اختلف العلماء من أهل المصطلح من المتأخرين في مفهوم الحسن عند المتقدمين
_________________
(١) انظر تعليق الدكتور بشار عواد على الترمذي (١٥٥٥).
(٢) انظر ص٢٠٤.
[ ٣٣٠ ]
من المحدّثين، وطولوا فيه وقصروا، وناقشوا فأسهبوا، ولسنا في مجال مناقشة هذه الآراء، لكن يهمنا هنا أن نفهم مفهوم الحسن عند الترمذي في جامعه لأهمية ذلك في بحثنا، وعلينا أن نشير بادئ ذي بدئ
أن لفظة (حسن) استعملت من قبل علماء الحديث وعرفت قديمًا، فممّن استعملها: الإمام الشافعي، وعلي بن المديني، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، والترمذي، وغيرهم (١).
وقد استعملوها على المعنى اللغوي، لا الاصطلاحي، فقد أطلقوا على الصحيح حسنًا، وعلى كل حديث مقبول غير مردود حسنًا، ومرادهم: الحسن الذي يقابله المنكر، أو الباطل، أو الموضوع (٢).
يقول الذهبي رحمه الله تعالى:"ويلزم على ذلك أن يكون كل صحيح حسن وعليه عبارات المتقدمين فإنهم قد يقولون فيما صح: هذا حديث حسن (٣) ".
ويقول الحافظ ابن حجر: " وقد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي، ومنهم من لا يريده.
فأما ما وجد من ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاف ذلك، فإن حكم الشافعي على حديث ابن عمر في استقبال بيت المقدس بكونه حسنًا خلاف الاصطلاح (٤)، بل هو صحيح متفق على صحته وأما أحمد فإنه سُئل فيما حكاه الخلال عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر فقال: " أصح ما فيها حديث أم حبيبة ".وسُئل عن حديث بسرة فقال صحيح، قال الخلال: إن أحمد بن أصرم سأل أحمد عن حديث أم حبيبة في مس الذكر فقال: هو حديث حسن. فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح" (٥).
أما عند الإمام الترمذي - وهو الذي يهمنا هنا - فإنه عرفه في علله آخر الجامع
_________________
(١) انظر مقدمة ابن صلاح ص٣٦، وشرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٥٧٤، والنكت، ابن حجر ١/ ٤٢٤ - ٤٢٩ ومصطلح حسن غريب، أسامة النمر ص١.
(٢) مصدر سابق.
(٣) الموقظة ص٣٢.
(٤) يريد عند المتأخرين.
(٥) النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٢٤ - ٤٢٦، وانظر نظرات جديدة، المليباري ص٢٢.
[ ٣٣١ ]
فقال: " وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يهتم بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن" (١).
فوضع شروطًا ثلاثة للحسن عنده (٢):-
١ - براءة السند من الكذابين.
٢ - انتفاء الشذوذ - يعني المخالفة -.
٣ - عدم تفرد الراوي به - دون الصحابي -.
فالإمام الترمذي عرف الحسن في جامعه وأراد به معنى اصطلاحيًا؛ أراد به درجة معينة من الحديث، وهو غير الصحيح بلا شك، وهو واضح من تعريفه الذي مر.
قال الإمام الذهبي معقبًا على تعريف الترمذي للحسن: "وتحسين الترمذي لا يكفي في الاحتجاج بالحديث " (٣).
وقال الحافظ ابن حجر في ذلك:"إنَّ الترمذي لم يعرف الصحيح ولا الضعيف ولا الحسن المتفق على كونه حسنًا -يعني عند المتقدمين كالشافعي والبخاري وأحمد - بل عرف حديث المستور، ومن يشترك معه بسبب ضعفه أو اختلاطه أو تدليسه أو ما في
_________________
(١) علل الترمذي - الصغير - آخر الجامع ٥/ ٧٥٨.
