وسأذكر بعض الأحاديث التي قد يستدل بها البعض كونها من قبيل الزيادة، أو مما عده بعض الأئمة من المتأخرين أنه من قبيل الزيادة كالنووي وغيره فمنها:
١ - أخرج مسلم حديث ١/ ١٠ (٥) فقال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري قال: حدثنا أبي (ح) وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم (٤) قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في المسند الجامع ١٧/ ٦٥٥ (١٤٢٨١).
(٢) قال الحافظ في التقريب (٢٩٣٤): ثقة، وكان يدلس تدليس التسوية، قاله أبو زرعة الدمشقي ". وتعقبه صاحبا التحرير: ٢/ ١٤١ قوله:" وكان يدلس تدليس التسوية، قاله أبو زرعة الدمشقي، فيه نظر، وإنما أخذه المؤلف من " المجروحين " لابن حبان الذي قال: " سمعت ابن جوصا يقول:: سمعت أبا زرعة الدمشقي يقول: كان صفوان بن صالح ومحمد بن المصفى يسويان الحديث ". وهذا نص تفرد به ابن حبان، ولا نعرف رواه غيره، ولا توجد إليه أدنى إشارة في تأريخ أبي زرعة الدمشقي، وهو مطبوع متداول مشهور. وأيضًا: كيف يكون ثقة من يدلس تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس، بل هو بلا شك قادح في عدالة فاعله، وهذا شيخ وثقه الأئمة، بل قال أبو داود - وقد روى عنه -: حجة ".
(٣) التقريب (٧٤٥٦).
(٤) وقع في المطبوع من صحيح مسلم ١/ ٨ من طبعة استانبول: حفص بن عاصم عن أبي هريرة مرفوعًا. وانتقل إلى طبعة السيد محمد فؤاد عبد الباقي الذي نشر صحيح مسلم على هذه الطبعة ١/ ١٠ (٥). ووجود اسم أبي هريرة - ﵁ - في السند خطأ محض، فقد ورد على الصواب في شرح الإمام النووي، وان ورد في متنه على الخطأ، -لأن المتن منقول من طبعة استانبول أيضًا - فقال الإمام النووي في الشرح ١/ ٧٤: " فكذا وقع في الطريق الأول عن حفص عن النبي ﵇ مرسلًا، فإن حفصًا تابعي، وفي الطريق الثاني عن حفص عن النبي - ﷺ - متصلًا، فالطريق الأول رواه مسلم من رواية معاذ وعبد الرحمن بن مهدي، وكلاهما عن شعبة، وكذلك رواه غندر عن شعبة فأرسله، والطريق الثاني عن علي ابن حفص عن شعبة ". ولذا تتبعه الدارقطني (١٧٥)، والحاكم ١/ ١٩٥.والأهم من كل ذلك أنه بخط الإمام المزي في تحفة الأشراف ٩/ ٤٤ (١٢٢٦٨)، كما نبه عليه أستاذنا الدكتور بشار عواد في تحقيقه، وكذا في تعليقه على المسند الجامع ١٧/ ٨١٦ - ٨١٧، فاشبع فيها القول.
[ ٢٩٣ ]
"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع ".
قلت دار الحديث على شعبة رواه عنه مرسلًا:
معاذ العنبري وعبد الرحمن بن مهدي: أخرجه مسلم ١/ ١٠ (٥).
وحفص بن عمر النميري: أخرجه أبو داود (٤٩٩٣).
وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حرب: أخرجه الحاكم ١/ ١٩٥.
ورواه عنه (علي بن حفص) وحده متصلًا: أخرجه مسلم ١/ ١٠ (٥)،وأبو داود (٤٩٩٣) وابن حبان ١/ ٢١٣ (٣٠)، والحاكم ١/ ١٩٥،.
أقول: قد أعله الدارقطني في التتبع، وقال:" الصواب المرسل" (١)،وقال أبو داود عقب الحديث "ولم يسنده إلا هذا الشيخ-يعني علي بن حفص المدائني "، فيؤخذ من كلامه هذا ترجيح الإرسال (٢).
وقال الحاكم ١/ ١٩٥: " قد ذُكر لمسلم هذا الحديث في أوساط الحكايات التي ذكرها في خطبة الكتاب عن محمد بن رافع، ولم يخرجه محتجًا به في موضعه من الكتاب، وعلي بن حفص المدائني (٣) ثقة، وقد نبهنا في أول الكتاب على الاحتجاج بزيادات الثقات وقد أرسله جماعة من أصحاب شعبة ".
وقال النووي: " قلت: وقد رواه أبو داود في سننه أيضا مرسلًا، ومتصلًا فرواه
_________________
(١) التتبع ص ١٧٥.
(٢) بين الإمامين، المدخلي ص٥.
(٣) وقع في المطبوع من المستدرك:"جعفر"وهو خطأ.
[ ٢٩٤ ]
مرسلًا عن حفص بن عمر النميري عن شعبة، ورواه متصلًا من رواية على بن حفص وإذا ثبت أنه روى متصلًا ومرسلًا، فالعمل على أنه متصل هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول وجماعة من أهل الحديث ولا يضر كون الأكثرين رووه مرسلا فإن الوصل زيادة من ثقة وهى مقبولة وقد تقدمت هذه المسألة موضحة في الفصول السابقة والله " (١).
وقد رجح المرسل المدخلي (٢)،والوادعي (٣).
أقول: وهذا هو الصواب، وقد أخرجه " متصلًا "عقب المرسل فتقديمه المرسل دليل على إعلاله له، لا أنه أورده للاحتجاج به، ومع هذا فإنه لم يخرجه في أصل الصحيح، وإنما اقتصر عليه في المقدمة، وأحاديثها ليست من شرط الصحيح كما هو معروف مشهور، ولذلك قال الحاكم:" ولم يخرجه محتجًا به في موضعه من الكتاب".أي إنه لو كان يعتقد صحته لأخرجه في بابه من الصحيح، وقد سبق نقلنا لما نبه عليه العلماء من أن ترتيب أحاديث الباب عند مسلم حسب قوتها.
٢ - أخرج الإمام مسلم بسنده ٢/ ٥٨٤ (٨٥٣): فقال: وحدثني أبو الطاهر، وعلي بن خشرم قالا: أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير (ح)، وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن عيسى، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله - ﷺ - في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "هي بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ".
أقول: دار الحديث على أبي بردة رواه عنه مرفوعًا مخرمة بن بكير عن أبيه به. أخرجه مسلم ٢/ ٥٨٤ (٨٥٣)، وأبو داود (١٠٤٩)، وابن خزيمة ٣/ ١٢٠ (١٧٣٩)، والبيهقي ٣/ ٢٥٠.
وقد رواه:" واصل الأحدب، وأبو إسحاق السبيعي " عنه موقوفًا: -
فمن طريق (واصل الأحدب) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٢ (٥٤٦٤).
ومن طريق (أبى إسحاق السبيعي) أخرجه الدارقطني في العلل ٧/ ٢١٢ (١٢٩٧).
_________________
(١) شرح مسلم ١/ ٧٤.
(٢) بين الإمامين ص٦.
(٣) التتبع ص١٧٦.
[ ٢٩٥ ]
وروى البيهقي عقب حديثه ٣/ ٢٥٠ أن الإمام مسلمًا قال:"حديث أبى موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه"وقد رجح الرفع البيهقي، والنووي (١).
وقد أعله بالانقطاع الدارقطني في التتبع ص٢٣٣ والعلل ٧/ ٢١٢ (١٢٩٧).
وقد نقل الحافظ ابن حجر إعلال بعض أئمة الشافعية الحديث بالانقطاع، والاضطراب، فقال:" ولا يقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا، لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع، وأما الاضطراب: فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة وأبو بردة كوفي، فهم أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد وهو واحد، وأيضا فلو كان عند أبي بردة مرفوعًا لم يفت فيه برأيه بخلاف المرفوع " (٢).
أقول: طُعن في سند هذا الحديث من وجهين:
الأول: سماع مخرمة من أبيه ومخالفته للثقات في رفعه، وهذا ينبغي أن نقف عنده بتأمل، إذ نقل الإمام أحمد عن حماد بن خالد القول:"قلت لمخرمة: سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا " (٣) وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي:"سمعت من حماد الخياط قال: أخرج مخرمة بن بكر كتابًا فقال هذه كتب أبي لم أسمع من أبي شيئًا " (٤) وقال ابن معين:"مخرمة بن بكير ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمعه منه " (٥)،وقال أبو داود:"لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر " (٦).
وهكذا يتضح أن مخرمة لم يسمع من أبيه هذا الحديث ولا غيره، إلا حديث الوتر، كما نص عليه أئمة الحديث (٧).
_________________
(١) انظر شرح مسلم ٦/ ١٤١.
(٢) فتح الباري ٢/ ٥٣٦.
(٣) علل أحمد ٣/ ٥٠ (٤١١٦) و٣/ ٣٦٢ (٥٥٩٢).
