لم يصرح الإمام البخاري في مصنفاته (٥) حول قضية قبول الزيادة أو عدمه، خلا ما نقل عنه بعض المتأخرين من القول بقبولها؟
قال الخطيب البغدادي في الكفاية: " أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أنبأنا
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٥.
(٢) هما عبد الله وأخوه عبيد الله ابنا عمر بن حفص العمري، والحق أن المتابعين لمالك في هذا الحديث كثر كما سيأتي بيانه.
(٣) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٢.
(٤) مصدر سابق.
(٥) أقول: أعني على مفهوم المتأخرين.
[ ٢١٠ ]
محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا إسحاق: إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول: سمعت محمد بن هارون المكي يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري، وسئل عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن - ﷺ - قال: لا نكاح إلا بولي؟
فقال: الزيادة من الثقة مقبولة وإسرائيل بن يونس ثقة، وأن كان شعبة والثوري أرسلاه فانّ ذلك لا يضر الحديث " (١). فهذا الحديث جاء مرة متصلًا ومرة مرسلًا، قال الترمذي: " ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -:" لا نكاح لا بولي "، عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد، ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا نكاح لا بولي؟ فقال: نعم "، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن مكحول هذا الحديث في وقت واحد " (٢).
وهذا يعني: أن شعبة رواه بالسماع على أبي إسحاق بقراءة سفيان (٣).
وأما من رواه متصلًا فهم:
(شريك بن عبد الله، وأبو عوانة وزيد بن الحباب عن يونس عن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع) (٤). والظاهر انهم سمعوه في مجالس متعددة (٥).
فتبين مما تقدم أن هذه ليست زيادة ثقة كالتي في كتب المصطلح، موضوع
_________________
(١) الكفاية ص٤١٣، وانظر تدريب الراوي ١/ ١٨٤.
(٢) جامع الترمذي حديث (١١٠١و ١١٠٢).
(٣) انظر تدريب الراوي ١/ ١٨٤ - ١٨٥، وقد زعم السيوطي أن الطيالسي أخرج سؤال حوار شعبة مع سفيان ولم أقف عليه في المطبوع بل أخرجه من طريق أبي عوانة عن أبي اسحاق فحسب انظر المسند (٥٢٣).
(٤) انظر جامع الترمذي حديث (١١٠١و ١١٠٢)، وشرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٦. والكفاية، الخطيب ص٤١١.
(٥) انظر شرح علل الترمذي٢/ ٦٣٦.
[ ٢١١ ]
دراستنا، بل هذه من باب مختلف الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: " الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول، منها: أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص من غيرهم.
ووافقهم على ذلك أبو عوانة وشريك النخعي وزهير بن معاوية وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد . فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس عرضًا-كما ترى- ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضًا في محل واحد.
هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن الشافعي - ﵁ - يقول: " العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ".
فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل بما يظهر من قرائن الترجيح ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه الإرسال في مواضع أخر ". (١)
والذي يبدو لي والله أعلم أن هذا المثال لا يصح للتمثيل به في قضية زيادة الثقة لأن الذين وصلوه أكثر عددًا، وأن شعبة وسفيان لم يخطئا به وكذا من وصله فكلهم سمعوه من أبي إسحاق، فقد يكون أبو إسحاق رواه مرة مرسلًا ومرة مرفوعًا أو يكون سمعه هكذا من أبي بردة فانه متكلم في سماع أبي بردة من أبيه؟
والذي يهمنا هنا أن هذا حتى ولو ثبتت نسبته إلى البخاري فانه لا يعني في كل تعارض بين الأحاديث ناهيك عن صنيعه في تاريخه ومصنفاته الأخرى من إعلال الموصول بالمرسل (٢).
قال إبن رجب:" وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث.
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧، وانظر تدريب الراوي، السيوطي ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) انظر النكت على ابن الصلاح٢/ ٦٠٧.
[ ٢١٢ ]
وإلا فمن تأمل كتاب تأريخ البخاري تبين له قطعا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة " (١).
وقال الحافظ ابن حجر: " إن البخاري ليس له عمل مطرد في قبول الزيادة أو ردها بل يصوب الإرسال أحيانًا لقرينة تظهر له، ويصوب الاتصال أحيانًا أخرى حسب القرينة " (٢).
قلت: وهذا كلام جيد صحيح، وسيتبين لنا الأمر في الفصل التطبيقي لاحقا إن شاء الله تعالى.