أقدم من عرَّف الشاذ - بحدود علمي- هو الإمام الشافعي ﵀ فقال: " ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس هذا الشاذ من الحديث." (٢).
وقال:" الشاذ من الحديث لا يؤخذ به" (٣).وجاء بلفظ آخر عنه: " ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات
_________________
(١) الإحكام ٥/ ٨٢، وانظر النكت على ابن الصلاح، ابن حجر ٢/ ٦٥٢.
(٢) معرفة علوم الحديث، الحاكم ص١١٩، وانظر المنهل الروي، ابن جماعة ص٥٠ - ٥١.
(٣) الأم ٧/ ٣٦٠.
[ ١٠٥ ]
حديثًا على نص ثم يرويه ثقة خلافًا لروايتهم، فهذا الذي يقال شذ عنهم " (١).
وفسر الحافظ الخليلي كلام الإمام الشافعي فقال: " أما الشواذ فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائدًا أو ناقصًا " (٢).
مما مر من كلام الإمام الشافعي وتفسير الخليلي له أنه عنى به مخالفة الثقة لغيره من الثقات في متن حديث، زيادة أو نقصًا، ولكنّ بعض العلماء فهموا منه أنّه مخالفة الثقة لغيره في المتن والإسناد، وليس لدينا من الأدلة التي تبين مراد الإمام الشافعي الدقيق من ذلك، لأننا لم نقف على أي حديث حكم عليه بالشذوذ نصًا، والفهم الذي فهمه بعض العلماء هو لمخالفة الثقة سندًا، أو متنًا، ونحن لا نشك بأن هذا التعبير لغوي، وليس اصطلاحيًا، فحمله على الاصطلاح فيه كثير من تحميل النص ما لا يحتمل، وإلا فكان الأولى بنا أن نأخذ من هو أقدم، وأعلم في الحديث من الشافعي، وهو الإمام شعبة بن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث إذ قال: "لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ " (٣). وهذا لو أخذناه على طريقة أهل الاصطلاح لأصبح الشاذ هو مخالفة الضعيف حسب، وليس الأمر كذلك.