(٤) علل أحمد ٢/ ١٧٣ (١٩٠٧)، وانظر صفحة ٣/ ٥٠ (٤١١٦)
(٥) تهذيب الكمال ٧/ ٥٧ ترجمة (٦٤٢١)، وانظر تأريخ الدوري عن ابن معين ٢/ ٥٥٤.
(٦) مصدر سابق.
(٧) انظر التأريخ الكبير ٨/ ١٦، (١٩٨٤) والجرح والتعديل ٨/ ٣٦٣ (١٦٦٠)، والكامل ٦/ ٤٢٨ (١٩٠٦)، والتقريب (٦٥٢٦).
[ ٢٩٦ ]
واعتذر العلائي للإمام مسلم روايته عن مخرمة عن أبيه فقال: " وكأنه رأى الوجادة سببًا للاتصال وقد انتقد ذلك عليه " (١).
قلت: ولا يسلم له القول بذلك، لأن الإمام مسلمًا ينتقد الوجادة ولا يعدها متصلة، قال في التمييز:" إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه، فيما ذكر وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب " (٢).
وعلى فرض سماع مخرمة هذا الحديث من أبيه فإنه وقع في مخالفة وهي رفع ما وقفه الثقات فقد أوقفه من هو أوثق منه (واصل الأحدب، وأبو إسحاق السبيعي).
وهذه علة بذاتها، ناهيك أنهم أعرف بحديثه لأنهم كوفيون مثله (٣)،وهو مدني.
وأقول: أما تخريج الإمام مسلم فإنه أخرجه في آخر أحاديث الباب، فلعلّه أراد أن ينبه عليه كما وعد في المقدمة، أو لعله اعتبر بالاختلاف الذي وقع في طريق أبي إسحاق السبيعي، فإنه قد اختلف فيه بين وقف ورفع، إذ جاء مرة من طريق النعمان بن عبد السلام عن سفيان الثوري موقوفًا (٤)،ومرة من طريق إسماعيل بن عمرو عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق مرفوعًا (٥)،والحديث إذا اختلف فيه بين رفع ووقف، أو وصل وإرسال فإنه يخرج من الموازنة لاحتماله الوجهين، فتكون الموازنة بين طريق مخرمة وطريق واصل فقط.
الوجه الثاني: كون الحديث مضطربًا كما قال الدارقطني، وابن حجر، وغيرهما: إذ روي عن أبى إسحاق بأكثر من وجه: مرة مرسلًا ومرة موصولًا ومرة موقوفًا.
وروي أيضا من طريق عاصم الأحدب موقوفًا على أبي موسى وروي من طريق آخر عن أبي بردة قوله، وقد ذكر كل تلك الطرق الدارقطني في العلل ٧/ ٢١٢ - ٢١٣ (١٢٩٧).
_________________
(١) جامع التحصيل ص٢٧٥ رقم (٧٤٢).
(٢) التمييز ص١٨٨.
(٣) انظر الجمع بين الإمامين ص٢٢٧، والتتبع ص٢٣٥.
(٤) أخرجه الدارقطني في العلل ٧/ ٢١٣ (١٢٩٧) وعدّه غير محفوظ.
(٥) مصدر سابق.
[ ٢٩٧ ]
أقول: فالحديث معلول بكل حال (١)،وقد أخرجه الإمام مسلم في آخر الباب ليبين علته كما وعد في المقدمة، بعد أن ساق الأحاديث المعتمدة في أول الباب.
٣ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه ١/ ١٠٠ (١٠٤) حديث أبي موسى الأشعري من طرق متعددة عن أبي موسى، منها حديث ربعي بن حراش عنه، وهو عنده من طريق الحسن بن علي الحلواني، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عنه به مرفوعًا.
وحديث ربعي هذا اختلف فيه: فروي مرفوعًا، وموقوفًا، وانتقد على الإمام مسلم إخراجه المرفوع، وعده آخرون زيادة ثقة كما سيأتي بيانه.
قال الدارقطني في العلل ٧/ ٢٢٦ (١٣٩) لما سُئل عن حديث ربعي بن حراش عن أبي موسى قال:"برىء رسول الله - ﷺ - ممن حلق وسلق وخرق ".؟ فقال: يرويه عبد الملك بن عمير، واختلف عنه، فرفعه علي بن سعيد النسائي عن عبد الصمد عن شعبة عن عبد الملك بن عمير، ووقفه أصحاب شعبة عن شعبة، ورفعه المحاربي عن عبد الملك بن عمير إلى النبي - ﷺ - قال ذلك أبو ظفر عن المحاربي وغيره يرويه عنه موقوفًا ورفعه أبو عمر الضرير عن أبي عوانة عن عبد الملك وغيره يرويه عن أبي عوانة موقوفًا والموقوف عن عبد الملك أثبت " (٢).
قلت: وهذا يعني أمرين:-
الأول: توبع عبد الصمد في رفعه متابعة قاصرة، إذ رواه عبد السلام المحاربي عن عبد الملك بن عمير مرفوعًا. من طريق أبي ظفر- عبد السلام بن مطهر- وهو ثقة وقد خالفه غيره فرووه عنه موقوفًا (٣). ورواه أبو عمر الضرير عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير مرفوعًا. وخالفه غيره عن أبى عوانة (٤). وهاتان المتابعتان قاصرتان.
الثاني:- أعلّ الدارقطني الحديث بكونه -عبد الصمد- خالف بقية الرواة عن
_________________
(١) انظر بين الإمامين ص٢٣٠،والتتبع ص٢٣٥.
(٢) وممن رواه عن عبد الصمد موقوفًا: محمد بن يحيى الذهلي أخرجه ابن مندة في الإيمان ٢/ ٦٤٦ (٦٠٧)، وأشار إليه الحافظ ابن حجر في النكت برقم ٦/ ١٦٩
(٣) علل الدارقطني ٧/ ٢٢٦ (١٣٠٩).
(٤) مصدر سابق.
[ ٢٩٨ ]
شعبة، ووافقه القاضي عياض (١). وعدها الإمام النووي زيادة ثقة (٢).
وقال المدخلي:"ولقد بحثت كثيرًا عن هذه الروايات الموقوفة فلم أجد شيئًا منها. هذا ودعوى الدارقطني والقاضي عياض منصبة على هذا الإسناد: " شعبة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي "، والترجيح للرفع أو الوقف من هذا الطريق يتوقف على وجود الروايات الموقوفة، ودراسة أسانيدها فأيهما توفرت له المرجحات، فالحكم له بخلاف ما اختاره النووي من ترجيح الرفع مطلقًا " (٣).
قلت: وقد وقفنا على الطريق التي خالفت طريق عبد الصمد كما مر، وهي عند أبي عوانة، وابن مندة؛ طريق أبي عوانة في مسنده ١/ ١٥٩ (١٥٣) قال فيه:- حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أنبأنا شعبة به.
وطريق بن مندة في كتابه الإيمان ٢/ ٦٤٦ (٦٠٨): قال: أنبأنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، قال حدثنا محمد بن غالب بن حرب، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر الحوضي، قال حدثنا شعبة به.
وغندر والحوظي ثقتان، بل غندر لا يعدله في شعبة أحد، كما هو معروف.
فلعل عبد الملك كان يرويه على وجهين (موقوفًا ومرفوعًا)،لاختلاف الرواة عنه فجماعة يروونه عنه على وجه، ويخالف بعضهم فيه، لا سيما وأنه: " تغير حفظه، قال أبو حاتم: لم يوصف بالحفظ، وقال ابن معين مخلط " (٤).
أما عن تخريج مسلم له فلعله أراد أن ينبه على خطئه كما قدم في أول كتابه وعلى كل حال فإنه أورده في المتابعات ويجوز فيها ما لا يجوز في الأصول، كما نص في مقدمته، وهو الذي رجحه الإمام النووي. (٥)
٤ - أخرج مسلم ١/ ٣٠٣ (٤٠٤) فقال: حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة ابن سعيد، وأبو كامل الجحدري، ومحمد بن عبد الملك الأموي، واللفظ لأبي كامل قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فلما كان عند القعدة، قال رجل من القوم: أقرت
_________________
(١) شرح مسلم ٢/ ١٢.
(٢) شرح مسلم ٢/ ١٢.
(٣) بين الإمامين ص٢٢
(٤) انظر تحرير التقريب ٢/ ٣٨٦.
(٥) انظر شرح مسلم ٢/ ١٢.
[ ٢٩٩ ]
الصلاة بالبر والزكاة، قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرم القوم (١)، ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: ما قلتها! ولقد رهبت أن تبكعني بها (٢)، فقال: رجل من القوم أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير! فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم! إن رسول الله - ﷺ - خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا، فقال:" إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله - ﷺ -:فتلك بتلك، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه - ﷺ - سمع الله لمن حمده وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول الله - ﷺ -: فتلك بتلك وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ".
