سبقني إلى بحث هذه المفردة وتطبيقاتها في جامع الترمذي، زميلنا الأخ عمار العبيدي في رسالته"الحديث الغريب، مفهومه وتطبيقاته في جامع الترمذي".
ومن خلال الاستقراء التام لجميع الأحاديث التي حكم عليها الإمام الترمذي بأنها غريبة (١) تبين للطالب أن عددها مائة وستة وأربعون حديثًا، منها أربعون سكت عنها دون تعليل والبقية الباقية قد بين عللها، وقد ناقش الطالب المسكوت عن عللها وبان له أن جميعها ضعيف (٢).
وهذه ما يسميه علماء المصطلح: الغريب المردود، هذا في حالة اقتصاره على لفظة غريب أما إذا ألحقها بالصحيح (٣)،أو الحسن فإن الغرابة لا تنافي الحكم الذي أطلقه، وهذا من مصطلحاته، رحمه الله تعالى.
والذي يخص مبحثنا هنا هو القسم الأول: وهو ما أطلق عليه الترمذي:"غريب، أو غريب من هذا الوجه، أو لا يعرفه إلاّ من رواية فلان " وما شاكلها.
فإن أحاديثنا التي وقفنا على إيراد الإمام الترمذي لزيادة الثقة - بمعناها عند المتأخرين -فيها قد حكم عليها بهذه الألفاظ كما لاحظناه آنفًا (٤).
ولم أقف على مواضع قبل فيها الإمام الترمذي زيادة الثقة بمفهوم المتأخرين، وهي: تفرد راو واحد عن أقرانه في نفس الشيخ بزيادة ما سندًا أو متنًا، بل وجدناه يقبلها
_________________
(١) وكذا ما عبر عنه بـ (غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه)، أو (إلاّ من حديث فلان).
(٢) انظر الحديث الغريب، مفهومه وتطبيقاته ص٥١ و١٣٤.
(٣) وهذا ما يسمى الغريب المقبول: فهو ما توافرت فيه شروط الصحة كحديث: (إنما الأعمال بالنيات) فهو غريب لا يعرف إلاّ من رواية عمر - ﵁ - ولا يعرف عنه إلاّ من رواية علقمة ولا يعرف عن علقمة إلاّ من رواية محمد بن إبراهيم التميمي ولا يعرف عن التميمي إلاّ من رواية يحيى بن سعيد، فهذا غريب ولكنه في غاية الصحة، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما. ومن عادة الترمذي أنَّه يعبر عن هذا القسم بـ"حسن صحيح غريب" أو "صحيح غريب"، أو نحو ذلك كأن يقول بعد تصحيحه " ولا يعرف إلاّ من رواية فلان " وهكذا ومن هذا النوع جملة وافرة من الصحيحين تبلغ المائتين وتعرف بالغرائب
(٤) وللغريب أقسام أخرى تقسيماتها فرعية، وللمزيد انظر مقدمة ابن الصلاح ص٢٧١، وشرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٧ - ٦٢٩، وغيرها من كتب المصطلح.
[ ٣٣٥ ]
على مفهوم المتقدمين لها.
وقد وجدناه يعّل هذه الزيادات على أنها مخالفة في مواضع عدة، كما بيناه، وحكم على البعض بأنه حديث "حسن "، وآخر "غريب "، وقد اتضح لنا مما سلف أنه يريد بالحديث إذا حسنه في جامعه خاصة أنه"معلول"،كما بينه في علله الملحق بالجامع.
فالخلاصة:
بعد أن اتضح لنا أن الإمام الترمذي أورد زيادة الثقة - بمفهوم المتأخرين - وأعلها، إذ حكم عليها بأنها حديث"حسن"أو"حسن غريب" أو"غريب"،وعرفنا مراده من قوله: حسن أو غريب كما أسلفناه: أنه يريد به الحديث المعلول.
ولو صحت الزيادة عنده فلماذا لم يحكم عليها بأنها حديث"صحيح" أو"صحيح غريب" وما شاكلها من الألفاظ التي استعملها في جامعه للحديث المقبول.