وقد وقفت خلال استقرائي لصحيح البخاري على بعض الأمثلة التي قد يظنها البعض قبولًا للزيادة، فسأوردها هنا لبيان أنها ليست من هذا القبيل:
١ - قال الإمام البخاري (٥٢٧٣):حدثنا أزهر بن جميل قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا خالد-الحذاء-عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -:"أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله - ﷺ -:أقبل الحديقة وطلقها تطليقة ". قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس.
حدثنا إسحاق الواسطي حدثنا خالد عن خالد الحذاء عن عكرمة أن أخت عبد الله بن أُبي بهذا وقال: تردين حديقته؟ قالت: نعم فردتها، وأمره أن يطلقها. وقال إبراهيم بن طهمان عن خالد عن عكرمة عن النبي - ﷺ - "وطلقها ".وعن أيوب بن أبي تميمة عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق ولكني لا أطيقه فقال رسول الله
_________________
(١) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المطبوع مع عون المعبود للعظيم آبادي ١٠/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
[ ٢٧٢ ]
- ﷺ -:" فتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم ".
قلت: دار الحديث على عبد الوهاب الثقفي رواه عنه أزهر وحده متصلًا: أخرجه البخاري (٥٢٧٣)، والنسائي ٦/ ١٦٩،وفي الكبرى ٣/ ٣٦٩ (٥٦٥٧)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢٤٧ (١٩٦٩)، والدارقطني ٣/ ٢٥٤ والبيهقي ٧/ ٣١٣.
قال الدارقطني في التتبع: " وأصحاب الثقفي غير أزهر يرسلونه " (١).
قلت: ولم أقف على من أخرجه عن الثقفي مرسلًا؟
وأعتقد أن الدارقطني فهم خطأً من كلام البخاري أنه روي مرسلًا عن الثقفي، ويؤيد هذا أن الدارقطني لم يذكر من أرسله؟.
ومراد الإمام البخاري أنه روي على الاختلاف الذي ذكره هو عقب الحديث، أي أن الاختلاف يدور على خالد الحذاء لا على الثقفي. (٢)
وإنما خالف خالد الطحان عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء، في روايته الحديث مرسلًا، أخرجه البخاري (٥٢٧٤)،والبيهقي ٧/ ٣١٣.
ورواه إبراهيم بن طهمان عنه - الحذاء - مرسلًا أيضا، أخرجه البخاري (٥٢٧٤) تعليقًا، ووصله ابن حجر في التغليق (٣).
وأما عن قول البخاري عقب الحديث " لا يتابع فيه عن ابن عباس " قال الحافظ ابن حجر: " لا يتابع أزهر بن جميل على ذكر ابن عباس في هذا الحديث بل أرسله غيره ومراده بذلك خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد وهو ابن عبد الله الطحان عن خالد وهو الحذاء عن عكرمة مرسلًا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء مرسلًا وعن أيوب موصولًا ورواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة وصلها الإسماعيلي ". (٤)
هكذا قال الحافظ ابن حجر، وإنما أعلّ البخاري الحديث لكونه غير معروف عند الحفاظ متصلًا عن الثقفي إلا من طريق أزهر، وأظن أن ابن حجر أخذ هذا من كلام
_________________
(١) التتبع ص٤٨٩.
(٢) انظر سنن البيهقي ٧/ ٣١٣، ومقدمة فتح الباري ص ٥٣٤.
(٣) انظر تغليق التعليق ٤/ ٤٦٢.
(٤) فتح الباري.٩/ ٤٠١.
[ ٢٧٣ ]
الدارقطني في التتبع إذ قال: " وأصحاب الثقفي غير أزهر يرسلونه أيضًا "؟ قال ابن حجر في المقدمة: بعد نقل كلام الدارقطني:"قلت: قد حكى البخاري الاختلاف فيه وعلقه لإبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء مرسلًا، وعن أيوب موصولًا، وذلك لما يقوي رواية جرير بن حازم، وفي رواية أبي ذر عن المستملي من الزيادة قال البخاري عقب حديث أزهر: لا يتابع فيه عن ابن عباس، وهذا معنى قول الدارقطني أن أصحاب الثقفي يرسلونه، وقد ذكرت من وصل حديث إبراهيم بن طهمان في تغليق التعليق ". (١)
أقول: وهكذا تكون الموازنة بين طريقين فحسب، طريق الثقفي، وطريق خالد الطحان، أما عن طريق إبراهيم بن طهمان فأنه لم يصح عند البخاري، لذا علقه، وإنما أورده أصلًا لبيان زيادة وردت فيه وهو قوله:"وطلقها".