ثم قال: (٤٠٤) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة (ح)، وحدثنا أبو غسان المسمعي قال: حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي (ح)، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير عن سليمان التيمي كل هؤلاء عن قتادة في هذا الإسناد بمثله، وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة: " وإذا قرأ فأنصتوا"وليس في حديث أحد منهم:" فإن الله قال على لسان نبيه - ﷺ - سمع الله لمن حمده "، إلا في رواية أبي كامل وحده عن أبي عوانة قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث، فقال مسلم:" تريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح:"يعني وإذا قرأ فأنصتوا"فقال هو عندي صحيح فقال لمَ لمْ تضعه ههنا؟ قال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه ".
أخرجه أحمد ٤/ ٤١٥، ومسلم ١/ ٣٠٤ (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٣)،وابن ماجة
_________________
(١) أي: سكتوا وخافوا، انظر النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٢/ ٢٦٧ مادة (رمم).
(٢) أي خفت أن تستقبلني بما أكره، انظر النهاية في غريب الحديث ١/ ١٤٩ مادة (بكع).
[ ٣٠٠ ]
(٨٤٧)، وأبو عوانة ١/ ٤٥٧ (١٦٩٧)، والبزار ٨/ ٦٥ (٣٠٥٨)، وأبو يعلى ١٣/ ٣١١ (٧٣٢٦) من طريق جرير عن سليمان به (١).
وأخرجه النسائي٢/ ٢٤٢،وأبو عوانة١/ ٤٥٧ (١٦٩٦)،والبزار ٨/ ٦٦ (٣٠٥٩)،والبيهقي من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان عن قتادة به (٢).
كلاهما عن سليمان التيمي عن قتادة به بزيادة " وإذا قرأ فأنصتوا ".ٍ
وأخرجه بدونها:
أحمد ٤/ ٣٩٣، ومسلم ١/ ٣٠٤ (٤٠٤)،والبيهقي ٢/ ١٤٠،من طريق معمر عن قتادة به.
وأخرجه أحمد٤/ ٤٠١ و٤٠٥،والدارمي١/ ٣٤٣ (١٣١٢) و١/ ٣٦٣ (١٣٥٨)،ومسلم١/ ٣٠٤ (٤٠٤) والنسائي ٢/ ١٩٦،وفي الكبرى ١/ ٢٢٢ (٦٥١)، والبزار ٨/ ٦٣ (٣٠٥٦و ٣٠٥٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.
وأخرجه وعبد الرزاق ٢/ ١٦٦ (٢٩١٣)، وفي ٢/ ٢٠١ (٢٠٦٥)، والطيالسي (٥١٧)، وأحمد ٤/ ٤٠٩،ومسلم ١/ ٣٠٣ (٤٠٤) وأبو داود (٩٧٢)،والنسائي ٢/ ٢٤١،و٣/ ٤٢،وفي الكبرى١/ ٢٥٢ (٧٦٠)،وفي ١/ ٣٧٩ (١٢٠٣)، وأبو عوانة ١/ ٤٥٤ (١٦٨١)،وابن حبان ٥/ ٥٤٠ (٢١٦٧)،والبيهقي ٢/ ١٤١،،من طريق هشام عن قتادة به.
وأخرجه أخرجه مسلم ١/ ٣٠٣ (٤٠٤) وأبو داود (٩٧٢) من طريق من طريق أبي عوانة عن قتادة به.
وأخرجه ابن ماجة (٨٩١) من طريق سعيد وهشام جميعًا عن قتادة به.
أقول: فخالف سليمان التيمي أصحاب قتادة، وهم:" همام بن منبه، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وأبو عوانة، والحجاج بن الحجاج، ومن تابعهم على روايتهم" إذرووه دون هذه اللفظة (٣).
وقد أعل هذه الزيادة: البخاري، وابن خزيمة، وابن معين- نقله البيهقي في جزء
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١١/ ٣٤٠ (٨٨٠١).
(٢) انظر المسند الجامع ١١/ ٣٤٠ (٨٨٠١).
(٣) انظر المسند الجامع ١١/ ٣٤٠ (٨٨٠١) ..
[ ٣٠١ ]
القراءة ١/ ١٣١ وأبو داود (٩٧٣)، والبزار ٨/ ٦٥ (٣٠٥٨)، والجارودي ١/ ٧٣، والدارقطني ٧/ ٢٥٣، والبيهقي ٢/ ١٥٥ - ١٥٦، وابن حجر في الدراية ١/ ١٦٦، والزيلعي في النصب ٢/ ١٧.
وقد صححها مسلم -كما سلف -: " قال أبو إسحاق: قال أبو بكر بن أخت أبي النضر في هذا الحديث فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح "يعني وإذا قرأ فأنصتوا" فقال: هو عندي صحيح فقال لمَ لمْ تضعه ههنا قال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه".
أقول: هذه ليست من قبيل الزيادة التي يعنيها المتأخرون إذ لم ينفرد بها التيمي (١) فقد توبع، تابعه ابن أبي عروبة وعمر بن عامر السلمي (٢)، أخرجه البزار ٨/ ٦٦ (٢٠٦٠) والدارقطني ١/ ٣٣٠،والبيهقي ٢/ ١٥٦، وابن عدي في الكامل ٣/ ٣٤٧ وابن حجر في الدراية ١/ ١٦٤.رواه عنهما سالم بن نوح بن أبي عطاء البصري، وهو صدوق حسن الحديث، أخرج له مسلم في الصحيح (٣)، وقد خطأه الدارقطني وغيره كما خطؤوا التيمي.
ونقل ابن عبد البر عن الإمام أحمد تصحيحه فقال:"فإن قال قائل: إن قوله وإذا قرأ فأنصتوا لم يقله أحد في حديث أبي هريرة غير ابن عجلان ولا قاله أحد في حديث أبي موسى غير جرير عن التيمي قيل له: لم يخالفهما من هو أحفظ منهما فوجب قبول زيادتهما وقد صحح هذين الحديثين أحمد بن حنبل وحسبك به إمامة وعلمًا بهذا الشأن. حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال: حدثنا الخضر بن داود قال: حدثنا أبو بكر الأثرم قال: قلت لأحمد بن حنبل: من يقول عن النبي - ﷺ - من وجه صحيح إذا قرأ الإمام فأنصتوا فقال: حديث ابن عجلان الذي يرويه أبو خالد والحديث الذي رواه جرير عن التيمي وقد زعموا أن المعتمر رواه قلت: نعم قد رواه المعتمر قال: فأي
_________________
(١) قلت: وكلام مسلم يدل على ذلك، فإنه لم يقل أنّ سليمان انفرد به.
(٢) قال ابن حجر في التقريب (٤٩٥٢): " صدوق له أوهام "،وقال صاحبا التحرير ٣/ ٧٦: صدوق حسن الحديث. قلت: وأخرج له مسلم من روايته عن قتادة في الصحيح، وانظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٦٢.
(٣) قال ابن حجر في التقريب (٢١٨٥): " صدوق له أوهام "،وقال صاحبا التحرير ٢/ ٨: " صدوق حسن الحديث".
[ ٣٠٢ ]
شيء تريد فقد صحح أحمد الحديثين جميعًا عن النبي - ﷺ - حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى " (١).
قال النووي:" واعلم أن هذه الزيادة وهي قوله وإذا قرأ فأنصتوا مما اختلف الحفاظ في صحته، فروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي داود السجستاني أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة (٢)، وكذلك رواه عن يحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي، والدارقطني، والحافظ أبي علي
النيسابوري، شيخ الحاكم أبي عبد الله، قال البيهقي قال أبو علي الحافظ: هذه اللفظة غير محفوظة، قد خالف سليمان التيمي فيها جميع أصحاب قتادة (٣). واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم لا سيما ولم يروها مسندة في صحيحه، والله أعلم" (٤).
أقول: هذه ليست زيادة ثقة، إذ لم يتفرد بها سليمان التيمي، فقد تقدم أنه تابعه عليها اثنان، وسواء كانت صحيحة أم لم تكن فليس هذا من ضمن موضوعنا، وقد صححها الإمام أحمد وناهيك به.
٥ - أخرج مسلم ٤/ ١٧٥٨ (٢٢٣٨) فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد ابن حميد، قالا: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه عن النبي - ﷺ -: أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا.
قلت: دار الحديث على الزهري.
رواه عنه (معمر بن راشد) موصولًا: أخرجه عبد الرزاق ٣/ ٢٩٥ (١٠٨٦) و٤/ ٤٤٥ (٨٣٩١)،وعبد بن حميد١/ ٧٧ (١٤١)،وأحمد ١/ ١٧٦، ومسلم ٤/ ١٧٥٨ (٢٢٣٨) وأبو داود (٥٢٦٢)،وابن حبان ١٢/ ٤٥٢ (٥٦٣٥)،والبيهقي٥/ ٢١١.
وقال الدارقطني:"خالفه -يعني معمرًا -: يونس ومالك وعقيل " (٥)، فرووه عن الزهري مرسلًا.
قلت: ولم أقف على من أخرج تلك الروايات المرسلة، إلا ما جاء في النكت
_________________
(١) التمهيد ١١/ ٣٤.
