لقد سبقني إلى هذا الأمر - دراسة هذا المصطلح عند أبي داود - الشيخ محمد حوى في رسالة ماجستير (٤) وخرج الباحث بنتيجة- بحد علمي - تخالف التطبيق العملي له في سننه، وتخالف منهجه ﵀ وهذه النتيجة هي:
" استعمل أبو داود مصطلح محفوظ لما رواه الثقة مخالفًا من دونه وكانت درجة
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة ٢/ ١٢٤ (١٠٤٠).
(٢) انظر أيضًا التمييز ص ١٨٣.
(٣) التقريب (٧٧١٥).
(٤) وعنوانها: مقولات أبي داود النقدية في كتاب السنن.
[ ١١٧ ]
المخالف صدوق يخطئ كثيرًا، واستعمل مصطلح ليس بمحفوظ: لما رواه الثقة مخالفًا الأوثق والثقات " (١).
أقول: وهذا كلام غير دقيق- كما سنجده لاحقًا - فحق العبارة أن تكون:
أراد أبو داود بمصطلح "غير محفوظ" ما خالف فيه الصدوق الذي يخطئ كثيرًا "الضعيف" أو الثقة الثقات.
أو نقول: ما خالف فيه الراوي مطلقًا -وهو الصواب-.
وسأمثل ببعض الأمثلة على ذلك:-
١ - حديث (٢٠٩٩) قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل بإسناده ومعناه قال: " الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأمرها أبوها".قال أبو داود:"أبوها"ليس بمحفوظ.
التعليق:
أطلق أبو داود لفظة "غير محفوظ "على مخالفة الثقة للثقات فالحديث جاء من عدة طرق بدون ذكر " أبوها " ولم يخالف إلا سفيان وسفيان ثقة.
الاستنتاج:
هذا يعني أنه يطلق غير محفوظ على حديث انفراد الثقة بلفظ خالف بها غيره من الثقات (٢).
٢ - وكذا في حديث (٢٠٩٤) قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا بن إدريس، عن محمد بن عمرو بهذا الحديث (٣) بإسناده زاد فيه قال: فإن بكت أو سكتت، زاد بكت. قال أبو داود: وليس "بكت" بمحفوظ، وهو وهم في الحديث، الوهم من ابن إدريس أو من محمد بن العلاء. قال أبو داود: ورواه أبو عمر وذكوان عن عائشة قالت: يا رسول الله إن البكر تستحي أن تتكلم قال:" سكاتها إقرارها".
فإن أبا داود أطلق مصطلح " غير محفوظ " على مخالفة عبد الله بن إدريس الأودي
_________________
(١) سبق ص٢٢٨.
(٢) الحديث بالزيادة أخرجه مسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١) شاهداُ لرواية الباب وقد عد حوى في رسالة هذه الزيادة محفوظة وخطأ بها أبا داود؟! أنظرها ص٣٧٧.
(٣) الحديث بدون زيادة أو بكت مخرج في الصحيحين أخرجه البخاري (٥١٣٧)، ومسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢٠).
[ ١١٨ ]
وهو ثقة (١) أو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني وهو ثقة حافظ (٢) أيضًا.
٣ - حديث (٣٣٨) قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: أخبرنا عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين ". قال أبو داود: وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي - ﷺ - قال أبو داود: وذكر أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ وهو مرسل " (٣).
التعليق:
السند الأول: محمد بن إسحاق - عبد الله بن نافع- الليث بن سعد - بكر بن سوادة - عطاء بن يسار - أبو سعيد الخدري (مرفوعًا).
السند الثاني: غير عبد الله بن نافع - الليث - عمير بن أبي ناجية - بكر بن سوادة - عطاء بن يسار "مرسلًا ".
أقول: حكم أبو داود على الأول بكونه غير محفوظ مع أن رجاله كلهم ثقات، ورجح الرواية المرسلة على المتصلة.
الاستنتاج:
أطلق أبو داود لفظة "غير محفوظ"على حديث زاد فيه ثقة زيادة، حيث وصل ما أرسله غيره فعدها أبو داود غير محفوظة.
٤ - حديث (٨٧٠) قال:
حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا الليث -يعني ابن سعد- عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب عن رجل من قومه عن عقبة بن عامر بمعناه زاد قال:" فكان رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) التقريب (٣٢٠٧).