وكذا الثقفي ثقة أيضًا. (٢) فاختار البخاري طريق الثقفي لأنه توبع متابعة قاصرة إذ توبع في شيخه (الحذاء) تابعه أيوب بن أبي تميمة، أخرجه البخاري (٥٢٧٥ و٥٢٧٦ و٥٢٧٧)، والبيهقي ٧/ ٣١٣، وكذا قتادة السدوسي، أخرجه البيهقي ٧/ ٣١٣.
وفي هذا رد على الدارقطني في تتبعه على البخاري، وأما أزهر هذا فإنه وإن كان ثقة، لكنه ليس من المتقنين الأثبات، كما تدل على ذلك ترجمته، ولذا فإن البخاري لم يخرج له إلا هذا الحديث، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة الباقين إلا النسائي، فلعل هذا من أوهامه، ولعل الحافظ ابن حجر إنما قال:"صدوق يغرب"،من أجل هذا الحديث (٣)؟
٢ - وقال البخاري: (٦٨٢٠):حدثني محمود، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر:" أن رجلا من أسلم جاء النبي - ﷺ - فاعترف بالزنا فأعرض عنه النبي - ﷺ - حتى شهد على نفسه أربع مرات قال له النبي - ﷺ -:أبك جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي - ﷺ - خيرًا وصلى عليه ". لم يقل يونس
_________________
(١) مقدمة فتح الباري ص ٥٣٤، انظر المسند الجامع ٩/ ٢٠٠ (٦٤٩٨) و٩/ ٢٠١ (٦٤٩٩).
(٢) جاء في التقريب (٣٢٦١):" ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين"،وتعقبه صاحبا التحرير ٢/ ٣٩٨: "الثابت أن الناس حجبوا عنه عند تغيره ".
(٣) التقريب (٣٠٣)،وتتبعه مصاحبا التحرير ١/ ١٠٩ فقالا: " ولم يصفه أحد بالأغراب البتة "؟.
[ ٢٧٤ ]
وابن جريج عن الزهري فصلى عليه سئل أبو عبد الله هل قوله فصلى عليه يصح أم لا؟ قال: رواه معمر قيل له: رواه غير معمر؟ قال لا.
قلت: أخرجه البخاري من حديث محمود قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري به، فزاد زيادة: "وصلى عليه"،خالف بها جمهرة الرواة الذين رووه عن معمر إذ قالوا في حديثهم " ولم يصلِ عليه ".
وقد تعقب على الإمام البخاري من وجهين:
الأول: إيراده هذا الطريق الذي خالف فيه، وسيأتي الكلام عليه.
الثاني: قوله: لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري فصلى عليه سئل أبو عبد الله هل قوله فصلى عليه يصح أم لا؟ قال: رواه معمر قيل له رواه غير معمر؟ قال لا.
فأشعر أن المنفرد بالزيادة هو معمر؟ والصحيح أن المنفرد بها هو محمود بن غيلان:
فقد روي الحديث عن عبد الرزاق عن معمر بالسند نفسه دون الزيادة، بل بنفي الصلاة عليه، رواه عن عبد الرزاق أكثر من عشرة رواة، وانفرد محمود عنهم بالزيادة.
فقد أخرجه: أحمد ٣/ ٣٢٣ فقال: حدثنا عبد الرزاق.
وأخرجه مسلم ٣/ ١٣١٨ (١٦٩١) من طريق إسحاق بن إبراهيم.
وأخرجه إبن الجارود ١/ ٢٠٦ (٨١٣)، طريق محمد بن يحيى الذهلي.
وأخرجه النسائي ٤/ ٦٢،وفي الكبرى ١/ ٦٣٥ (٢٠٨٣)،و٤/ ٢٨٠ (٧١٧٦) من طريق محمد بن يحيى الذهلي، وطريق نوح بن حبيب القومسي.
وأخرجه النسائي في الكبرى ٤/ ٢٨٠ (٧١٧٦) من طريق محمد بن رافع النيسابوري.
وأخرجه أبو داود (٤٤٣٠)، والترمذي (١٤٢٩) من طريق الحسن بن علي الخلال.