(٢) سنن البيهقي ٢/ ١٥٦.
(٣) سنن البيهقي ٢/ ١٥٦.
(٤) شرح مسلم ٤/ ١٢٣، وانظر سنن البيهقي ٢/ ١٥٥،وعون المعبود العظيم آبادي ٣/ ١٨٢.
(٥) علل الدارقطني ٤/ ٣٤٠ (٦١٣)، والتتبع ص٢٧٤، وبين الإمامين ص٥٣٣.
[ ٣٠٣ ]
الظراف، إذ قال ابن حجر:" قلت: رواه ابن وهب عن يونس عن الزهري، فقال: أراه عن عامر بن سعد عن أبيه " (١) وهذه الرواية لما شك الزهري في رفعها فقال " أراه .. "، تعتبر منقطعة، فلعلها هي من رواية يونس التي أعلها الدارقطني لمخالفتها رواية معمر، وأما رواية مالك وعقيل فإن كانتا كما قال الدارقطني، وصح إسنادهما فلا مناص من القول بترجيح انقطاع الإسناد على وصله، لأن رواة الانقطاع حينئذ أكثر عددًا، وفيهم الإمام مالك، فهم أولى بالحفظ، وأبعد عن الوهم (٢).
وذكر الدارقطني طريقين متابعين لطريق معمر:
الأول: من طريق خالد بن عبد الله الواسطي (٣) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عامر بن سعد.
وأبو يعلى في مسنده ٢/ ١٤٤ (٨٣٢) من طريق وهب بن بقية عنه ورجال الإسناد ثقات خلا عبد الرحمن بن إسحاق المدني فإنه صدوق (٤).
الثاني: من طريق الباغندي عن عثمان بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن مالك عن الزهري به. ولم أقف على من أخرجه، وإسناده ضعيف لضعف خالد بن مخلد القطواني (٥)، وفي الباغندي (٦) كلام أيضًا.
قلت: وإعلال الدارقطني له وجيه إذا ثبت المرسل من الوجوه التي ذكرها.
ورغم ذلك فإنه ليس من قبيل الزيادة لمتابعة عبد الرحمن بن إسحاق لمعمر، وهذا ما يدفع أن يُورَد على مسلم إخراجه، وكذا فإنه إنما أخرجه في المتابعات فلا مؤاخذة عليه بهذا الاعتبار، والله أعلم.
٦ - أخرج مسلم ٣/ ١٥٦٠ (١٩٦٩) فقال: حدثني عبد الجبار بن العلاء، قال:
_________________
(١) النكت الظراف ٣/ ٢٩٩.
(٢) انظر بين الإمامين، المدخلي ص ٥٣٤.
(٣) ثقة ثبت انظر التقريب (١٦٤٧)، والتحرير ١/ ٣٤٦.
(٤) التقريب (٣٨٠٠)، وانظر التحرير ٢/ ٣٠٦.
(٥) التقريب (١٦٧٧) وقال عنه (صدوق يتشيع وله أفراد)، واستدرك عليه صاحبا التحرير ١/ ٣٥٢ فقالا: "ضعيف يعتبر به "، وهو الصواب.
(٦) انظر الكامل ٦/ ٣٠٠ (١٧٨٨) وميزان الإعتدال ٦/ ٣٢٢ (٨١٣٦)، والمغني في الضعفاء٢/ ٦٢٩.
[ ٣٠٤ ]
حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب فبدأ بالصلاة قبل الخطبة وقال: " إن رسول الله - ﷺ - نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث ".
وقال الدارقطني في التتبع: " وهذا مما وهم فيه عبد الجبار لأن الحميدي، وعلي ابن المديني والقعنبي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبا بكر بن أبي شيبة، وأبا خيثمة، وابن أبي عمر، وقتيبة، وأبا عبد الله، وغيرهم وقفوه عن ابن عيينة. واحتمل أن يكون خفي على مسلم أن ابن عيينة يرويه موقوفًا، لأنه لعله لم يقع عنده إلا من رواية عبد الجبار، ولأن الحديث رفعه صحيح عن الزهري، رفعه صالح ومعمر ويونس وابن أخي الزهري ومالك من رواية جرير والزبيدي عن الزهري. وأما البخاري فأخرجه من حديث يونس وحده، ولم يعرض لحديث ابن عيينة " (١).
أقول دار الحديث على سفيان بن عيينة رواه عنه عبد الجبار بن العلاء مرفوعًا، أخرجه مسلم ٣/ ١٥٦ (١٩٦٩)، والبيهقي ٩/ ٢٩٠.
وأما الموقوف فلم أقف على من رواه عن سفيان بن عيينة موقوفًا خلا الشافعي في المسند ١/ ٢٣٦،والبيهقي من طريق الشافعي ٩/ ٢٩٠، وقد أعله الدارقطني وعده وهمًا من عبد الجبار بن العلاء.
قلت: ولم أقف على من أخرجه من الطرق التي ذكرها الدارقطني (أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق ) (٢).
قال الجارودي في العلل:"ورفع هذا الحديث عندي غير محفوظ في حديث ابن عيينة أخبرنا بشر بن موسى عن الحميدي قال: قلت لسفيان: أنتم ترفعون هذه الكلمة عن علي؟ فقال سفيان: لا أحفظها مرفوعة وهي منسوخة " (٣).
أقول: إذا ثبتت رواية الجماعة كما نص الدارقطني فإن الرفع وهم لا محالة كما قال الدارقطني والقاضي عياض والنووي﵏- قال النووي: " قال القاضي لهذا الحديث من رواية سفيان عند أهل الحديث علة فى رفعه لأن الحفاظ من أصحاب سفيان
_________________
(١) التتبع ص٤٢٢، وانظر بين الإمامين ص ٤٦١.
(٢) وكذا المدخلي قال ص٤٦٢: «فلم أجدها بعد البحث عنها».
(٣) علل الجارودي ص٩٤ - ٩٥.
[ ٣٠٥ ]
لم يرفعوه ولهذا لم يروه البخاري من رواية سفيان ورواه من غير طريقة قال الدارقطني هذا مما وهم فيه عبد الحبار بن العلاء هذا كلام الدارقطني، والمتن صحيح بكل حال، والله أعلم " (١).
أقول: لما ثبت نقل الجاوردي عن سفيان القول بنفي الطريق المرفوع، يكون الرفع وهمًا من عبد الجبار، وعذر مسلم لعله وهم فيه لكون جميع طرق الحديث الأخرى مرفوعة.
فالحديث صحيح عن علي - ﵁ - من غير طريق سفيان وصحيح من طريق سفيان عن عمر وعثمان ﵄، وكل ثقة يخطئ الشيء بعد الشيء، وإلا لما انتقده جمهور العلماء على ذلك.
٧ - أخرج مسلم ٤/ ٢١٠٩ (٢٧٥٣) فقال: حدثنا بن نمير قال: حدثنا أبو معاوية عن داود بن أبي هند عن أبي عثمان عن سلمان قال: قال رسول الله - ﷺ -:" إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة ".
قلتُ: دار الحديث على داود بن أبي هند رواه عنه أبو معاوية الضرير، أخرجه مسلم ٤/ ٢١٠٩ (٢٧٥٣) وابن حبان ١٤/ ١٤ (٦١٤٦).
وخالف أبا معاوية عبد الرحيم بن سليمان فرواه عن داود موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٦٠ (٣٤٢٠٦).
وقد أعل الدارقطني طريق أبي معاوية عند مسلم لكونه خالف غيره عن داود بن أبي هند فرفعه هو ووقفه غيره.
وسكت النووي ﵀ عن إعلال الدارقطني للحديث. (٢)
ولم أقف على من رواه عن داود موقوفًا خلا طريق ابن أبي شيبة الذي ذكرناه.
قال المدخلي: " ولم أجد من الروايات الموقوفة التي أشار إليها الدارقطني إلاّ رواية واحدة وهي: ما رواه ابن أبي شيبة والذي يغلب على الظن أنه لا يوجد غير هذه
_________________
(١) شرح مسلم ١٣/ ١٢٨.
(٢) انظر شرح مسلم ١٧/ ٦٨.
[ ٣٠٦ ]
الرواية وعبارة الدارقطني تحتمل ذلك فإنه قال: وغيره يوقفه، فان كان الواقع كذلك فإن أبا معاوية وعبد الرحيم ثقتان وليس بينهما كبير تفاوت وقد تكلم في كل منهما فقيل في أبي معاوية أنه مضطرب الحديث (١) في غير الأعمش، وقيل في عبد الرحيم ثقة صدوق ليس بحجة (٢)، وليس لدي الآن للوقف أي مرجح بل المرجحات متوفرة لجانب الرفع .. " (٣).