(٢) التقريب (٦٢٠٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣٨) والدارمي (٧٣٧). كلاهما من طريق عبد الله بن نافع وأخرجه مرسلًا أبو داود (٣٣٩).
[ ١١٩ ]
إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا".قال أبو داود: وهذه الزيادة يخاف أن لا تكون محفوظة. قال أبو داود: انفرد أهل مصر بإسناد هذين الحديثين حديث الربيع وحديث أحمد بن يونس" (١).
التعليق:
الحديث جاء مرة بدون زيادة وهو حديث صحيح وجاء مرة بزيادة " فكان رسول الله إذا ركع .. " وسند هذه الزيادة ضعيف جدًا " منقطع " إذ فيه رجل مبهم ومع ذلك فإن أبا داود لم يجزم بضعفها بل قال: " وهذه الزيادة يخاف أن لا تكون محفوظة ".
الاستنتاج: أطلق أبو داود مصطلح " غير محفوظ " على زيادة في متن حديث زادها رجل مبهم: (أطلقها على إسناد منقطع).
٥ - حديث (٢٨١) قال:
حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير عن سهيل يعني بن أبي صالح عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء أو أسماء حدثتني أنها
أمرتها فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول - ﷺ -:" فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل".
قال أبو داود: ورواه قتادة عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي - ﷺ -:"أن تدع الصلاة أيام إقرائها ثم تغتسل وتصلي".
قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا وزاد بن عيينة في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة أن أم حبيبة كانت تستحاض فسألت النبي - ﷺ -:"فأمرها أن تدع الصلاة أيام إقرائها" (٢).
قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري إلا ما ذكر سهيل بن أبي صالح وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه تدع الصلاة أيام إقرائها وروت قمير بنت عمرو زوج مسروق عن عائشة المستحاضة تترك الصلاة أيام إقرائها ثم تغتسل وقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن النبي - ﷺ -:
_________________
(١) أخرجه بدون هذه الزيادة أحمد و، ابن ماجة والدارمي، انظر المسند الجامع ١٣/ ١٦ (٩٨٢٤).
(٢) أخرجه مسلم،١/ ٢٦٣ (٣٣٤) دون الزيادة.
[ ١٢٠ ]
"أمرها أن تترك الصلاة قدر إقرائها". وروى أبو بشر جعفر بن أبي وحشية عن عكرمة عن النبي - ﷺ - أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فذكر مثله، وروى شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ -: "المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها ثم تغتسل وتصلي".وروى العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر أن سودة استحيضت فأمرها النبي - ﷺ -:"إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت".وروى سعيد بن جبير عن علي وابن عباس:" المستحاضة تجلس أيام قرئها "وكذلك رواه عمار مولى بني هاشم وطلق بن حبيب عن ابن عباس، وكذلك رواه معقل الخثعمي عن علي - ﵁ - وكذلك روى الشعبي عن قمير امرأة مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قال أبو داود: وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومكحول وإبراهيم وسالم والقاسم أن المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها. قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا".
التعليق:
جاء الحديث عن الزهري من طريقين:
طريق: سهيل بن أبي صالح السمان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش به.
طريق: سفيان بن عيينة عن الزهري عن عمرة عن عائشة به.-وبزيادة " فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها ".
وقد حكم أبو داود على حديث سفيان بأنه غير محفوظ من حديث الزهري ولم يعده زيادة من ثقة أو يعده حديثًا آخر، ومع كون سفيان أوثق وأحفظ لحديث الزهري من سهيل بن أبي صالح.
أقول: وإنما لم يعده محفوظًا لأن الحفاظ لم يعرفوه بهذه الزيادة.
والحديث رواه سفيان مرة بدون الزيادة، كما أخرجه مسلم في صحيحه.
الاستنتاج:
هذا يعني أن أبا داود يطلق مصطلح " غير محفوظ " على ما تفرد به ثقة ولم يتابع عليه ولم يعرفه المعروفون " الحفاظ ".