وأخرجه أبو داود (٤٤٣٠) من طريق محمد بن المتوكل العسقلاني.
وأخرجه أبو عوانة ٤/ ١٢٥ (٦٢٦٥) من طريق إسحاق الدبري.
وأخرجه الدارقطني ٣/ ١٢٧، والبيهقي ٨/ ٢١٨، من طريق أحمد بن منصور الرمادي.
وأخرجه ابن حبان ٧/ ٣٦٢ (٣٠٩٤) من طريق محمد بن الحسن بن السري.
[ ٢٧٥ ]
كلهم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر به مرفوعًا (١)، بعضهم قال: " ولم يصل عليه "، وبعضهم سكت عنها.
وأما طريق يونس الذي ذكره البخاري فقد أخرجه في صحيحه (٥٢٧٠ و٦٨١٤)، ومسلم ٣/ ١٣١٨ (١٦٩١)، وأبو عوانة ٤/ ١٢٦ (٦٢٦٦).
وأخرجه البخاري من طريق عقيل بن خالد (٦٨١٦).ومن طريق شعيب (٥٢٧٢)، وأخرجه معلقًا عن الزهري (٧١٦٨).
وأخرجه الدارمي ٢/ ٢١٣ (٢٣١٥)، ومسلم ٣/ ١٣١٨ (١٦٩١)، وأبو عوانة ٤/ ١٢٦ (٦٢٦٦) من طريق ابن جريج.
وقد خطّأ البيهقي ٨/ ٢١٨ حديث البخاري، وقال الحافظ ابن حجر ١٢/ ١٥٤ - ١٥٥: " قوله وصلى عليه هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وخالفه محمد بن يحيى الذهلي وجماعة عن عبد الرزاق فقالوا في آخره ولم يصل عليه قال المنذري في حاشية السنن: رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق فلم يذكروا قوله وصلى عليه فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس خالفوا محمودًا منهم من سكت عن الزيادة ومنهم من صرح بنفيها وقد اعترض عليه في جزمه بأن معمرًا روى هذه الزيادة مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وقد خالفه العدد الكثير من الحفاظ فصرحوا بأنه لم يصل عليه، لكن ظهر لي أن البخاري قويت عنده رواية محمود بالشواهد ".
وقال الزيلعي في معرض كلامه على الزيادة في الأحاديث:"وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاري في صحيحه وسئل هل رواها غير معمر؟ فقال: لا. وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر وقال فيه: "ولم يصل عليه
". فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب: أنه قال: ولم يصل عليه " (٢).
قلت: وهذه الشواهد قد تنفع في جبر المتن، وأما السند فلا، وأما عن تخريج البخاري له فنجيب عنه بما يأتي:
١ - إنها ليست من قبيل الزيادة، لتحقق المخالفة، فجماعة من الثقات قالوا: لم
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٤/ ١٨٣ (٢٦٤٢).
(٢) نصب الراية ١/ ٣٣٦.
[ ٢٧٦ ]
يصل عليه، ومعمر خالفهم فقال: صلى عليه! فلا وجه لمعنى الزيادة.
٢ - إنّ البخاري أخرجه تحت باب سماه:" الرجم بالمُصَلَّى"،فأورد هذا الحديث لتضمنه لفظة " فرجم بالمصلى "، وهذا يعني أن رواية معمر أصح - عند البخاري - من رواية يونس، وابن جريج، لأنه أخرجها في بابها، وهي تأكيد لهما -قطعًا -ولو صحت عنده لفظة: الصلاة عليه لبوب لها بابا، فأراد أن ينبه على خطئها خشية الوهم، فقال: "لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري: فصلى عليه "، ثم سأل .. الخ.
٣ - إنَّ البخاري حين أورد متن الحديث من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر، إنما كان غرضه منها عبارة:"فرجم بالمصلى"لموافقتها الباب، وهذا لا يعني أنه قبل المتن كله، لذلك نبه بلطف إلى خطأ الرواية القائلة بأنّه صلى عليه، إذ المحفوظ أنه لم يصل عليه.
٤ - ومن هنا فإنَّ الذين انتقدوا هذا على البخاري لم يدركوا جيدًا هذه النكتة، فذهبوا إلى خطأ البخاري في إيراد هذه العبارة وكأنّه اختارها لصحتها، ولم ينتبه إلى غيرها، ومثل ذلك لا يفوت البخاري، بل إنّه نبه عليه.