قلت: وقد فات الشيخ مرجح كبير، وهو طريق متابع لأبي معاوية، فقد أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح، فقال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مسدد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا داود بن أبي هند، قال: حدثنا
أبو عثمان النهدي عن سلمان أن رسول الله - ﷺ - قال: .. "الحديث (٤)، وهو متابعة تامة لأبي معاوية تزيل عنه شبهة التفرد أو المخالفة في هذا الحديث، ولو ثبتت الطرق التي ذكرها الدارقطني فإنه لا يكون من قبيل الزيادة بل هو من قبيل المختلف فيه.
وقد توبع داود بن أبي هند في رفعه: تابعه سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة عابد (٥):أخرجه مسلم ٤/ ٢١٠٩ (٢٧٥٣)، وأحمد ٥/ ٤٣٩،والطبراني في الكبير ٦/ ٢٥٠ (٦١٢٦) و٦/ ٢٥٥ (٦١٤٤)،والبزار في المسند ٦/ ١٤٧٦ (٢٥٠٧)،والمحاملي في الأمالي ١/ ١١٤ (٧٤).
وجاء من طرق أخرى عن التيمي موقوفًا: أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٣٦) وفي (١٠٨٧).
وجاء من طريق سعيد الجريري عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا، أخرجه ابن المبارك في الزهد ١/ ٣٦٦ (١٠٣٦).
ومن طريق عاصم عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا: أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤١٨ (٢٨٧١).
_________________
(١) التقريب (٥٨٤١) والتحرير ٣/ ٢٣٤.
(٢) قلت: وهذا خطأ بين فعبد الرحيم بن سليمان هو الكناني، ثقة له تصانيف التقريب (٤٠٥٦) والتحرير ٢/ ٣٥٩.
(٣) بين الإمامين ص ٥٨٦.
(٤) المستدرك ٤/ ١٧٦
(٥) التقريب (٢٥٧٥).
[ ٣٠٧ ]
أقول: وقد أعله أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤١٨ (٢٨٧١) بالوقف وكذا الدارقطني في التتبع ص ٣٠١ وتابعه على الإعلال الوادعي في تعليقه عليه، وأما المدخلي فقد رجح المرفوع كما مر.
قلت: وإعلال الأئمة للحديث بشكل عام وليس لطريق أبي معاوية. قال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال:"قرأت على أبي بن أبي عدي عن داود عن أبي عثمان عن سلمان لله مائة رحمة وسعت كل رحمة ما بين السماء والأرض سمعت أبي يقول: حدثنا به معاذ عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان لم يرفعه معاذ ورفعه يحيى، قال أبو عبد الرحمن: ورفعه لقوم بعد أبي حدثني أبي قال: حدثناه يحيى عن التيمي وعفان عن معتمر أيضًا مرفوع، وقال عباد بن عباد عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال: قرأت في التوراة " (١).
فالحديث لا يصلح لأن يكون مثالًا لقبول الزيادة وإنما هو من مختلف الحديث، والله أعلم.
وقد حملوا النقاد من المتقدمين على الحديث لأنهم يشترطون فيه فيما له حكم المرفوع أن لا يكون قد أخذه من أهل الكتاب، ولا تُعل الرواية هنا من هذا الوجه، لأن الحديث صح عن أبي هريرة وغيره، وعذر الإمام مسلم في إخراجه: كونه أورده في المتابعات.
٨ - أخرج الإمام مسلم ١/ ١٦٣ (١٨١) قال: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي - ﷺ - قال:" إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿ ". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد وزاد: ثم تلا هذه الآية: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ".
قلت: دار الحديث على ثابت البناني، رواه عنه حماد بن سلمة برفع زيادة"ثم تلا هذه الآية (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ..) ".أخرجه والطيالسي ص١٨٦ (٣١٥)،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤١٨ (٢٨٧١).
[ ٣٠٨ ]
وأحمد ٤/ ٣٣٢ وفي ٤/ ٣٣٣ و٦/ ١٥،ومسلم ١/ ١٦٣ (١٨١)،والترمذي (٢٥٥٢) وفي (٣١٠٥)، والنسائي في الكبرى ٤/ ٤٢٠ (٧٧٦٦)، وابن ماجة (١٨٧)، وابن مندة في الإيمان ٢/ ٧٧٣ (٧٨٤) و٢/ ٧٧٤ (٧٨٥) و(٧٨٦)،وأبو عوانة ١/ ١٣٦ (٤١١)،والطبراني في الكبير٨/ ٤٠ (٧٣١٥)،وابن حبان ١٦/ ٤٧١ (٧٤٤١)،والبزار٦/ ١٣ (٢٠٨٧). (١)
ورواها جماعة عن ثابت عن ابن أبي ليلى - موقوفة - وهم:
- حماد بن زيد عن ثابت: أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ٢/ ٤٩٧ (١١٤٤)، وابن خزيمة في التوحيد ص١٨١، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة ٣/ ٤٦١ (٧٩٢).
- وسليمان بن مغيرة: أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٨٢.
- ومعمر بن راشد: أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص١٨٢،والطبري في التفسير ١١/ ١٠٦.
- وحماد بن واقد: ذكره المزي في التحفة ٤/ ١٥٩٨ (٤٩٦٨) نقلًا عن أبي مسعود الدمشقي (٢)،لم أقف على من أخرجه.
وقال الترمذي عقب الحديث:"هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه، وروى حماد بن زيد وسليمان بن مغيرة هذا الحديث عن ثابت البناني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قوله " (٣).
وقال أبو مسعود الدمشقي:"رواه حماد بن زيد وسليمان بن المغيرة وحماد بن واقد، عن ثابت البناني، عن ابن أبي ليلى قوله، ليس فيه صهيب عن النبي - ﷺ - ". (٤)
ورد النووي فقال: " وهذا الذي قاله هؤلاء ليس بقادح في صحة الحديث فقد قدمنا في الفصول أن المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلًا وبعضهم مرسلًا أو بعضهم مرفوعًا وبعضهم موقوفًا حكم بالمتصل
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٧/ ٥٢٥ (٥٤٢٢).
(٢) شرح مسلم ٣/ ١٧.
(٣) جامع الترمذي (٢٥٥٢).
(٤) شرح مسلم ٣/ ١٧.
[ ٣٠٩ ]
وبالمرفوع لأنهما زيادة ثقة وهى مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف والله أعلم " (١).
ورجح المدخلي المرفوع، لكون حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت فقال: " إن من خالف حماد بن سلمة وإن كانوا أكثر فقد اعترى كثرتهم ما يضعفها وذلك:
أ - لأن حماد بن زيد وإن كان ثقة إلا أنه معروف بقصر الأسانيد وبوقف المرفوع كثير الشك بتوخيه لم يكن له كتاب يرجع إليه فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه.
ب - ولأن حماد بن واقد أحد هذه الكثرة ضعيف.
ج - وفي إسناد سليمان بن المغيرة محمد بن معمر ليس بالحافظ وإن كان قد وجد له متابع لكن في الطريق إليه من لم أعرفه كما يأتي قريبًا ولم أقف له على ترجمة بعد البحث الطويل.
د - أنه يستحيل أن يقال مثله من قبل الرأي " (٢).
قلت: أما كون حماد يتوقى الحديث ويتهيب رفعه فهذا لا يعني أنه لو وقع عنده مرفوعًا لا يرفعه، لأن وقفه مع رجحان وصله أو ثبوته عنده لا يقل إثمًا عن ذلك، ولو سلمنا للقول بأنه يتهيب الرفع، فكيف بآلاف الأحاديث المرفوعة منه؟.
وأما عن الكلام في حماد فلو قارنا بين الحمادين، لرأيت البون بينهما شاسعًا، فحماد بن زيد أوثق، وأحفظ، وأضبط، من ابن سلمة، وابن سلمة قد تغير بآخرة.
أما عن طريق ابن واقد، وسليمان بن المغيرة فإنهما توبعا، تابعهما معمر بن راشد كما مر، وأما عن إخراج الإمام مسلم لهذا الحديث فإن النووي وغيره لم يتنبهوا جيدًا إلى نكتة إيراد مسلم له، فقد ساق مسلم الحديث في باب إثبات رؤية الباري ﷿ في الآخرة، فذكر في أول الباب حديث أبي موسى الأشعري ١/ ١٦٣ (١٨٠)، وهو الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري (٤٨٧٨)،و(٤٨٧٩) و(٧٤٤٤)، وصححه الترمذي (٢٥٢٨)، ثم أتبعه بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، المرفوع من طريق حماد بن سلمة، فهذه متابعة حسب. ولعله ارتضاها على ضعف الرفع فيها لأن مثلها لا يقال فيها بالرأي، فالحكم فيها حكم المرفوع، وإن كان الصواب فيها الوقف، وقد رجح الموقوف أستاذنا الدكتور بشار عواد في تعليقه على الترمذي (٣).
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) بين الإمامين ص٣٦.
(٣) جامع الترمذي (٢٥٥٢)، وانظر سنن ابن ماجة بتحقيقه (١٨٧).
