أي:"مطلق التفرد": نسب جمهور المتأخرين إلى الحافظ البرديجي ت (٣٠١ هـ) هذا القول مستدلين على ذلك من قوله في معنى المنكر:" أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه عنه ولا من وجه آخر" (٣).
هكذا فهم ابن الصلاح كلام البرديجي هذا، فقال بعد أن نقل النص:"وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث " (٤).
وقال الحافظ العراقي:
والمنكر الفرد كذا البرديجي أطلق والصواب في التخريج (٥)
وقال أيضا:"كثيرًا ما يطلقون المنكر على الراوي لكونه روى حديثًا واحدًا " (٦).
وقال السخاوي: في تعريف المنكر عند البرديجي:"وهو الذي لا يعرف متنه من
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٢٣، وانظر توضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ٣ - ٤.
(٢) الألفية ص٩٣، البيتان ١٨٠ - ١٨١، وانظر تدريب الراوي ١/ ٢٠٠.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠، وانظر شرح علل الترمذي٢/ ٦٥٣وفتح المغيث، السخاوي١/ ٢٢٢ وغيرها.
(٤) مصدر سابق.
(٥) فتح الغيث شرح ألفية الحديث، السخاوي ١/ ٢٢٢.
(٦) الرفع والتكميل، اللكنوي ص ٢٠١.
[ ٥٠ ]
غير وجه راويه فلا متابع له فيه ولا شاهد" (١).
وقال السيوطي: "وَصفَ الذهبي في"الميزان"عدة أحاديث في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة بأنها منكرة، بل وفي الصحيحين أيضًا، وما ذاك إلا لمعنى يعرفه الحفاظ وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث فضلًا عن بطلانه" (٢).
أقول هذا كلام غير دقيق فليس مراد البرديجي﵀ - أن مطلق التفرد مردود، بل هو ينهج نهج الأوائل حيث إنّ الحكم على الرجل عندهم يكون على أساس المتون التي يأتي بها فمراده هنا ألا يكون متن الحديث غير معروف من طرق أخرى.
وقد نص هو على هذا فقال:"إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - حديثًا لا يصاب إلا الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا ولا يكون منكرًا ولا معلولًا " (٣).
فتفرد الثقة بحديث -متن- لا يضره إلا إذا كان فيه أمر لا يعرفه من لا يفوتهم معرفته أو جاء بأمر يستنكر وهاك الدليل:
قال البرديجي في حديث:"رواه عمرو بن عاصم عن همام عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -:"إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ " (٤) الحديث: هذا عندي حديث منكر وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم " (٥).
وتمام الحديث كما جاء في لفظ البخاري:" إني أصبتُ حدًا فأقمه في كتاب الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإنَّ الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدّك".
ولما كان هذا الحديث عنده معلولًا كان لا بد أن يكون له علة: وقد أعله بأخف رواة السند ضبطًا:"عمرو بن عاصم الكلابي"، فقال: وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم،
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٢٢.
(٢) الحاوي للفتاوى ٢/ ٢١٠.
(٣) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٥٤، وانظر الرفع والتكميل، اللكنوي ص ٢٠١.
(٤) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٢٧٦٥)، وغيرهما من طريق عمرو بن عاصم، وأخرجه مسلم (٢٧٦٥) من طريق أبي امامة.
(٥) شرح العلل ٢/ ٦٥٤ - ٦٥٥
[ ٥١ ]
وقال أبو حاتم في العلل: " الحديث باطل بهذا الإسناد " (١).
إذن فالمنكر عند البرديجي لا يعني مجرد التفرد بل الخطأ الذي يقع في الحديث.
ومع أننا نتحفظ على قوله هذا، بل وعلى قول أبي حاتم الرازي ببطلان إسناده، لكون الحديث مخرج بهذا الإسناد في الصحيحين، لكن هذا لا يمنع أن يكون عالم مثل أبي حاتم الرازي يعتقد ببطلان إسناده، ومتابعة البرديجي له والحكم عليه بالنكارة.
