قال به جمهور أهل المصطلح: الخطيب البغدادي، والميانشي، وابن الصلاح وابن دقيق العيد، والحافظ ابن كثير، والإمام النووي ومن جاء بعدهم ممن كتب في المصطلح إلى الحافظ ابن حجر الذي فرق بينهما.
ولنأخذ أول من تكلم منهم في الشاذ كمصطلح مستقل لنوع من أنواع علوم الحديث، قال الحافظ ابن الصلاح:" الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك
_________________
(١) انظر تخريجه في المسند الجامع بالأرقام: ١٣/ (٩٨٣٨) عن عقبة، و٣/ (١٩٣١) عن بشر بن سحيم، و٥/ (٣٤٧٤) عن حمزة بن عمرو الأسلمي، و٨/ (٥٧٧٩) عن عبد الله بن حذافة، و١١/ (٨٤٤١) عن عبد الله بن عمرو، و١٣ / (١٠١٢٦) عن علي و١٤ / (١٠٧٥١) عن عمرو بن العاص، و١٤/ (١١٢٥٣) عن كعب بن مالك، و١٥/ (١١٨٣٤) عن نبيشة، و١٧ / (١٣٤٩٨) عن أبي هريرة، و١٩ / (١٦٦٣٩) عن عائشة - ﵁ -.
(٢) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩١.
[ ١٠١ ]
وأضبط، كان ما انفرد به شاذًا مردودًا وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له مزحزحًا له عن حيز الصحيح ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخالف، والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم (١).
وتعقبه ابن جماعة: " وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (٢).
أقول: فحاصل كلام ابن الصلاح هو:
١ - إن انفراد الراوي -ثقة أم غير ثقة- يضره.
٢ - إن كان المنفرد ثقة ضابطًا كان ذلك خارمًا له مزحزحًا له عن درجة الخبر الصحيح وهو دائر بين مرتبة الحسن والضعيف.
٣ - إن كان المنفرد ضعيفًا فإن حديثه من قبيل الشاذ المنكر، وإن كان مخالفًا فمن باب أولى.
٤ - إن كان المنفرد ثقة مخالفًا لمن هو أحفظ وأضبط فحديثه شاذ مردود.
أقول: نحا ابن الصلاح في هذا منحى الأئمة المتقدمين من اعتبار الشاذ والمنكر بمعنى واحد وأن التفرد علة حتى ولو من ثقة.
والذي أراه هو أنّ ابن الصلاح استعمل الشاذ لغة وهو " التفرد " فقسمه إلى قسمين: شاذ مردود (تفرد مردود) ثم تحدث عنه وهو على أقسام تفرد الضعيف، وتفرد الثقة الذي لا يحتمل تفرده.
وقد نتسائل: أين صرح ابن الصلاح بمراده من (الشاذ المقبول)؟ والجواب أنه
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٧٦.
(٢) المنهل الروي ص٥٠.
[ ١٠٢ ]
تحدث عنه بقوله: " فينظر في حال المروي فإن كان عدلًا .. قبل ما انفرد به".
وهذا يوضح أنَّ مراده من الشاذ - هنا - الشاذ اللغوي.
لذا فإنه اعترض على تعريف الحاكم والخليلي بالأفراد الصحاح (١)، ولو قال إنَّ من الشاذ ما هو مقبول وأنّه يعبر عن تفرد الثقة بالشاذ لما اعترض على الحاكم والخليلي لما فهم من كلامهما هذا؟
ومن هنا ندرك خطأ العوني لما هجم على ابن الصلاح واتهمه أنه يميل إلى مذهبه وإلى نصرة أقوال إمام مذهبه، أعني الإمام الشافعي، حينما اعترض ابن الصلاح على تعريف الحاكم والخليلي للشاذ، ذلك لأن العوني حاكم ابن الصلاح على فهمه هو لمعنى الشاذ (٢)!!
والذي يدلل على صحة كلامنا أنَّ الأئمة من بعد ابن الصلاح لم يفهموا أن مراده من الشاذ المردود وجود شاذ مقبول، وإلاّ لاعترضوا عليه كما اعترضوا على غيره لما فهموا ذلك من كلامهم؟!
بل الإمام النووي نقل كلام ابن الصلاح دون أن ينسبه إليه وهذا اعتراف بصحة كلامه وباعتناقه للمذهب ذاته (٣).
وهكذا نخلص إلى أنّ ابن الصلاح يسوي بين الشاذ والمنكر في اصطلاح المحدثين.