[ ٣١٠ ]
٩ - أخرج الإمام مسلم ٣/ ١٣٠٦ (١٦٧٩) فقال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا عبد الله بن عوف، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: لما كان ذلك اليوم قعد على بعيره وأخذ إنسان بخطامه فقال:" أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟، حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: أليس بيوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: فأي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: أليس بالبلدة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب. قال: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزيعة من الغنم فقسمها بيننا".
أقول: روى مسلم الحديث أولًا من طريق ابن سيرين، ورواه عنه عبد الله بن عون عنه فزاد زيادة في آخره: " ثم انكفأ "، خالف بها بقية الرواة.
أخرجه بالزيادة أحمد ٥/ ٣٧،ومسلم ٣/ ١٣٠٦ (١٦٧٩)، والنسائي ٧/ ٢٢٠،وفي الكبرى ٢/ ٤٤٢ (٤٠٩٢) و٣/ ٤٣٢ (٥٨٥١)، وابن حبان ٩/ ١٥٨ (٣٨٤٨) و١٣/ ٣١٢ (٥٩٧٣) من طرق عن ابن عون به (١).
وأخرجه أحمد ٥/ ٣٧، والبخاري (٦٧)، والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٤٢ (٤٠٩٢) وفي ٣/ ٤٣٢ (٥٨٥١)، وابن حبان ٩/ ١٥٨ (٣٨٤٨) من طريق ابن عون نفسه دون ذكر الزيادة (٢).
ورواه أيوب عن ابن سيرين دونها أخرجه:
أحمد ٥/ ٤٧ والدارمي ٢/ ٩٣ (١٩١٦)،والبخاري (١٠٥) و(٤١٤٤) و(٥٢٣٠) و(٧٠٠٩)، ومسلم ٣/ ١٣٠٥ (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٨) وابن حبان ١٣/ ٣١٣ (٥٩٧٤)، و(٥٩٧٥)،والبيهقي ٥/ ١٦٥.
ورواه (قرة بن خالد) عن ابن سيرين دونها:
أخرجه أحمد ٥/ ٣٩،والبخاري (١٦٥٤) و(١٦٦٧)، ومسلم ٣/ ١٣٠٧
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٥/ ٥٦٤ (١١٩٣٨).
(٢) انظر المسند الجامع ١٥/ ٥٦٤ (١١٩٣٨).
[ ٣١١ ]
(١٦٧٩)،والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٤٢ (٤٠٩٣) و٣/ ٤٣٢ (٥٨٥٠)، وابن ماجة (٢٣٣)، والبزار ٩/ ٨٦ (٣٦١٧) وابن الجارود في المنتقى١/ ٢١٢ (٨٣٣)،
من طرق عن قرة به (١).
وأخرجه أحمد ٥/ ٤٠ مرسلًا (اسقط ابن أبي بكرة) من طريق أشعث عنه به.
وأخرجه أبو داود (١٩٤٧) والنسائي ٧/ ١٢٧ - كذلك مرسلًا-من طريق أيوب عنه به (٢).
أقول: لقد أعل الدارقطني الزيادة وعدها مخالفة لأن الرواة الأكثر رووه عن ابن سيرين دونها واستدل لكون البخاري أورد الحديث من الطريق نفسه دونها، فقال: " وأخرج مسلم من أحاديث يزيد بن زريع، وحماد بن مسعدة عن ابن عون، عن محمد، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه في خطبة يوم النحر وفي آخره: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا. وهذا الكلام وهم من ابن عون فيما يقال، وإنما رواه ابن سيرين، عن أنس، قاله أيوب عنه. وقد أخرج البخاري حديث ابن عون فلم يخرج هذا الكلام فيه، فقطعه، ولعله صح عنده أنه وهم، والله أعلم، ومسلم أتى به إلى آخره " (٣).
ونقل النووي كلام الدارقطني ووافقه فقال: " قال القاضي: وقد روى البخاري هذا الحديث عن ابن عون فلم يذكر فيه هذا الكلام، فلعله تركه عمدًا وقد رواه أيوب عن قرة، عن
ابن سيرين في كتاب مسلم في هذا الباب، ولم يذكروا فيه هذه الزيادة، قال القاضي: والأشبه أن هذه الزيادة إنما هي في حديث آخر في خطبة عيد الأضحى، فوهم فيها الراوي فذكرها مضمومة إلى خطبة الحجة، أو هما حديثان، ضم أحدهما إلى الآخر، وقد ذكر مسلم هذا بعد هذا في كتاب الضحايا من حديث أيوب وهشام عن ابن سيرين عن أنس أن النبي - ﷺ - صلى ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد، ثم قال في آخر الحديث: فانكفأ رسول الله - ﷺ - إلى كبشين أملحين فذبحهما فقام الناس إلى غنيمة فتوزعوها (٤).فهذا هو
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) مصدر سابق.
(٣) التتبع ص٣١٩، وانظر العلل ٧/ ١٥١ (١٢٦٥).
(٤) صحيح مسلم ٣/ ١٥٥٤ (١٩٦٢).
[ ٣١٢ ]
الصحيح وهو دافع للإشكال". (١) ووافقهم الوادعي (٢) والمدخلي (٣).
أقول: يتبين مما تقدم أن يزيد بن زريع، وحماد بن مسعدة وهما ثقتان قد رويا الحديث عن ابن عون بالزيادة، ورواها البخاري (٦٧) من طريق بشر بن المفضل، والنسائي في الكبرى (٥٨٥١) من طريق النضر بن شميل، وهما ثقتان عن ابن عون بغير هذه الزيادة، فتحصل من ذلك أنّ ابن عون اضطرب في رواية هذا الحديث، فرواه على الوجه الموافق لرواية الثقات الآخرين، من غير الزيادة، ثم رواه بهذه الزيادة، غلطًا منه، إذ إنه أدخل حديثًا في حديث، كما ذكر الإمامان عياض، والنووي، ومن ثم فإن إخراج مسلم لهذا إنما كان في المتابعات، ولعله ساق هذه الزيادة ليبين علتها.
١٠ - أخرج مسلم ١/ ٣٩٦ (٥٦٧) فقال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا هشام حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله - ﷺ - وذكر أبا بكر قال: " إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف! وإنَّ الله لم يكن ليضيع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه - ﷺ - فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله - ﷺ - في شيء ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري فقال: يا عمر ألا
تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن، ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم - ﷺ - ويقسموا فيهم فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله - ﷺ - إذا وجد ريحهما من الرجل في
_________________
(١) شرح مسلم ١١/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) التتبع ص ٣٢٠.
(٣) بين الإمامين ص٤٢٢.
[ ٣١٣ ]
المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخًا ".
قلت: دار الحديث على سالم رواه عنه قتادة السدوسي موصولًا أخرجه:
الحميدي١/ ٧ (١٠)،و١/ ١٧ (٢٩)،والطيالسي١/ ١١ (٥٣)، وأحمد ١/ ١٥ و١/ ٢٦ و١/ ٢٧ و١/ ٤٨، ومسلم ١/ ٣٩٦ (٥٦٧) و٣/ ٢٣٦ (٦١٧)،وأبو عوانة ١/ ٣٤٠ (١٢١٧) و٣/ ٤٣٩ (٥٦٠٩)، والنسائي ٢/ ٤٣، وفي الكبرى ١/ ٢٥٠ (٧٨٧)، وابن ماجة (٣٣٦٣) و(١٠١٤) و(٢٧٢٦)،وابن أبي شيبة ٥/ ١٣٧ (٢٤٤٨٨)، وأبو يعلى ١/ ١٦٥ (١٨٤) و١/ ٢١٩ (٢٥٦)، وابن حبان ٥/ ٤٤ (٢٠٩١)، والبزار ١/ ٤٤٤، والحاكم ٣/ ٩٧، والبيهقي ٨/ ١٥٠ و٣/ ٧٨، من طرق عن سالم به (١).
ورواه (حصين بن عبد الرحمن السلمي) منقطعًا فأسقط معدان:
أخرجه الحميدي ١/ ٨ (١١)،والنسائي في الكبرى ٤/ ١٥٩ (٦٦٨٣) (٢).
ورواه (منصور عن سالم) مرسلًا أيضا: أخرجه النسائي في الكبرى ٤/ ١٥٩
(٦٦٨٤) (٣)، وهذا يعني أن قتادة يرويه على خلافهما فوصله وأرسلاه.
وقد أعلّه الدارقطني فقال: " هو حديث يرويه قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر حدث به عن قتادة هشام بن أبي عبد الله، وشعبة بن الحجاج، وسعيد بن أبي عروبة، والحجاج بن الحجاج، وهمام بن يحيى، فرووه عن قتادة بهذا الإسناد بطوله، ورواه ابن عيينة عن يحيى بن صبيح الخراساني وتابعه عبد الله ابن بشر ومطر الوراق وإسحاق بن أبي فروة رووه عن قتادة عن سالم عن معدان عن عمر مختصرًا ورواه حماد بن سلمة عن قتادة عن سالم عن عمر مرسلًا عن النبي - ﷺ - مختصرًا في قصة الثوم والبصل دون غيره ولم يذكر في الإسناد معدان
،ورواه حصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجعد عن عمر مرسلًا أيضًا لم يذكر فيه معدان قال ذلك أبو الأحوص ومحمد بن فضيل وسفيان بن عيينة وجرير عن حصين وقال شعبة: عن حصين عن سالم عن رجل من أهل الشام عن عمر. ولم يرفع الحديث، وروى عن عباد بن العوام عن
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٣/ ٣٦ (١٠٦٢٨).
