أطلق البخاري مصطلح منكر على أحاديث تفرد بها ثقة. ومثاله: قال الترمذي في حديث: "حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا الأحوص بن جواب، عن سعير بن الخمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء.
سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هذا منكر وسعير بن الخمس كان قليل الحديث ويروون عنه مناكير " (٣).
قلت: سعير بن الخمس التميمي:" ثقة "، وإن قال الحافظ ابن حجر:"صدوق " (٤)،فقد وثقه ابن معين، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، والدارقطني (٥)،ولعل ابن حجر أنزله عن مرتبة الصحة لهذه المناكير.
وأطلقه على تفرد الصدوق: قال الترمذي: " حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي سلام عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت: أن النبي - ﷺ - كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث. سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: لا يصح هذا الحديث، إنما روى
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٩ (٢٧٣٥).
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٠ (٧٣٥).
(٣) علل الترمذي ص ٣١٦ (٥٨٩).
(٤) التقريب (٢٤٣٢).
(٥) تحرير التقريب ٢/ ٤٨، وانظر تهذيب الكمال ٣/ ٢١٢ (٢٣٧٨)، وميزان الاعتدال ٢/ ١٦٤ (٣٣٠٨).
[ ٧٠ ]
هذا الحديث داود بن عمرو عن أبي سلام عن النبي - ﷺ - مرسلًا، قال محمد: وسليمان بن موسى: منكر الحديث، أنا لا أروي عنه شيئا روى سليمان بن موسى أحاديث عامتها مناكير" (١).
قلت: سليمان بن موسى، هو: الأشدق، قال الحافظ ابن حجر: " صدوق، فقيه، في حديثه بعض اللين، وخولط قبل موته بقليل " (٢)،فأعل الإمام البخاري هذا الحديث بالمخالفة، فالمحفوظ عنده ما رواه داود بن عمرو الأودي - وهو صدوق (٣) - مرسلًا، فالمرسل عنده أصح.
وأطلقها على تفرد الضعيف، ومن ذلك: قال: " أبو حمزة المدني عن عروة روى عنه العقدي وطلحة بن يحيى الزرقي منكر الحديث، يروى عن عروة عن عائشة
مرفوعًا: الغسل يوم الجمعة واجب. والمعروف عن عروة عن عمرة عن عائشة: كان الناس عمال أنفسهم فقيل لهم لو اغتسلتم " (٤). قلت: أبو حمزة المدني هو: عبد الواحد بن ميمون العقدي: ضعفه الدارقطني وغيره (٥)، فأعل البخاري بالمخالفة سندًا ومتنًا كما هو ظاهر من النص.
ومنه أيضا: قال الترمذي: " قال محمد: أهل الكوفة يروون عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أحاديث مناكير وإنما أرادوا عندي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو منكر الحديث، وهو بأحاديثه أشبه منه بأحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر " (٦). وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم: ضعيف (٧).
_________________
(١) علل الترمذي ص ٢٥٦ (٤٦٣).
(٢) التقريب (٢٦١٦)، وتعقبه محررا التقريب ٢/ ٧٩: " بل صدوق حسن الحديث، وعبارة ابن حجر غير دقيقة وثقه يحيى بن معين، ودحيم، وأبو داود، وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات .".
(٣) جاء في التقريب (١٨٠٤): " صدوق يخطئ "، وتعقبه صاحبا التحرير فقالا: "صدوق حسن الحديث، وثقه يحيى بن معين، وقال أحمد بن حنبل: حديثه مقارب، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال أبو داود: صالح .. ".
(٤) التأريخ الصغير ٢/ ٦١ (١٨٠٠)، وأنظر تأريخه الكبير ٦/ ٥٨ (١٧٠٣).
(٥) ميزان الاعتدال ٢/ ٦٧٦ (٥٣٠١).
(٦) علل الترمذي ص ٣٩٢ (٢٠١).
(٧) التقريب (٤٠٤٠).
[ ٧١ ]
وقد أطلقه أيضا على أحاديث المتروكين والكذابين ومنه: قال الترمذي: " سالت محمدًا فقال كوثر بن حكيم له مناكير كان أحمد يرميه بالكذب " (١).
ومنه أيضا، قال الترمذي:" حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن محمد الوراق وأبو يحيى الحماني قالا: أخبرنا صالح بن حسان عن عروة عن عائشة قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: " إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلقي ثوبًا حتى ترقعيه ". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: صالح بن حسان منكر الحديث، وصالح بن أبي حسان الذي يروي عنه ابن أبي ذئب ثقة " (٢). قلت: وصالح هذا متروك (٣).
إذن فالإمام البخاري يطلق المنكر على تفرد من لا يحتمل تفرده، أو فيما لا يحتمل تفرده من الأحاديث. أما زعم أنه يطلقه على ما تفرد به الضعيف، أو المتروك فقط، فلا يصح كما رأيت، فهو على منهجية أقرانه من المتقدمين.