الإمام النسائي إمام من الأئمة المعروفين بسعة علمه وغزارة فهمه ويقظته في معرفة علل الحديث ومداخله. وكتابه السنن الكبرى والمجتبى وغيرهما من كتبة المشهورة خير دليل على ذلك وسأذكر بعض الأمثلة على إطلاقه " غير محفوظة وما شاكلها " إذ لم يستعمل مصطلح " شاذ " في سننه (١).
١ - قال النسائي (٥/ ١٣٠):أخبرنا نوح بن حبيب القومسي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا ابن جريج قال: حدثني عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أنه قال: ليتني أرى رسول الله - ﷺ - وهو ينزل عليه فبينا نحن بالجعرانة والنبي - ﷺ - في قبة فأتاه الوحي فأشار إلى عمر أن تعال فأدخلت رأسي القبة فأتاه رجل قد أحرم في جبة بعمرة متضمخ بطيب فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل قد أحرم في جبة إذ أنزل عليه الوحي فجعل النبي - ﷺ - يغط لذلك فسرى عنه فقال: أين الرجل الذي سألني آنفًا؟ فأتي
بالرجل فقال: أما الجبة فاخلعها وأما الطيب فاغسله ثم أحدث إحرامًا".قال أبو عبد الرحمن:"ثم أحدث إحرامًا"ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب ولا أحسبه محفوظًا، والله ﷾ أعلم ".
التعليق:
قال النسائي: " ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب ولا أحسبه محفوظًا "،قلت: ونوح هذا ثقة. (٢)
الاستنتاج:
أطلق النسائي " لا أحسبه محفوظًا " لمجرد التفرد وإن كان المتفرد ثقة.
٢ - وقال ٨/ ١٣٧:" أخبرني عثمان بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن جناب قال: حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:"غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ".
أخبرنا حميد بن مخلد بن الحسين قال: حدثنا محمد بن كناسة قال: حدثنا هشام بن عروة
_________________
(١) انظر علل الحديث وتطبيقاتها في كتاب المجتبى للإمام النسائي، لأخي الشيخ محمد محمود سليمان ص ٣٦٣.
(٢) التقريب (٧٢٠٣).
[ ١٢٨ ]
عن عثمان بن عروة عن أبيه عن الزبير قال: قال رسول الله - ﷺ -:" غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود وكلاهما غير محفوظ ".
التعليق:
لقد اضطرب إسناد هذا الحديث اضطرابًا واضحًا.
فمرة جاء من طريق: هشام بن عروة عن عثمان بن عروة عن أبيه عن جده به. (متصلًا).
ومرة من طريق: هشام بن عروة عن عثمان عن أبيه به. (مرسلًا).
ومرة من طريق: هشام بن عروة عن أبيه عن النبي. (مرسلًا).
ومرة من طريق: هشام عن أبيه عن ابن عمر به. (متصلًا).
من أجل ذلك حكم النسائي على هذه الأسانيد بعدم الحفظ -والله أعلم -.
الاستنتاج:
أطلق النسائي كلمة (غير محفوظ) على الاضطراب في السند.
٣ - وقال ٨/ ١٥٥:أخبرني يوسف بن سعيد قال: بلغني عن حجاج عن ابن جريج أخبرني زياد بن سعد عن ابن شهاب عن بسر بن سعيد عن زينب الثقفية قالت: قال رسول الله - ﷺ -:"إذا شهدت إحداكن الصلاة فلا تمس طيبًا".قال أبو عبد الرحمن: وهذا غير محفوظ من حديث الزهري ".
التعليق:
قلت: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم:"حدثنا سنيد بن داود قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن ابن شهاب الزهري عن بسر بن سعيد عن زينب الثقفية أن رسول الله - ﷺ - قال:" إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمس طيبًا"،قال أبي: لم يرو هذا الحديث عن ابن شهاب سوى زياد بن سعد ولا روى عن زياد بن سعد غير ابن جريج ولا عن ابن جريج إلا الحجاج ولا عن حجاج إلا سنيد، غير أن أبا زرعة حدثني بعورته: أخبرني أنه ذكر هذا الحديث ليحيى بن معين فقال: رأيت هذا الحديث في كتاب حجاج عن ابن جريج عن زياد عن بسر ليس فيه الزهري. قال أبو محمد: وقرأ علينا أبو زرعة هذا الحديث عن سنيد هكذا، فأملى علينا أبو زرعة وقال: أخبرت بهذا الحديث يحيى بن معين فقال: كتبته من كتاب حجاج عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن بسر بن سعيد
[ ١٢٩ ]
عن زينب الثقفية عن النبي - ﷺ - ليس فيه الزهري " (١).