(٢) مصدر سابق.
(٣) مصدر سابق.
[ ٣١٤ ]
حصين عن سالم بن أبي الجعد عن معدان عن عمر. وما أحسبه حفظ أنَّ حصينًا لا يذكر معدان وكذلك رواه المنصور بن المعتمر وأبو عون الثقفي وعمرو بن مرة رووه عن سالم عن عمر مرسلًا لم يذكروا فيه معدان، قاله جرير عن منصور وقاله عبد الغفار بن القاسم وحفص بن عمران عن عمرو بن مرة، والصحيح قول شعبة وهشام وابن أبي عروبة ومن تابعهم عن قتادة والله أعلم (١). ورواه مغيرة بن مسلم عن مطر عن شهر فقال عن أبي طلحة اليعمري عن عمر وخالفه داود بن الزبرقان عن مطر فقال: عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد وهو المحفوظ وأتى داود بحديث الكلالة دون غيره " (٢).
قلت: ولم أقف على من رواه مرسلًا ممن ذكر خلا الطريقين الذين ذكرتهما (حصين ومنصور).
لذا فقد أختلف فيه على النحو الآتي (٣):
قتادة عن سالم عن معدان عن عمر - موصولًا -.
حصين عن سالم عن معدان عن عمر - موصولًا -.
حصين عن سالم عن عمر - منقطعًا -.
منصور عن سالم عن عمر - مرسلًا (منقطعًا) -.
وهكذا يكون طريق قتادة الموصول أثبت- كما أخرجه مسلم ونص عليه الدارقطني - وطريق منصور مرسلًا أثبت، وأما طريق حصين فإنه اختلف فيه بين الوصل
_________________
(١) ظن المدخلي - بين الإمامين ص ١٦١ -، وكذا الوادعي - التتبع ص ٥٥٦ -، أن الدارقطني رجح المتصل على المرسل اعتمادًا على هذا التصحيح، والصواب أنه إنما رجح الرفع من طريق قتادة فحسب،،وليس أصل الحديث. والدليل على هذا أنه أعله في التتبع. ولو سلمنا - جدلًا- بقوله: أنه صحح المتصل في العلل، وأعله في التتبع فنجيب: ولعله رجح المتصل في العلل كون الحديث عن حصين اضطرب، فرواه عنه عباد بن العوام متصلًا كما ذكره الدارقطني ٢/ ٢١٩ وقال عقبه «وما أحسبه حفظ لأن حصينًا لا يذكر معدان».ورواه عنه (سفيان، وأبو الأحوص) مرسلًا، فاصبح لحديث قتادة متابع. وهذا لا يسلم للدارقطني لأن عبادًا ليس أحفظ من سفيان وحده فكيف وقد توبع سفيان؟، ولا ندري أي الرأيين كان المتأخر فيكون ناسخًا والأول منسوخًا؟ أوقد يكون صح عنده كلا الطريقين لأنه من المختلف كما سيأتي.
(٢) علل الدارقطني ٢/ ٢١٨ (٢١٣).
(٣) المسند الجامع ١٤/ ٣٤ (١٠٦٢٨).
[ ٣١٥ ]
والإرسال، والحديث
إذا اختلف عليه بين وصل وإرسال يخرج من الموازنة، لاحتمالية الوجهين، وهكذا تكون الموازنة بين طريقي قتادة ومنصور فقط، ويكون الحديث من المختلف، وهذا عذر الإمام مسلم في إخراجه في الصحيح، وليس على قاعدة قبول الزيادة من الثقة، على مفهوم المتأخرين لها، ناهيك عن كونه أخرجه في المتابعات.
والذي يبدو لي: أن الحديث ثبت عن سالم بالوجهين مرسلًا ومتصلًا وإنما العلة كانت في سالم، فإنه كان يرسله تارة، ويوصله تارة، ويوقفه تارة، ويرفعه تارة،، قال الذهبي في الميزان:"يدلس، ويرسل " (١)، وقال في السير:" صاحب تدليس" (٢). وقال الحافظ في التقريب: " ثقة يرسل كثيرًا " (٣)،والله أعلم.
وقد رجح المرسل الإمام الدارقطني (٤)، والمدخلي (٥)، ورجح المتصل النووي وعده زيادة ثقة (٦)، وشنع على الدارقطني إعلاله للحديث، ظنًا منه أنه أعله لتدليس قتادة فقط؟، وذكر كلامًا مفيدًا حول منهجية الشيخين في انتقاء أصح أحاديث المدلسين وفاته أن الدارقطني ما أعله بذاك حسب، وإنما أعله للاختلاف عليه بين وصل وإرسال، كما بيناه.
١١ - أخرج مسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨) فقال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: أن رجلًا نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة:" إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه فإن لم تر نضحت حوله ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركا فيصلي فيه ".
قلت: دار الحديث على زياد بن كليب (أبي معشر) رواه عنه خالد بن مهران فزاد مع الأسود علقمة، قرنهما، أخرجه مسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨)، وابن خزيمة ١/ ١٤٥ (٢٨٨)، وابن حبان ٤/ ٢١٧ (١٣٧٩)، والبيهقي (٢/ ٤١٦)،والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٥٠،من طرق عن خالد بن عبد الله الطحان عن خالد بن مهران عن أبي
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٢/ ١٠٩ (٣٠٤٥).
(٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ١٠٨ (٤٤)،وانظر تحرير التقريب ٢/ ٥.
(٣) التقريب (٢١٧٠)، وانظر التحرير ٢/ ٥.
(٤) التتبع ص٥٥٦،وانظر بين الإمامين ص١٦١.
(٥) بين الإمامين ص ١٦٦.
(٦) شرح مسلم ٥/ ٥٢، وتبعه الوادعي التتبع ص ٤٠١.
[ ٣١٦ ]
معشر به (١).
ورواه (سعيد بن أبي عروبة وهشام بن حسان) عن أبي معشر عن الأسود وحده:-
أخرجه أحمد ٦/ ٢٣٩،ومسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨)،والنسائي ١/ ١٥٦، والجارود ١/ ٤٤ (١٣٦)، وابن حبان ٤/ ٢١٩ (١٣٨٠) من طريق هشام بن حسان عنه به (٢).
وأخرجه أحمد ٦/ ٣٥ و٦/ ٩٧، ومسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨) وأبو يعلى ٨/ ٢٥٥ (٤٨٥٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه به (٣).
أقول: أعلّ الإمام أحمد طريق خالد هذا وعد زيادة (علقمة) علّة في الحديث (٤)،والدارقطني، وقال: بعد أن ذكر الاختلاف في الحديث: " وقول خالد عن خالد: (علقمة) غير محفوظ ". (٥)
وهو كما قال الأئمة في عد الزيادة غير محفوظة وقد اختلف في إسناد هذا الحديث إضافة إلى ما مر على النحو الآتي:
أخرجه مسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨)، والبيهقي ٢/ ٢١٧ من طريق واصل الأحدب عن إبراهيم عن الأسود (وحده) به.
وأخرجه الشافعي ١/ ٣٤٥، واحمد ٦/ ٢١٣، وأبو داود (٣٧٢)، والجارود ١/ ٤٤ (١٣٧)،والبيهقي ٢/ ٤١٦، من طريق حماد بن سليمان عن إبراهيم عن الأسود (وحده) به.
وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٨٣ (٩١٧)،ومسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨)، وابن ماجة (٥٣٩)،وأبو عوانة ١/ ١٧٥ (٣٥٠) من طريق إبراهيم عن الأسود (وحده) به.
وأخرجه مسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨) من طريق منصور ومغيرة بن مقسم عن إبراهيم عن الأسود (وحده) به.
وأخرجه مسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨) وابن ماجة (٥٣٩) من طريق مغيرة بن مقسم عن إبراهيم به.
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٠٠ (١٦٠٧٦).
(٢) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٠٠ (١٦٠٧٦).
(٣) مصدر سابق.
(٤) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤٢٧ (٢٨٨٧).
(٥) التتبع ص٥٦٠، وانظر بين الإمامين ص٩٢.
[ ٣١٧ ]
وجاء الحديث مرة عن إبراهيم عن همام (وحده) عن عائشة:
أخرجه: الحميدي ١/ ٩٧ (١٨٦)، والطيالسي ص١٩٩ (١٤٠١)، وعبد الرزاق ١/ ٣٦٨ (١٤٣٩)،وابن أبي شيبة ١/ ٨٣ (٩٢٠)، وأحمد ٦/ ٤٣، و٦/ ١٢٥ و٦/ ١٣٥،
والترمذي (١١٦) وقال حسن صحيح، والنسائي ١/ ١٥٦، وابن ماجة (٥٣٧) و(٥٣٨)،وأبو عوانة ١/ ١٧٥ (٥٣١)، والبيهقي ٢/ ٤١٧. من طرقٍ عن الأعمش عن إبراهيم به (١).