(٢) يمكن بيان ذلك بما يلي:- أ - إن الحديث الصحيح يشترط فيه العدالة والضبط، وإن اشتراط الترمذي في حد الحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب: يعني أنه أراد الراوي غير الثقة وإلاّ لَمَا عَدَل عن قوله " ثقة " وهي كلمة واحدة إلى قوله"غير متهم بالكذب"إلاّ لإرادة قصور روايته عن وصف"ثقة ". انظر الخلاصة، الطيبي ص٤٣،والنكت على ابن الصلاح، ابن حجر ١/ ٤٧٦، ومصطلح حسن غريب، أسامة نمر ص٧. ب- إن من شروط الحديث المقبول أنْ يكون متصلًا سندًا وهذا يعني أن راوي الصحيح وراوي الحسن لذاته غير داخلين في تعريفه. انظر النكت على ابن الصلاح ١/ ٣٨٨. ج - إن الحديث المقبول هو الحديث الذي يقوم بذاته، فاشتراطه العدد وأن يأتي من غير وجه، كما في حديث الحسن، يخرجان الصحيح والحسن لذاته. انظر تدريب الراوي، السيوطي ١/ ١٢٤، وتوضيح الأفكار، الصنعاني١/ ١٥٧، وانظر مصطلح حسن غريب، أسامة النمر ص٨.
(٣) تاريخ الإسلام الطبقة ٥ / ترجمة ١٥.وهي ترجمة سيدنا الحسن بن علي - ﵁ -.
[ ٣٣٢ ]
سنده انقطاع خفيف فكل ذلك من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة" (١).
ومما مر نفهم أن الحسن عند الإمام الترمذي ليس من جنس الصحيح (٢)،وقد دراسنا باسهاب مفهوم الحديث الحسن عند الترمذي، في بحث منفرد، واستوعبنا فيه جميع الأحاديث التي
اقتصر الترمذي على تحسينها في الجامع وتوصل إلى أن هذا التعبير إنما يستعمله الترمذي للحديث المعلول عنده (٣).
والذي أريد أن أتسائل عنه: هو لماذا عرف الإمام الترمذي الحسن والغريب فحسب؟ وقد استعمل مصطلحات أخرى كثيرة؟!.
ولو كان المراد - عنده - من الحسن هو ما أراده البخاري وغيره فلماذا لم يطلقه في جامعه دون أنْ يصرح بحده؟ كما فعل في العلل الكبير.
والجواب: هو أن الإمام الترمذي حينما قال:"وما ذكرناه في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب "فإنه أراد أن مصطلح " حسن " المستعمل في هذا الجامع مصطلح خاص به، يخالف المعنى الشائع في زمانه، ولو كان المعنى الذي عرف به شائعًا عندهم لمَا احتاج إلى هذا البيان، ولهذا ترك تعريف الحديث الصحيح، لذا فإنه قال " وما ذكرناه في هذا الكتاب "، " عندنا ": ثم عرفه.
_________________
(١) النكت ١/ ٣٨٧ بتصرف يسير.
(٢) وقد اختلف علماء المصطلح في قيد الحسن عند الترمذي هل يخرج الثقة والصدوق أو لا؟ وكانوا على فريقين: الأول: يعتبر تعريف الترمذي قد أخرج بقيده " شروطه " الثقة، والصدوق. وإليه ذهب: ابن الصلاح، والطيبي، وابن حجر والسخاوي، والصنعاني، وغيرهم. انظر مقدمة علوم الحديث ص٣١، الخلاصة ص٤٣، والنكت على ابن الصلاح ١/ ٣٨٧ و٤٧٦ فتح المغيث ١/ ٧٥ وتوضيح الأفكار ١/ ١٦٨ والموازنة، نور الدين عتر ص١٥٦. والثاني: ذهب إلى كون الحسن عند الترمذي يشمل الثقة، والصدوق، والمستور وإليه ذهب: أبو عبد الله محمد بن يحيى، ابن المواق، وابن الدقيق العيد، وابن جماعة، وابن رجب، وأبو الفضل العراقي، واللكنوي، والمباركفوري، وغيرهم. انظر النفح الشذي، ابن سيد الناس ١/ ٢٩٠،والاقتراح ص١٠،والمنهل الروي ص٣٦،وشرح علل الترمذي ٢/ ٦٠٦،والتبصرة، العراقي ١/ ١١٠، ومصطلح حسن غريب، أسامة النمر ص٩.
