أطلق الإمام أحمد لفظة منكر على حديث الثقة، ومن أمثلة ذلك: قال العقيلي عند ترجمة الحسن بن سوار البغوي:" حدثنا أحمد بن داود السجزي قال: حدثنا الحسن بن سوار البغوي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضمضم بن جوس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال:" رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بالبيت على ناقة لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك ". ولا يتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث، وقد
حدث أحمد بن منيع وغيره عن الحسن بن سوار هذا عن الليث بن سعد وغيره أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فهو منكر، وحدثني محمد بن موسى النهرتيري قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال: حدثنا الحسن بن سوار بهذا الحديث فذكر مثل ما حدثنا أحمد بن داود، قال أبو إسماعيل: ألقيت على أبي عبد الله أحمد ابن حنبل: فقال أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر " (٣).
قلت: أطلق الإمام أحمد على حديث راوٍ ثقة: منكر.
ومنه: قال عبد الله: " سمعت أبي يقول: حدثنا بحديث الشفعة، حديث عبد الملك عن عطاء عن جابر عن النبي - ﷺ - وقال: هذا حديث منكر " (٤).
_________________
(١) قال ابن حجر في التقريب (٧١٥٤): "صدوق سيئ الحفظ "، وقد ضعفه ابن القطان، وأحمد، وأبو داود والنسائي، وغيرهم، أنظر تحرير التقريب ٤/ ١٩.
(٢) علل ابن المديني ١/ ٩٩.
(٣) الضعفاء، العقيلي ١/ ٢٢٨ (٢٧٧).
(٤) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٢٨١ (٢٢٥٦).
[ ٦٤ ]
وقال في موضع آخر عن الحديث ذاته: " ذكر أبي حديث وكيع عن شعبة عن عبد الملك ابن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي - ﷺ - في الشفعة قال ليس هو في كتاب غندر! " (١).
قلت: أعل الإمام أحمد هذا الحديث باحتمال وهم وكيع في هذا الحديث - وهو ثقة جبل - لأنه لم يجده عند من هو أوثق منه في شعبة، وهو محمد بن جعفر " غندر " (٢).
وسئل عن: " حديث معمر عن ثابت عن أنس أن النبي - ﷺ - نهى عن الشغار؟ فقال: هذا حديث منكر من حديث ثابت " (٣).
قلت: أطلقه على تفرد معمر وهو ثقة عنده (٤)،ولا يعني مجرد التفرد، وإنما التفرد مع الوهم، إذ ليس محفوظًا من حديث ثابت، وأصرح منه ما جاء:
قال عبد الله:"حدثت أبي بحديث حدثناه عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن ثور بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﷺ - تسليم الرجل بإصبع واحدة يشير بها فعل اليهود فقال أبي هذا حديث منكر أنكره جدا.
وحدثت أبي بحديث حدثناه عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن محمد بن سالم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي - ﷺ - فيما سقت السماء العشر وما سقي بالغرب والدالية فنصف العشر "، قال أبي: هذا حديث أراه موضوعا أنكره من حديث محمد بن سالم.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٣٣ (٥٩٩).
(٢) غندر إليه المنتهى في حديث شعبة، جاء في تهذيب الكمال ٦/ ٢٦٥ (٥٧٠٩): قال " عن أحمد بن حنبل: سمعت غندرا يقول: لزمت شعبة عشرين سنة لم أكتب من أحد غيره شيئا وكنت إذا كتبت عنه عرضته عليه وقال علي بن المديني: هو أحب إلي من عبد الرحمن في شعبة، وقال أيضا قال عبد الرحمن بن مهدي كنا نستفيد من كتب غندر في حياة شعبة، وقال أيضا: قال وكيع: ما فعل الصحيح الكتاب قلت: صاحب الطيالسة قال نعم يعني غندرا، وقال أبو حاتم الرازي: عن محمد بن أبان البلخي قال عبد الرحمن بن مهدي: غندر في شعبة أثبت مني، وقال أحمد بن منصور المروزي عن سلمة بن سليمان: قال عبد الله بن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم ".
(٣) علل أحمد، المروذي ص ١١٠.
(٤) قال الفضل بن زياد: وسئل يعني أحمد عما روى معمر عن ثابت فقال: ما أحسن حديثه. المعرفة والتأريخ ٢/ ١٦٦، فضلا عن توثيقه لمعمر مطلقا، أنظر الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٥ (١١٦٥)
[ ٦٥ ]
وعرضت على أبي حديثًا حدثناه عثمان عن جرير، عن شيبة بن نعامة عن فاطمة بنت حسين، عن فاطمة الكبرى عن النبي - ﷺ - في العصبة وحديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر أنّ النبي - ﷺ - شهد عيدًا للمشركين، فأنكرهما جدا وعدة أحاديث من هذا النحو فأنكرها جدا وقال: هذه أحاديث موضوعة أو كأنها موضوعة وقال: ما كان أخوه يعني عبد الله بن أبي شيبة تطنّف نفسه لشيء من هذه الأحاديث ثم قال: نسأل الله السلامة في الدين والدنيا وقال: نراه يتوهم هذه الأحاديث نسأل الله السلامة اللهم سلّم سلّم " (١).
قلت: أستنكر أحاديث عثمان بن أبي شيبة وعدها موضوعة وهو ثقة عنده، فقال فيه: ما علمت إلا خيرًا، وأثنى عليه (٢)، وقد أخرج الشيخان حديثه.
ومنه: قال عبد الله:" قلت له: فتعرف عن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: " متى كنت نبيا ".؟ قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيرًا ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: عن أبي المهاجر وإنما هو أبو المهلب " (٣).
وأطلقه على تفرد الصدوق: قال في رحيل بن معاوية أخي زهير:" قال هو رجل قديم روى عنه زهير وليس لي بحديث حديج علم. فقيل له: إنه حدث عن أبي إسحاق عن البراء: أن النبي - ﷺ - كان يسلم عن يمينه وعن يساره؟ فقال: هذا منكر " (٤). ورحيل: صدوق (٥).
وأطلقه على ما تفرد به الضعيف، ومنه:
قال عبد الله: " وسئل عن خارجة بن مصعب فضعفه وقال: ما روى عنه ابن المبارك شيئًا في كتبه، فقال له ابن أبي رزمة: بلى حديث واحد؟ وقال: قد قالوا لابن
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٥٥٧ - ٥٥٩ (١٣٣١و١٣٣٢ و١٣٣٣)
(٢) تهذيب الكمال ٥/ ١٣٥ (٤٤٤٦)، وانظر تاريخ بغداد، الخطيب ١٣/ ١٦٣، وميزان الاعتدال ٣/ ٣٦ (٥٥١٨).
(٣) علل أحمد، المروذي ص ١١١.
(٤) علل أحمد، المروذي ٩٨.
(٥) التقريب (٩٣٠).
[ ٦٦ ]
المبارك فيه، فقال: كيف أحدث عن رجل حدث بكذا! لحديث منكر " (١).
وقد أطلقه على ما تفرد به المجهول عنده، ومنه:
قال عبد الله: " وألقيت على أبي عبد الله حديثًا رواه الفضل بن موسى عن أبراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: عارض رسول الله - ﷺ - جنازة أبي طالب، فقال: هذا منكر، هذا رجل مجهول " (٢).
ومن هنا يتبين أن الإمام أحمد أطلق النكارة على ما أخطأ فيه الراوي سواء أكان ثقة، أم صدوقًا أم ضعيفًا أم مجهولًا.