أطلق الإمام أبو داود مصطلح "منكر " على تفرد الراوي بما لا يتابع عليه، وكان هذا الفرد مما لا يحفظه أئمة الحديث.
فقد أطلقه على تفرد الثقة، ومنه ما رواه في السنن فقال:" حدثنا نصر بن علي عن أبي علي الحنفي عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال:" كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه". قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج
_________________
(١) التقريب (٢٥١٤).
(٢) انظر ميزان الاعتدال ٢/ ١٩٣ (٣٤١٤).
(٣) التمييز ص٢٠٢ (٧٩).
(٤) التقريب (٣٨٢٣).
(٥) أنظر التحرير ٢/ ٣١١.
[ ٧٣ ]
عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: " أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه ". والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام " (١).
قلت: وهمام ثقة معروف، لكنه انفرد بمتن غير محفوظ عند الأئمة فاستنكروه (٢).
وأطلقه على تفرد صدوق، ومنه: قال: " حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب وهذا لفظ حديث يحيى عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس:" أن رسول الله - ﷺ - كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعا ". زاد عثمان وهناد: " فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله ". قال أبو داود: قوله: الوضوء على من نام مضطجعًا، هو حديث
منكر لم يروه إلا يزيد، أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا، وقال: كان النبي - ﷺ - محفوظا، وقالت عائشة ﵂: قال النبي - ﷺ -:" تنام عيناي ولا ينام قلبي ". وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس: حدثني رجال مرضيون منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر. قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظامًا له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث " (٣).
قلت: وأبو خالد الدالاني: قال الحافظ: " صدوق، يخطئ كثيرًا، وكان يدلس " (٤).
وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال: " حدثنا نصر بن علي، قال: حدثني الحارث بن وجيه، قال: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -:" إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر ". قال أبو داود:
_________________
(١) السنن (١٩).
(٢) وانظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٧.
(٣) السنن (٢٠٢).
(٤) التقريب (٨٠٧٢)، وقال صاحبا التحرير ٤/ ١٨٥: " بل صدوق، كما قال البخاري، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، ووثقه أبو حاتم الرازي .. وأما التدليس: فلم نجد من وصفه به ".
[ ٧٤ ]
الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف " (١).
قلت: الحارث بن وجيه، هو الراسبي: ضعيف (٢).
وقد استنكر أبو داود أحاديث كثرًا لا لعلة يراها في السند، إلا لكون متنه غير محفوظ، أو يخالف المحفوظ، أو تفرد به ثقة فوصل المرسل، أو رفع الموقوف، ومن ذلك: قال: "
حدثنا عثمان بن أبي شيبة أن محمد بن جعفر حدثهم عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال:" هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". قال أبو داود: هذا منكر إنما هو قول ابن عباس " (٣).
قلت: عثمان بن أبي شيبة: ثقة حافظ (٤)، وهو كأي حافظ يخطئ في بعض الأحاديث وكذا استنكر عليه الإمام أحمد بعض أحاديثه (٥)، مع أنه وثقه هو نفسه (٦).
ومنه: قال " حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم عن عمارة بن عمير عن أمه عن عائشة عن النبي - ﷺ - أنه قال:" ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم ". قال أبو داود: حماد بن أبي سليمان زاد فيه: إذا احتجتم وهو منكر " (٧).
قلت: قال ابن حجر في حماد بن أبي سليمان:"فقيه صدوق له أوهام " (٨)، وقال الإمام الذهبي: " ثقة إمام مجتهد " (٩)، وجاء في تحرير التقريب: " فقيه صدوق حسن الحديث، وإنما أنزل إلى هذه المرتبة بسبب أوهام كانت تقع له، وثقه يحيى بن معين
_________________
(١) السنن (٢٤٨).
(٢) التقريب (١٠٥٦).
(٣) السنن (١٧٩٠).
(٤) التقريب (٤٥١٣).
(٥) انظر العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٦٦ (١٢٥١)، وتاريخ الخطيب ١٣/ ١٦٣.
(٦) انظر تهذيب الكمال ٥/ ١٣٤ (٤٤٤٦)،وتأريخ الخطيب ١٣/ ١٦٦ - ١٦٧.
(٧) السنن (٣٥٢٩).
(٨) التقريب (١٥٠٠).
(٩) الكاشف ١/ ٣٤٩ (١٢٢١).
[ ٧٥ ]
والنسائي والعجلي، وفضله يحيى بن سعيد على مغيرة بن مقسم - وهو ثقة - ..،قال أبو حاتم: صدوق لا يحتج به، وهو مستقيم في الفقه " (١).
وأطلقه على تفرد المتروك، ومنه: قال:"حدثنا سلمة بن شبيب، قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم، قال: حدثني إسحاق بن محمد الأنصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جلس أحتبي بيده ". قال أبو داود: عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث " (٢).
قلت: عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري: متروك الحديث (٣).
وأطلقه على حديث منقطع الإسناد ومنه: قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال:"
نهى رسول الله - ﷺ - عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه ". قال أبو داود: هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري وهو منكر " (٤).
وهكذا نجد الإمام أبا داود قد توسع في مصطلح " منكر " ليشمل أنواع المخالفات من الثقات وغيرهم، وأحاديث الضعفاء، والمتروكين، وغيرهم.