، فصورة الزيادة المقبولة عندهم هي: أن يروي ثقة حديثًا بصورة ما، ثم يأتي ثقة آخر فيزيد عليه زيادة وصل أو رفع أو لفظة أو جملة، وكذا إذا رواها اثنان بشكل وزاد عليهم ثقتان أي شريطة التكافؤ.
ومن خلال الأمثلة التي صرّحوا فيها بقبول الزيادة، أو ضدها يمكننا تلخيص بعض القرائن التي اعتمدوها من خلال الآتي: -
(١) - زيادة صحابي على صحابي آخر: وهو أن يروي صحابي حديثًا عن رسول الله - ﷺ - ثم يأتي صحابي آخر فيزيد على ذلك الصحابي لفظة ما، وهذه الزيادة مقبولة بالاتفاق، إذا صح السند. ومن أمثلتها:_
أ- زيادة أبي سعيد على أبي هريرة - ﵁ - في حديث " آخر أهل النار خروجًا " إذ جاء في رواية أبي هريرة - ﵁ -: " لك ذلك ومثله معه "وزاد أبو سعيد على أبي هريرة فقال: " قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله والحديث كما أخرجه البخاري (٧٤٣٧) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: " أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال:" فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعْ " الحديث ومنه: " ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد،
_________________
(١) نزهة النظر ص ٤٩.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٠.
[ ٢١٩ ]
ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، مقبل بوجهه قبل النار، فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها واحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت أن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا اقبل الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أُعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب. لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت أن أُعطيت ذلك أن لا تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسال غيره ذلك، فيعطي ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة فيقول الله: ويحك يا ابن آدم، ما اغدرك، اليس قد أُعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي اعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله ﷿ منه ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمنَّ فيتمنى حتى انقطعت أُمنيته، قال
الله ﷿ من كذا وكذا اقبل يذكره ربه، حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك مثله معه".
قال أبو سعيدٍ الخدري لأبي هريرة، ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله، قال أبو هريرة: لم احفظ من رسول الله إلا قوله: لك ذلك ومثله معه، قال أبو سعيد إني سمعته يقول ذلك وعشرة أمثاله. " (١).
قال الحافظ ابن حجر: " الزيادة الحاصلة بين الصحابي، على صحابي آخر، إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها، كحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي في الصحيحين، في قصة آخر من يخرج من النار وكحديث ابن عمر، ﵄: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء (٢)، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري (٣): فأبردوها بماء زمزم " (٤).
ب- ونقل الحافظ ابن حجر عن الإمام البخاري القول: " ما زاده بن عمر وعلى
_________________
(١) أنظر تخريجه كاملا في المسند الجامع ١٨/ (١٥٢٦٦).
(٢) أنظر تخريجه كاملا في المسند الجامع ١٠/ ٦٣٠ - ٦٣١ (٧٩٩٠و ٧٩٩١).
(٣) أنظر المسند الجامع ٩/ ٣٥٠ (٦٧١٥).
(٤) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢ وانظر توضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ١٨.
[ ٢٢٠ ]
وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيه وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم " (١).
جـ- قال ابن أبي حاتم ١/ ١٠٠ (٢٧٢): " سالت أبي عن حديث رواه منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقى عن النبي - ﷺ - في صلاة الخوف، يزيد فيها جرير فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر هذه الزيادة محفوظة قال نعم هو صحيح ".
قلت: قبل أبو حاتم زيادة الصحابي (جرير) على الآخر (الزرقي).
(٢) زيادة الراوي إذا كان ثقة على جماعة غير ثقات: وهذا أمر لا خلاف عليه، فالثقة الحافظ حجة على غيره غير الحفاظ، ولو كثر عددهم.
(٣) زيادة الراوي الضعيف على الضعفاء أو على الثقة أو الثقات مردودة أيضًا.
(٤) زيادة الراوي الثقة على الثقة أو زيادة الثقات - جماعة - على الثقات.
وفي مثل هذا يلاحظ المتقدمون القرائن كالأحفظ، والأضبط، وغيرها من المرجحات، وفي مثل هذه الحالة، أعني: " التكافؤ "، أطلق الأئمة مصطلح القول أنّ: " زيادة الثقة مقبولة ". وشرع المتأخرون يبنون على هذه القاعدة قبول الأحاديث معلولة بحجة أنّ المتقدمين يقولون بالقبول المطلق أو المشروط لزيادة الثقة.
وسأوضح ذلك بالأمثلة:
ا- حديث " لا نكاح إلاّ بولي " (٢).
التعليق: أطلق البخاري هنا مصطلح الزيادة من الثقة مقبولة لزيادة جماعة أمام جماعة.
ب- قال ابن أبي حاتم (١٣٩٧): " سألت أبي وأبو زرعة عن حديث رواه مخالد بن سعيد عن الشعبي عن الحارث عن على عن النبي - ﷺ - أنه قال:" المعدن جبار ".؟ وذكرت لهما الحديث فقالا: هذا خطأ إنما هو عن الشعبي عن جابر عن النبي - ﷺ -،وهو الصحيح. وسألتهما عن حديث رواه أبو إسحاق عن الحارث بن مضرب في قصة ابن النواحة
_________________
(١) فتح الباري ٢/ ٢٨٣. وقد بينا أنه صرح بقبول هذا النوع في صحيحه ص ٢٠٨.
(٢) أنظر تفصيل الإجابة صفحة ١٨٢ من هذا البحث.