وخلاصة ما ذكره ابن الصلاح في مبحث الشاذ يرتبط بما ذكره في مبحث العلة إذ قال: " إنّ العلّة هي ما دلَّ على الخطأ والوهم وإنها تتطرق كثيرًا إلى روايات الثقات، وإنها لم تدرك بتفردهم - وهم ثقات - أو بمخالفتهم للغير إذا انضمت إليه القرائن التي تنبه الناقد على أن هذا التفرد والمخالفة ناتجان عن الخطأ والوهم، وهذا في الواقع مانع لإطلاق القبول فيما يتفرد به الثقة أو فيما زاده، كما هو مانع لإطلاق الرد فيما خالف الثقة لغيره، وإنما مدار القبول والرد على القرائن العلمية التي لا يحصيها العدد، والتي لا يقف عليها إلا الناقد المتمرس الفطن، إذ لكل حديث قرينة خاصة كما صرح بذلك المحققون، مثلًا: كون الراوي أوثق أو أحفظ قرينة اعتمد عليها النقاد لكنهم لم يعتبروها في
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص٧٧ - ٧٩.
(٢) المنهج المقترح ص٢٧٦.
(٣) تدريب الراوي ١/ ١٩٦.
[ ١٠٣ ]
كافة الروايات، وجميع الأحاديث وهكذا وإدراك القرينة المرجحة لا يتم إلا للناقد صاحب الذوق الحديثي، ولهذا قال الحاكم وغيره: " الحجة فيه - أي في معرفة خطأ الراوي - عندنا الحفظ والمعرفة لا غير " (١).
وهذا هو الذي سار عليه الحافظ ابن رجب الحنبلي، إذ قال: " ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة وهي نوعان - ما هو شاذ الإسناد وما هو شاذ المتن كالأحاديث التي صحت الأحاديث بخلافها أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها وهذا كما قاله أحمد في حديث أسماء بنت عميس " تسلبي ثلاثًا ثم أصغي ما بدا لك "، أنه من الشاذ المطرح " (٢).
وذهب ابن حزم الظاهري إلى استعمال الشاذ بالمعنى اللغوي فقال:
" هذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما واختلف الناس في ذلك المعنى فقالت طائفة الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم، وهذا قول قد بينا بطلانه في باب الكلام في الإجماع من كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين، وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق فهو محمود ممدوح والشذوذ مذموم بإجماع فمحال أن يكون المرء محمودًا مذمومًا من وجه واحد في وقت واحد وممتنع أن يوجب في شيء واحد الحمد والذم معًا في وقت واحد من وجه واحد، وهذا برهان ضروري وقد خالف جميع
الصحابة - ﵃ - أبا بكر في حرب أهل الردة فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم فكان هو وحده المصيب فبطل القول المذكور، وقال طائفة: الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليه وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا وهذا المعنى لو وجد نوع من أنواع الشذوذ وليس حدًا للشذوذ ولا رسمًا له وهذا الذي ذكروا لو وجد شذوذ وكفر معًا لما قد بينا في باب الكلام في الإجماع أن من فارق الإجماع وهو يوقن أنه إجماع فقد كفر مع دخول ما ذكر في الامتناع والمحال وليت شعري متى تيقنا إجماع جميع العلماء كلهم في مجلس واحد فيتفقون ثم يخالفهم واحد منهم والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق أن حد الشذوذ: هو مخالفة الحق فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو
_________________
(١) الدكتور حمزة المليباري، نظرات جديدة ص ٤٣.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٤.
[ ١٠٤ ]
بعضهم والجماعة والجملة هم أهل الحق ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهو الجماعة وهو الجملة " (١).
ومما تقدم يظهر لنا أن استعمال علماء المصطلح لهذا الاصطلاح لم يبن على أقوال أو اصطلاحات قالها المتقدمون، الذين يفترض أن يكون أهل المصطلح قد استقرؤوا كتبهم وأقوالهم.
وسيتبين لنا من الأمثلة التي سنسوقها بعد، أنّ المتقدمين لم يستعملوا هذه اللفظة اصطلاحيًا، بل استعملوها لغويًا مع غيرها من الألفاظ لتدل على الخطأ، أو الشذوذ، أو النكارة في الحديث إسنادًا أو متنًا، بدلالة اختلاف ألفاظهم في تقييم الحديث الواحد.
هذه هي أهم أقوال أهل العلم في تعريف الحديث الشاذ، ويظهر بوضوح الفرق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، فالأوائل لا يفرّقون بين الشاذ والمنكر، فلا عبرة عندهم من خالف؟ وممن كانت؟ المهم انه إذا أتى المحدث بما لا يعرفه أهل الحفظ والإتقان فهو مردود.
وقد أطلق بعضهم مصطلح: (منكر) على مخالفة الثقة، والبعض الآخر على مخالفة الضعيف، ومنهم من أطلقها على مخالفة الثقة والضعيف، وكذا الحال بالنسبة لمصطلح (شاذ)، فهم لا يفرقون بينهما -كما مر- والله اعلم.