٦ - حديث (٦٠٤) قال:
حدثنا محمد بن آدم المصيصي قال: حدثنا أبو خالد عن بن عجلان عن زيد بن
[ ١٢١ ]
أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:" إنما جعل الإمام ليؤتم به بهذا الخبر زاد وإذا قرأ فأنصتوا ".قال أبو داود: وهذه الزيادة وإذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة الوهم عندنا من أبي خالد ".
التعليق:
أصل الحديث هو بدون ذكر الزيادة " وإذا قرأ فأنصتوا ". أخرجه أبو داود في (٦٠٣) قال: حدثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم المعنى عن وهيب عن مصعب بن محمد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد- قال مسلم -ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون. قال أبو داود: اللهم ربنا لك الحمد أفهمني بعض أصحابنا عن سليمان ".
وعد الوهم فيها من سليمان بن حيان الأزدي، أبي خالد الأحمر، قال الحافظ ابن حجر فيه:" صدوق يخطئ " (١) قلت: قال صاحبا التحرير:"بل صدوق حسن الحديث " (٢) وهو الذي رجحه الذهبي في الميزان (٣)، والذي أراه والله أعلم أن الوهم فيه من محمد بن عجلان المدني: فإنه " قد اختلط عليه أحاديث أبي هريرة " (٤)،وهذا منها.
الاستنتاج:
أطلق أبو داود مصطلح "غير محفوظ"على زيادة الضعيف.
٧ - حديث (٢١٥٩) قال:
حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو معاوية عن بن إسحاق بهذا الحديث قال:" حتى يستبرئها بحيضة " زاد فيه: بحيضة وهو وهم من أبي معاوية، وهو صحيح في حديث أبي سعيد زاد: " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء
_________________
(١) التقريب (٢٥٤٧).
(٢) التحرير ٢/ ٦٥.
(٣) ميزان الاعتدال ٢/ ٢٠٠.
(٤) التقريب (٦١٣٦)، والتحرير ٣ـ٢٩٠.
[ ١٢٢ ]
المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه". قال أبو داود: الحيضة ليست بمحفوظة وهو وهم من أبي معاوية ".
التعليق:
اصل الحديث ليس فيه زيادة " بحيضة " وقد أخرجه أبو داود من طريق النفيلي فقال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: قام فينا خطيبًا قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم حنين قال: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره يعني إتيان الحبالى ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يقسم " (١).
قلت: زاد أبو معاوية - محمد بن خازم الضرير-في روايته عن ابن إسحاق بالإسناد أعلاه:"حتى يستبرئها بحيضة "فزاد لفظة:"حيضة "وقد خالف بها محمد بن سلمة الباهلي وأبو معاوية: " ثقة في حديث الأعمش قد يهم في حديث غيره " (٢)، وأما محمد بن سلمة فهو ثقة. (٣) فرد أبو داود زيادة أبي معاوية مع أنه حكم عليها بالصحة في حديث أبي سعيد الخدري. (٤) فزيادة " حيضة " صحيحة ولكنها غير محفوظة من طريق أبن إسحاق بالإسناد أعلاه.
وكذا فإنه قبل زيادة أبي معاوية في الحديث نفسه وهي " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين ."؟!
الاستنتاج:
أطلق أبو داود مصطلح " غير محفوظ " على زيادة تفرد بها ثقة لا يحتمل تفرده أو مخالفته، فأتى بما لا يعرفه الحفاظ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢١٥٨).
(٢) التقريب (٥٨٤١) وانظر التحرير ٢/ ٢٣٤.
(٣) التقريب (٥٩٢٢) وانظر التحرير ٢/ ٢٥٠.
(٤) أخرجه أبو داود (٢١٥٧) وغيره.
[ ١٢٣ ]
إذن: فأبو داود استعمل مصطلح "غير محفوظ " لما انفرد به ثقة، وكذا لما خالف، ولما زاد وأطلقه على زيادة مجهول العين وزيادة ضعيف، وعلى تفرد من لا يحتمل تفرده.
هكذا يتبين لنا أن مفهوم " غير محفوظ " أعم عند أبي داود مما نسب إليه الشيخ محمد حوى في رسالته وأعم مما ينسب المتأخرون إليه.
والصواب: أنّ كل ما ليس له أصل متابع أو لم يعرفه أهل الحفظ هو غير محفوظ عنده خالف به ثقة أم غير ثقة - والله أعلم -.