[ ٢٢١ ]
الزيادة التى يزيد أبو عوانة أنه قال: "وكفلهم عشائرهم ". هو الصحيح؟ فقالا: رواه الثورى ولم يذكر هذه الزيادة إلا أن أبا عوانة ثقة وزيادة الثقة مقبولة ".
التعليق: صرحا أن الزيادة من الثقة مقبولة، وأرادا بها زيادة ثقة واحد أمام ثقة واحد - متكافئين في العدد -.
ج- قال ابن أبي حاتم (١٤٤٢): " وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن اسحق بن عبد الله بن الحرث: " أن النبي - ﷺ - اشترى حلة يمانية ببضع وعشرين دينارا ". ورواه همام عن قتادة عن علي بن زيد أن النبي - ﷺ -.؟ قال أبي: قصر همام، وزاد حماد وهي زيادة صحيحة."
التعليق: قبل زيادة حماد بن سلمة لما زاد على همام، لأنها متكافئة، وهو ثقة (١).
د- وقال الترمذي في العلل حديث (١٣٠): حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال:" إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ". قال أبو عيسى: وهكذا روى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ولم يرفعه، وقال أيوب السختياني وزياد بن سعد وزكريا بن إسحاق ومحمد بن جحادة وورقاء بن عمر وإسماعيل بن مسلم رووا عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وروى عبد الله بن عياش بن عباس القتباني عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، ومرفوع أصح ".
التعليق: صحح الترمذي زيادة رفع الحديث لما رواه: " سفيان بن عيينة وحماد بن زيد " وهما ثقتان موقوفًا، ورواه: " أيوب السختياني، وزيادة بن سعد، وزكريا بن إسحاق، ومحمد بن حمادة، وورقاء بن عمر، وإسماعيل بن مسلم " مرفوعًا.
هـ- أخرج البخاري حديث (١٠٢٠) فقال: حدثنا محمد بن كثير عن سفيان حدثنا منصور والأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال أتيت بن مسعود فقال: إنّ قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي - ﷺ - فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: "يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك هلكوا فادع الله. فقرأ: " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ". ثم
_________________
(١) وللمزيد أنظر الأحاديث: (٢٩٦،و٣٧٢ و١٠٠٣).
[ ٢٢٢ ]
عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: يوم نبطش البطشة الكبرى " يوم بدر.
قال أبو عبد الله: وزاد أسباط عن منصور: " فدعا رسول الله - ﷺ - فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعا، وشكا الناس كثرة المطر. قال: اللهم حوالينا ولا علينا فانحدرت السحابة عن رأسه فسقوا الناس حولهم ".
قلت: الإمام البخاري هنا أورد زيادة ثقة: "أسباط بن نصر ".لما كانت متكافئة، ثقة واحد أمام آخر (١).
٦ - زيادة جماعة الثقات على ثقة واحد أو دونه في الضبط والحفظ تقبل عندهم.
٧ - إذا روى ثقة أو جماعة من الثقات حديثًا متصلًا سنده ثم جاء راوٍ آخر فزاد في إسناده رجلًا لم يذكره الباقون فإن كان من ثقة حافظ قبل وهذا ما يسميه علماء المصطلح " المزيد في متصل الأسانيد " وإن لم يكن ثقة عد ذلك من الوهم.
وسأذكر أمثلة من صنيع المتقدمين:
١ - أخرج الترمذي في جامعه (٣٠٣) فقال: " حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي - ﷺ - فرد ﵇ فقال: " ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان صلى. ثم جاء إلى النبي - ﷺ - فسلم عليه فرد ﵇، فقال له رسول الله - ﷺ -: " ارجع فصل فإنك لم تصل، حتى فعل ذلك ثلاث مرار، فقال له الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني؟ فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن
_________________
(١) أخرجه البخاري صحيحه (١٠٢٠)،والبيهقي ١/ ١٤٤، اذ قد رواه عن منصور عدة ثقات دون الزيادة منهم جرير بن حازم عن منصور وحده: أخرجه البخاري (١٠٠٧) وشعبة عن منصور والأعمش: عند أحمد ١/ ١٤٤ والبخاري (٤٨٢٤)، والترمذي (٣٢٥٤)، ومن طريق سفيان الثوري: عنهما، عند البخاري (٤٧٧٤). قلت: أسباط وجرير فقط، روياه عن منصور وحده، أما الباقون فقد رووه عن منصور والأعمش، فهذا ليس من قبيل زيادة واحد على واحد. أنظر فتح الباري ٢/ ٦٥٠.
[ ٢٢٣ ]
ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك كلها ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قال: وقد روى ابن نمير هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يذكر فيه عن أبيه عن أبي هريرة، ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح، وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة وروى عن أبيه عن أبي هريرة وأبو سعيد المقبري اسمه كيسان وسعيد المقبري يكنى أبا سعد وكيسان عبد كان مكاتبا لبعضهم ".
قلت: فهنا الإمام الترمذي صرح بقبول الزيادة لماّ كانت من المزيد في متصل الأسانيد، إذ تحقق سماع سعيد المقبري من أبيه، ومن أبي هريرة، كما قال الترمذي:"
وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة وروى عن أبيه عن أبي هريرة ". فهذه بعض الوجوه التي قبل فيها المتقدمون زيادة الثقة وصرحوا بقبولها وفق القرائن المرجحة لديهم.
وقد أحسن الحافظ ابن حجر بقوله:"ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق " (١).
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٧٨.
[ ٢٢٤ ]