وأخرجه أحمد ٦/ ١٣٥، ومسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨)، وأبو عوانة ١/ ١٧٥ (٥٣١) وابن خزيمة (٢٨٨) من طرق عن منصور عن إبراهيم به (٢)
وأخرجه أحمد ٦/ ١٢٥،والنسائي١/ ١٥٦ من طريق الحكم بن عتيبة عن إبراهيم به. (٣)
وأخرجه مسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨) من طريق الأعمش عن إبراهيم عن (الأسود وهمام) كلاهما عن عائشة به. (٤)
إذن: وباختصار فقد اختلف فيه على النحو الآتي:
مرة عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة.
ومرة عن إبراهيم عن الأسود وهمام.
ومرة عن إبراهيم عن الأسود وحده.
ومرة عن إبراهيم عن همام وحده.
أقول: اختلف في ذكر همام والأسود مقترنين، ومفترقين فقد رواه جماعة على كل وجه من الوجوه، وهذا من قبيل مختلف الحديث فلعل إبراهيم كان يحدث به على هذه الوجوه، وهو احتمال وارد.
والرواة قد تابع بعضهم بعضًا في كل وجه ولم ينفرد أحد بوجه من الوجوه.
أما رواية خالد بن مهران فإنه لم يتابع عليها بل خالف جمهرة الرواة عن أبى معشر
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٠٢ (١٦٠٧٧).
(٢) مصدر سابق.
(٣) مصدر سابق.
(٤) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٠٤ (١٦٠٧٧).
[ ٣١٨ ]
فهي شاذة كما قاله نقاد الحديث.
ولعل تخريج الإمام مسلم لهذا الحديث هو أنه أراد أن ينبه على هذا الوهم، أما قول المدخلي في كتابه بين الإمامين: " ولعل ذلك مما غفل عنه مسلم أو فاته ". (١)
فأقول: ونسبة الوهم إلى مسلم وإن جازت شرعًا وعقلًا، إلا أنه ليس بالسهل أن نخطئهُ بهذه السرعة، وإنما أرى أنه نبه إلى خطأ الحديث إذ قال عقب حديث جماعة الرواة عن إبراهيم عن
همام: " كل هؤلاء عن إبراهيم عن همام عن عائشة في حت المني من ثوب رسول الله - ﷺ - نحو حديث خالد عن أبي معشر ".
مع العلم أنه أورد طريق هشام وابن أبي عروبة عن أبي معشر، ولو لم يكن طريق خالد عنده معلولًا لقال: نحو حديثهم أو حديثهما، أو لعله وقف على متابعات لرواية خالد هذه، والتي تجمعُ بين (علقمة والأسود) ولم نقف عليها، خاصة وقد اختلف على إبراهيم على الوجوه التي ذكرناها فانتقاها مسلم انتقاءًا والله أعلم.
١٢ - وأخرج في ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١) فقال: وحدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن زياد بن سعد عن عبد الله بن الفضل سمع نافع بن جبير يخبر عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها ".
وحدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بهذا الإسناد: وقال: الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها وربما قال وصمتها إقرارها".
قلت: دار الحديث على عبد الله بن الفضل بن ربيعة رواه عنه:-
- مالك: في الموطأ برواية الليثي (١٤٩٣)،ومن طريقه: الشافعي ١/ ١٧٢و ٢٢٠، وعبد الرزاق ٦/ ١٤٢ (١٠٢٨٢)، وأحمد ١/ ٢١٩ و٢٤١ و٣٤٥و ٣٦٢،والدارمي ٢/ ١٨٦ (٢١٨٨ و٢١٨٩)، ومسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١)،وأبو داود (٢٠٩٨)،والترمذي (١١٠٨)، والنسائي ٦/ ٨٤ وفي الكبرى ٣/ ٢٨٠ (٥٣٧١)،وابن ماجة (١٨٧٠)، وأبو عوانة ٣/ ٧٦ (٤٢٤٩ و٤٢٥٠)، وابن حبان ٩/ ٣٩٥ (٤٠٨٤) و٩/ ٣٩٧ (٤٠٨٧)،والطبراني في الكبير ١٠ / (١٠٧٤٥). والبيهقي ٧/ ١١٥.
- وسفيان الثوري: أخرجه عبد الرزاق ٦/ ١٤٢ (١٠٢٨٢).
_________________
(١) بين الإمامين ص ٩٧.
[ ٣١٩ ]
-وصالح بن كيسان: أخرجه أحمد ١/ ٣٦١، والنسائي ٦/ ٨٥.
كلهم عن عبد الله بن الفضل دون زيادة:" أبوها " (١).
ورواه سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد الخراساني - ثقة ثبت - (٢) عن عبد الله بن الفضل به وزاد فيه "أبوها "، أخرجه أحمد ١/ ٢٦١، ومسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١)، وأبو داود (٢٠٩٩)، وقال:"أبوها ليس بمحفوظ "، والبيهقي ٧/ ١١٥، من طرق عن سفيان به.
ورواه مثل رواية ابن الفضل، دون الزيادة: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، أخرجه أحمد ١/ ٣٥٥ والدارمي ٢/ ١٨٦ (٢١٩٠) والطبراني في الكبير ١٠ / (١٠٧٤٧). وكذا رواه صالح بن كيسان أخرجه أحمد ١/ ٣٣٤، وأبو داود (٢١٠٠)، والنسائي ٦/ ٨٥.
قلت: فالزيادة "أبوها " معلولة وذلك لما يأتي:
١ - تفرد ابن عيينة بهذا الحديث عن زياد بن سعد الخراساني، فخالف فيه كل من رواه عن عبد الله بن الفضل.
٢ - إن سفيان لم يثبت على هذه الزيادة، فكان تارة يرويها، وأخرى يتركها؛ إذ رواها عنه: أحمد بن حنبل كما في مسنده ١/ ٣٥٥،ومن طريقه أبو داود (٢٠٩٩)، ومحمد بن منصور الخزاعي كما عند النسائي ٦/ ٨٥؛ومحمد بن يحيى، ابن أبي عمر العدني، وهو صدوق (٣) كما عند مسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١).
وقد تركها الحميدي - وهو من أثبت الناس في سفيان، وأكثرهم ملازمة له، كما في مسنده ١/ ٢٣٩ (٥١٧)؛ وقتيبة بن سعيد، كما عند مسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١).
وهذا كله يدلل على عدم ثبوته عليها.
٣ - إن الإمام مسلمًا لم يخرجها أصلًا في الباب، وإنما أوردها في المتابعات فلعله أراد أن ينبه على خطئها كما وعد في مقدمته، والذي يرجح هذا أنه أورده من طريق قتيبة عنه دونها، ثم أتبعها برواية ابن أبي عمر.
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٩/ ١٦٧ (٦٤٥٠).
(٢) التقريب (٢٠٨٠).
(٣) التقريب (٦٣٩١)، وقال صاحبا التحرير ٣/ ٣٣٣: "بل ثقة .. ".
[ ٣٢٠ ]
فهذه الزيادة "غير محفوظة "، كما نص عليه أبو داود، وهو الذي يفهم من صنيع الإمام مسلم، بعد أن بيناه مفصلًا في أول الكلام.
وهكذا نخلص أن الأمام مسلمًا لم يورد تلك الزيادات في أصول الأبواب، بل في المتابعات والشواهد، وهو مما أعله المتقدمون والنقاد من المتأخرين، وهذا لا يعني قبولها، ولو سلم لنا مثال أو مثالين - جدلًا - فإنها لا تصمد أمام الجم الغفير مما تركه، أو أعله من جهة، ومن جهة أخرى أقول: لا يحسن بنا أن نقيس ذلك على صنيع الإمام مسلم من خلال المرويات التي بين أيدينا، إذ إنّ الإمام مسلمًا قد أنتقى أحاديثه من مئات الألوف من الطرق التي وصلنا بعضها، وفاتنا جمع كبير، وبما أننا لا نعرف الأسس التي انتقى على أساسها الإمام مسلم أحاديثه فمن الصعوبة بمكان إطلاق القول أن الإمام مسلمًا ساق هذا الحديث في صحيحه لأنه من باب زيادة
الثقة بمفهومنا اليوم، اللهم إلا إذا اتفق المتقدمون أن هذا الحديث مما تفرد به هذا الراوي، إذ إطلاق القول بأنه خالف صنيع الأئمة المتقدمين مجانبة للصواب، والله أعلم.
ثم أنّه من المحرر أصلًا: أنّ الثقة قد يخطئ، وهذا من فطرة الإنسان التي فطره الله تعالى عليها، وقد صرح بعض الأئمة النقاد كالإمام الدارقطني وغيره أن الإمام مسلمًا أخطأ هنا أو هناك، وهذا كله لا يخرجه من دائرة الضبط والإتقان، لكثرة الصواب.