قال ابن الصلاح: و"مثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده .. " (٧)، وقال ابن جماعة:"هو ما تفرد به من ليس بثقة ولا ضابط فهو المنكر" (٨).
وقال ابن كثير:"المنكر: وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا وإن لم يخالف فمنكر مردود، وأما إن كان الذي تفرد به عدلًا
_________________
(١) النكت ٢/ ٦٧٧.
(٢) النكت ٢/ ٢٢٦.
(٣) فتح المغيث ١/ ٢٢٦.
(٤) سيأتي الكلام عليه ص٦٥.
(٥) نزهة النظر ص٥٢.
(٦) الألفية (ص٩٣). البيت ١٨١.
(٧) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠.
(٨) المنهل الروي ص٥١.
[ ٥٦ ]
ضابطًا حافظًا (١) قبل شرعا، ولا يقال له منكر " (٢).
قال العلامة أحمد شاكر تعليقًا عليه: أي "إنّ ما انفرد به الراوي الذي ليس معدلًا ولا ضابطًا فهو منكر مردود مع أنه لم يخالف غيره في روايته لأنه انفرد بها، ومثله لا يقبل تفرده " (٣).
قال الحافظ ابن حجر:"وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيءٍ لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث " (٤).
قلت: كما أسلفنا القول: إن مفهوم الحديث المنكر عند المتقدمين أوسع مما ينسب إليهم من كونه:"مخالفة الضعيف للثقات "،فهو قد يشمل تفرد الثقة وقد يشمل كما قال بعض علماء المصطلح تفرد المتروك، الذي لا تحل الرواية عنه، وكما بيناه قبل قليل.
وقال الإمام مسلم:"علامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم ولم تكد توافقها فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله " (٥).
قال النووي عقب كلام الإمام مسلم:"يعني به المنكر المردود فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطًا متقنًا " (٦).
وهذا كلام يحتاج إلى دليل فما عرفنا عالمًا من المتقدمين يصحح حديثا ثم يطلق عليه لفظ النكارة؟ وإنما أراد الإمام النووي في هذا - والله أعلم - الدفاع عن نظريته في قبول زيادة ثقة مطلقًا، كما سيأتي بيانه.
وأما الحافظ ابن حجر فقال عقبه:"فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون فعلى
_________________
(١) في المطبوع (عدل ضابط حافظ) فلعله خطأ مطبعي.
(٢) اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص ٥٥.
(٣) مصدر سابق.
(٤) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٥.
(٥) المقدمة ١/ ٧،وانظر شرح مسلم للنووي ١/ ٥٦ - ٥٧
(٦) شرح مسلم ١/ ٥٦ - ٥٧ ..
[ ٥٧ ]
هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة وهذا هو المختار" (١).
أقول:-إن عبارة الإمام مسلم واضحة وهو مذهب المتقدمين، وهو أن المحدث إذا خولف بمن هو أحفظ أو أكثر أو نحو ذلك من مقاييسهم حكم على روايته بالنكارة أو الخطأ أو أي عبارة تدل على ذلك دون النظر إلى مرتبته، فإذا كثرت المناكير في حديثه خرج عن كونه ثقة، وتتناسب زيادة النكارة في الحديث تناسبًا طرديًا مع درجة ضعفه.
فليس كل من جاء بمنكر هو ضعيف، قال ابن القطان: لا يضر الراوي ألا يتابع إلا إذا كثرت منه رواية المناكير ومخالفة الثقات (٢). وقال ابن دقيق العيد:" قولهم: روى المناكير لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: منكر الحديث، لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة .. " (٣)
وقال الذهبي: " ما كل من روى المناكير يضعف " (٤)، وقال اللكنوي:" لا تظن من قولهم هذا حديث منكر أن راويه غير ثقة، فكثيرًا ما يطلقون النكارة على مجرد التفرد، .. وكذا لا تظن من قولهم: فلان يروي المناكير، أو حديثه هذا منكر، ونحو ذلك أنه ضعيف " (٥)
ومثال هذا القسم:
ما أخرجه الترمذي بسنده قال: حدثنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال حدثنا المغيرة بن قرة السدوسي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال:" اعقلها وتوكل" قال عمرو بن علي قال يحيى: وهذا عندي حديث منكر (٦).
قال أبو عيسى: وهذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث أنس بن مالك
_________________
(١) النكت ٢/ ٦٧٥.
(٢) انظر مقدمة فتح الباري ص ٥٥٥ - ٥٥٦.
(٣) نصب الراية ١/ ١٧٩بتصرف يسير، وانظر الرفع والتكميل، الكنوي ص ٢٠٣.
(٤) ميزان الاعتدال ١/ ١١٨.
(٥) الرفع والتكميل ص ١٩٩ - ٢٠٠.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٥١٧)، والعلل في آخر الجامع ٥/ ٧١٥.
[ ٥٨ ]
إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أمية عن النبي - ﷺ - نحو هذا (١). قال يحيى القطان:"هو عندي منكر" (٢).
وقال ابن رجب الحنبلي:"وحديث أنس قد رواه غير واحد عن المغيرة بن أبي قرة عن أنس وقد تفرد به المغيرة عنه، ولهذا غرّبه الترمذي من حديث أنس فهذا الحديث من الغرائب المنكرة " (٣).
وكذا ما أخرجه النسائي في الكبرىقال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علي بن عطاء بن مقدم قال: حدثني يحيى بن محمد بن قيس قال سمعت هشام بن عروة يذكر عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -:"كلوا البلح بالتمر فإنَّ ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان وقال عاش أبن آدم حتى أكل الخلق بالحديد" (٣).
قال النسائي: منكر (٤).
قلت: علة الحديث هو يحيى بن محمد بن قيس البصري ومدار الحديث عليه: وهو ضعيف وقد تفرد هنا، قال العقيلي: لا يتابع عليه وقال الساجي: إنه صدوق يَهمُ، وفي حديثه لين، وقال ابن حبان: إنه يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمد فلا يحتج به (٥).
وقال الذهبي: إنه حديث منكر (٦).
وقد مثل به للمنكر: ابن الصلاح، وغيره من علماء المصطلح (٧).