قال ابن الصلاح:"المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه مثال الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر ابن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله - ﷺ - قال:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (٢) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله: عمر بن عثمان بضم العين وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب التمييز (٣): أن كل من رَواه من أصحاب الزهري قال فيه عمر بن عثمان يعني بفتح العين وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه وعمرو وعمر جميعًا ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه والله أعلم.
ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يتحمل معه تفرده: ما رويناه من حديث أبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال:"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك
غاظه ويقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق " (٤)،تفرد به أبو زكريا وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يتحمل تفرده والله أعلم" (٥).
قلت: فلم يميز ابن الصلاح بين المنكر والشاذ كما هو واضح، وتعقبه الحافظ ابن
_________________
(١) انظر مقدمة ابن الصلاح ص٨٠.
(٢) أخرجه البخاري (١٥٨٨ و٤٢٨٣ و٦٧٦٤) وغيره.
(٣) لم أقف عليه في المطبوع الذي بين يديّ.
(٤) أخرجه النسائي في الكبرى رقم (٦٦٧٧)، وابن ماجه (٣٣٣٢)،والحاكم ٤/ ١٣٥.
(٥) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠.
[ ٥٤ ]
حجر في النكت فقال:" ليس بعبارته ما يفصل أحد النوعين عن الآخر، نعم هما مشتركان في كون كل منهما على قسمين وإنما اختلافهما في مراتب الرواة" (١).
وقال ابن دقيق العيد:"هو كالشاذ، وقيل هو ما انفرد به الراوي وهو قول منقوض بالأفراد الصحيحة " (٢)،فهو أيضًا يسوي بين المنكر والشاذ.
وقال الحافظ العراقي في ألفيته (٣):
والمنكر الفرد كذا البرديجي أطلق والصواب في التخريج
إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر
فهو على مذهب ابن الصلاح في اعتبار الشاذ والمنكر واحدًا.
ويبدو أن الذهبي يسوي بينهما (٤)، لكن السخاوي علل ذلك بقوله: "وأما جمع الذهبي بينهما في حكمه على بعض الأحاديث فيحتمل أن يكون تقدم الفرق بينهما ويحتمل غيره " (٥).
وقد مَثَّلَ الحافظ العراقي على ذلك فقال:"ولنذكر مثالًا للمنكر" ثم أورد حديث همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ﵁:" أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه" (٦)،أخرجه أبو داود وقال عَقبهُ: "هذا حديث منكر وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس:"أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم
ألقاه" (٧)،والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام" (٨)،قال الحافظ العراقي: وهمام ثقة احتج به أهل الصحيح ولكنه خالف الناس (٩)، أي: خالفهم في الإسناد والمتن.
_________________
(١) النكت ٢/ ٦٧٤.
(٢) الاقتراح ص١٩٨.
(٣) فتح المغيث، السخاوي ١/ ٢٢٢.
(٤) انظر الموقظة ص٤٢.
(٥) فتح المغيث ١/ ٢٢٣.
(٦) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، وابن ماجه (٢٠٣).
(٧) أخرجه البخاري (٥٨٦٨)، ومسلم ٣/ ١٦٥٧ (٢٠٩٣) وغيرهما.
(٨) سنن أبي داود (١٩).
(٩) انظر فتح المغيث ١/ ٢٢٦.
[ ٥٥ ]
قال الحافظ ابنُ حجر:"وقد نوزع أبو داود في حكمه عليه بالنكارة مع أن رجاله من رجال الصحيح" (١)،ثم قال:"لا يصلح مثالًا للمنكر فلنذكر مثالًا للمنكر غيره" (٢)،وقال السخاوي:"ولم يوفق أبو داود على الحكم عليه بالنكارة " (٣)،ولسنا هنا بصدد ذكر تصحيح الحديث أو عدمه، بل الذي يعنينا أن الحديث المنكر عند الكثير من المتقدمين يعني المخالفة مطلقًا سواء كان المخالف ثقة أم غير ثقة، وقد استنكره أبو داود لأن همامًاخالف"في متن الحديث"المحفوظ عن الزهري، إذ المحفوظ ما أخرجه الشيخان من حديث الزهري الذي رواه عنه الجم الغفير من أصحابه عن أنس:" أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه" (٤).
وقد خَطّأ بعضُ المتأخرين التسويةَ بينهما، أي: المنكر والشاذ، كالحافظ ابن حجر وغيره فقال:"قد غفل من سوى بينهما" (٥)
وقال السيوطي في ألفيته:
. . . . . . والذي رأى ترادف المنكر والشاذ نأى. (٦)