أما قول الحافظ ابن حجر:" هذا مما ينبغي التيقظ له فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (٢)، فإني أفهم من كلام الحافظ: أن الأوائل كانوا يطلقون النكارة على ما تفرد به الضعيف المعتبر، ولا يطلقونها على تفرد الثقة أو الصدوق؟! وهذا كلام متعقب بما يلي:
إن نسبة هذا إلى أحمد والنسائي وغيرهما نسبة خاطئة فالإمام أحمد والنسائي وابن القطان وغيرهم كانوا يعلون تفرد الثقة وغيره إذا كان متن الحديث فيه مخالفة للأصول أو تقرير حكمٍ تعم به البلوى ولم ينقل إلا من طريق واحد، وقد بيناه فيما سبق، ونذكر بعضا هنا:
أعل الإمام أحمد حديث مالك بن أنس لأنه تفرد فيه وخالف متنه المحفوظ عنده، فمثلًا الحديث الذي أخرجه البخاري من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة - ﵁ -:" أن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى .. " (٣).
قال:"لم يقل هذا أحد إلا مالك. وقال: لا أظن مالكًا إلا غلط فيه ولم يجئ به أحد غيره. وقال مرة: لم يروه إلا مالك ومالك ثقة " (٤).
قال ابن رجب:"ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا " (٥).
_________________
(١) العلل ١/ ٤٥٤ (١٣٦٤).
(٢) النكت٢/ ٦٧٤.
(٣) أخرجه البخاري (١٦٣٨) ومسلم ٢/ ٨٧٠ (١٢١١) وغيرهما.
(٤) شرح العلل٢/ ٦٥٤.
(٥) مصدر سابق.
[ ٥٢ ]
قلت: وهو الذي أراده الإمام أحمد والله أعلم.
وفي هذا أبلغ الرد على الحافظ ابن حجر في قوله الذي مر، وكذا ما رواه إسحاق بن هانئ قال: " قال لي أبو عبد الله-يعني أحمد- قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله يعني ابن عمر، أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن أبن عمر أن النبي - ﷺ - قال: لا تسافر امرأةٌ فوق ثلاثة أيام (١) الحديث قال أبو عبد الله: فأنكر يحيى بن سعيد عليه.
قال أبو عبد الله: قال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله فلما بلغه عن العمري صححه " (٢).
قال ابن رجب:"وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر وكلام الإمام أحمد قريب من ذلك" (٣).
قلت: فكيف إذن صرح الحافظ ابن حجر في أكثر من موضع: أن المتقدمين يقبلون تفرد الثقة؟ وهو القائل:" المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له "، بل وحتى على رأيه هو في كون الصدوق يقبل تفرده-كما مر-فقد ناقض نفسه إذ قال:"فالصدوق إذا تفرد بشيءٍ لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن فهذا أحد قسمي الشاذ ". (٤)
وهكذا تحصل أن قول من يقول إنّ المتقدمين يطلقون النكارة على مجرد التفرد، هو قول ضعيف والصواب هو ما قدمناه من كونهم يلحظون سلامة الحديث أولًا، وهل هو محفوظ أو لا؟.
ويؤيد هذا أنّ الخطيب البغدادي بوّب بابًا سماه: "باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث" (٥)
فالقول إن المنكر هو:"ما انفرد به الراوي هو قول منقوض بالأفراد الصحيحة" (٦)،
_________________
(١) أخرجه مسلم ٢/ ٩٧٥ (١٣٣٨)،وأبو داود (١٧٢٧).
(٢) شرح العلل٢/ ٦٥٥ - ٦٥٦.
(٣) شرح العلل٢/ ٦٥٦
(٤) النكت٢/ ٦٧٤.
(٥) الكفاية في علم الرواية ص١٤٠.
(٦) الاقتراح، إبن دقيق العيد ص١٩٨.
[ ٥٣ ]
كما صرح بذلك الحافظ ابن الصلاح وغيره من علماء المصطلح (١).
وقد حكم الأئمة على أحاديث انفرد بها رواة صدوقون بإنها صحيحة وعلى أحاديث أنفرد بها ثقات بإنها منكرة أو شاذة تبعًا لمتن الحديث أو إسناده، وتبعًا لما يقع فيها من المخالفة.