(٣) البحث تحت الطبع نسأل الله أن ييسر لنا إخراجه، وهو بعنوان "الحديث الحسن عند الترمذي دراسة تطبيقية".
[ ٣٣٣ ]
وهكذا فإن استعمال الترمذي لمصطلح"حسن"في الجامع يختلف عما يستعمله ويطلقه في علله الكبير، لأنه في العلل ينقل عن الأئمة وخاصة البخاري شيخه العبقري الذي أكثر من إطلاقه:"حسن" بالمعنى الذي شاع عندهم ومراده الحديث الصحيح (١).
وهكذا نخلص إلى أن إطلاق مصطلح"حسن"عند الإمام الترمذي في علله الكبير يختلف عما هو في جامعه، ففي العلل استعمله "على المعنى اللغوي " أي على ما هو معروف عند العلماء، وأما في جامعه فإنه خصه لنفسه، فهو يطلقه ويريد به الحديث
_________________
(١) فتأمل هذه الأحاديث في كتابه العلل الكبير:-
(٢) قال الترمذي في العلل (١٤٣): حدثنا قتيبة قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال:" سمعت النبي - ﷺ - يقرأ على المنبر: ونادوا يا مالك "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هوحديث حسن وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به ". فأطلق البخاري مصطلح "حسن " على حديث متفق عليه، أخرجه في صحيحه (٣٢٣٠ و٣٢٦٦ و٤٨١٩)، والإمام مسلم أيضًا ٢/ ٥٩٤ (٨٧١).
(٣) وقال في ص ٩٨ (١٦٥):قال أبو عيسى: سألت محمدًا: قلت: أي الروايات في صلاة الخوف أصح؟ فقال: كل الروايات عندي " صحيح"وكل يستعمل، وإنما هو على قدر الخوف إلا حديث مجاهد عن أبي عياش الزرقي فإني أراه مرسلًا. -ثم قال - (١٦٦):وحديث سهل بن أبي حثمة هو حديث حسن وهو مرفوع رفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم. (١٦٧) وحديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة حسن. (١٦٨) وحديث عروة بن الزبير عن أبي هريرة حسن ". قلت: سوّى الإمام البخاري بين الصحيح والحسن وبيّن منهجيتهم في مفهوم الصحيح، فقال:"وكل يستعمل "،فالذي يصلح للعمل يسمونه صحيحًا، بخلاف منهجية المتأخرين، فحديث سهل بن أبي خيثمة صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (٤١٣١)، ومسلم (٨٤١)، والترمذي في الجامع (٥٦٥)، وقال:"حسن صحيح".، وقال الترمذي في حديث عبد الله بن شقيق (٣٠٣٥): "حسن صحيح غريب من عبد الله بن شقيق "،وقد بينا سلفًا أن الترمذي أراد أن يميز بين الحسن الذي يستعمله الناس، والحسن الذي عرفه في جامعه وأستعمله فيه، فقرنه بالصحيح، والغريب، وهكذا الحال في هذا الحديث، وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه النسائي ٣/ ١٧٣.
(٤) وقال الترمذي (٤١٩): حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ -: "أنه أتي برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف كأخف الحدود فأمر به عمر ". قال محمد: وحديث أنس في هذا الباب حسن " = = أقول: أطلق البخاري مصطلح -حسن-على حديث متفق عليه أخرجه في صحيحه (٦٧٧٣ و٦٧٧٦)،ومسلم (١٧٠٦)،وقال الترمذي لما خرجه في الجامع (١٤٤٣):"حسن صحيح".
[ ٣٣٤ ]
الضعيف، وأنَّ راويه هو من دون مرتبة الصدوق-كما شرطه على نفسه في علله-.