قال الحافظ ابن حجر:" ويستفاد من هذا تسمية من بلّغ يوسف بن سعيد عن حجاج، ويوسف كثير الرواية عن حجاج إلا أنه كان لا يدلس، ولم يسمع هذا من حجاج، فكأنه سمعه من سنيد فاتهمه " (٢).وسنيد هذا: ضعيف لأجل تلقينه لشيخه الحجاج. فقد ضعفه أبو حاتم، والنسائي، وقواه بعضهم، حتى وصفه الذهبي بالحافظ! (٣).
التعليق:
اضطربت طرق هذه الرواية اضطرابًا واضحًا وكلها ضعيفة عدا طريق جرير الضبي ويحيى القطان وهو مخرج في صحيح مسلم، وقد اختلف فيه على النحو الآتي:
مرة جاء من طريق محمد بن مسلم عن بسر بن سعيد عن زينب به.
ومرة من طريق محمد بن عبد الله بن عمرو عن بكير عن بسر عن زينب به.
ومرة من طريق محمد بن عبد الله بن عمرو عن بكير عن زينب به.
ومرة من طريق محمد بن عجلان عن بكير عن بسر عن زينب به.
ومرة من طريق محمد بن عجلان عن يعقوب عن بسر عن زينب به.
وانظر بعض هذا الاختلاف من خلال هذه الشجرة:
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٧٩ (٢١١).
(٢) النكت الظراف على تحفة الأشراف١١/ ١٠٧ (١٥٨٨٨).
(٣) أنظر ميزان الإعتدال ٢/ ٢٣٦، والكاشف ١/ ٤٠٥، والتقريب (٢٦٤٦)، والتحرير ٢/ ٨٤، وعلل الحديث، محمد محمود ص ٣٧٣.
[ ١٣٠ ]
(صورة)
[ ١٣١ ]
الاستنتاج:
أطلق النسائي لفظة (غير محفوظ) على سند مضطرب، وفيه رجل ضعيف كان يلقن.
٤ - وقال في ٨/ ١٥٩:" أخبرنا إسحاق بن شاهين الواسطي قال: أنبأنا خالد عن مطرف ح وأنبأنا أحمد بن حرب قال: حدثنا أسباط عن مطرف عن أبي الجهم عن أبي زيد عن أبي هريرة قال:"كنت قاعدًا عند النبي - ﷺ - فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله سوارين من ذهب؟ قال: سوران من نار! قالت: يا رسول الله طوق من ذهب؟ قال: طوق من نار، قالت: قرطين من ذهب؟ قال: قرطين من نار، قال: وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما، قالت: يا رسول الله إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده قال: " ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة ثم تصفره بزعفران أو بعبير" اللفظ لابن حرب، أخبرني الربيع بن سليمان قال: حدثنا إسحاق بن بكر قال: حدثني أبي عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - رأى عليها مسكتي ذهب فقال رسول الله - ﷺ -:"ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا لو نزعت هذا؟ وجعلت مسكتين من ورق ثم صفرتهما بزعفران كانتا حسنتين".قال أبو عبد الرحمن: هذا غير محفوظ، والله أعلم ".
التعليق:
الحديث مخرج في الصحيحين من رواية عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني عن ابن مسعود به وأخرجاه أيضًا من طريق علقمة -وحده- عن ابن مسعود به.
وأما رواية علقمة والأسود -سوية- فقد أخرجها أحمد والنسائي، وذكر الأسود وهم من عبد الرحمن بن زياد المحاربي فقد انفرد بزيادة (الأسود) في حديثه وهو ضعيف يدلس (١)،وخالف فيه الثقات كشعبة بن الحجاج وأبي معاوية الضرير عند البخاري، وعلي بن هاشم البريد العائذي -عند أحمد-.
وقد رواه عبد الرحمن نفسه مرة بالزيادة ومرة بدونها. من أجل ذلك حكم النسائي على مخالفته لهم بأنها غير محفوظة.
الاستنتاج:
أطلق النسائي مصطلح غير محفوظ على مخالفة الضعيف لغيره من الثقات.
_________________
(١) التقريب (٣٩٩٩).
[ ١٣٢ ]
وهكذا نخلص أن الأئمة المتقدمين استعملوا مصطلح " شاذ "، و" غير محفوظ " استعمالًا لغويًا، إذ أطلقوهما على تفرد الضعيف ومخالفته، كما أطلقوهما على مخالفة الثقة، وخطئه، وعلى تفرد الثقة بحديث لم يحفظه أهل الحفظ، ولم يعرف عندهم. وهذا يعني أنهم يسوونه بالمنكر، كما مر سلفًا، والله أعلم.