قال: " ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال:
" فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين صاعا من تمر أو صاعا من شعير".
قال وزاد مالك في هذا الحديث من المسلمين وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ولم يذكروا فيه من المسلمين وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به منهم الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد عنهم صدقة الفطر واحتجا بحديث مالك فإذا زاد
حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه ورب حديث يروى من أوجه كثيرة وإنما يستغرب لحال الإسناد " (٢).
أقول: رغم أن الكثير من بعض أهل المصطلح فهموا من سياق كلام الترمذي -آنفًا- أنه يتحدث عن زيادة الثقة بالمفهوم الذي نعنيه اليوم بيد أني أرى أن الترمذي لا يتحدث عن هذه الزيادة والله أعلم-، وهي: " أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة " (٣).
_________________
(١) التمييز ص ٢٢٠.
(٢) العلل في آخر الجامع ٥/ ٧١٢.
(٣) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٥.
[ ٢١٥ ]
وهذا يعني أنه لو زاد ثلاثة رواة زيادة على مجموعة أخرى فهذه ليست زيادة وإنما الزيادة هي أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بسند واحدٍ ثم يأتي آخر فيرويه بنفس السند ولكنه يزيد عليهم رجلًا آخر أو يصل ما أرسلوه أو يرفع ما وقفوه أو يزيد كلمة أو جملة في المتن لم يذكروها.
وليس الأمر هكذا عند الترمذي في المثال الذي مثل به، وإنما أراد أن يضرب مثلًا على معنى الغريب الذي ذكره في مصنفه هذا (الجامع).
فقال: " وما ذكرنا في هذا الكتاب: -حديث غريب- فإن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان: -رب حديث يكون غريبًا لا يروى إلا من وجه واحد مثل ما روى حماد بن سلمة . ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث ". (١).
وإلا فهذا الحديث ليس فيه زيادة ثقة البتة، قال النووي: " لا يصح التمثيل به فقد وافق مالكًا عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان " (٢).
وقال الحافظ العراقي: وعلى تقدير عدم الورود من هذه الحيثية، فيرد عليه -أي ابن الصلاح- من جهة تعبيره لعبارة الترمذي، لأن الترمذي لم يطلق تفرد مالك به (٣).
وهنا إشكال: هو أن ابن الصلاح قوّل الترمذي بالزيادة ونسبها إليه، فرد عليه النووي: لا يصح التمثيل به، ثم رد الحافظ العراقي كون هذا مراد الترمذي.
وقد وجه هذا الخلاف الحافظ ابن حجر فقال: " ثم راجعت كتاب الترمذي فوجدته في كتاب الزكاة قد أطلق كما حكاه عنه المصنف -أي ابن الصلاح- ولفظه: " حديث ابن عمر -﵀- رواة مالك عن نافع عن ابن عمر﵄- نحو حديث أيوب وزاد فيه من المسلمين " (٤). ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكر فيه من المسلمين وفي كتاب " العلل المفرد " قد قيد كما حكاه عنه شيخنا -أي العراقي- فكان ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل -والله أعلم-" (٥).
وهكذا يتضح أن الترمذي لم يرد المعنى الذي نريده من الزيادة فليس مثل الترمذي
_________________
(١) العلل في آخر الجامع ٥/ ٧١١ - ٧١٢.
(٢) تدريب الراوي، السيوطي ١/ ٢٠٦.
(٣) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٦.
(٤) جامع الترمذي حديث (٦٧٦).
(٥) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧.
[ ٢١٦ ]
- علمًا وحفظًا- يفوته حديث أخرجه " شيخه " البخاري وكذا مسلم.؟!
فقد تابع مالكًا عمرُ بن نافع -مولى ابن عمر- عند البخاري (١) والضحاك عن نافع -عند مسلم في صحيحه (٢).
قال ابن حجر: " وفي هذا رد على من زعم أن مالكًا تفرد بها " (٣).
وإنما أراد أن يقول: إنّ أحسن الطرق وأصحها في هذا طريق مالك عن نافع عن ابن عمر به، لذا فإنه أشار إلى الذين تابعوا مالكًا بها ولكنه وصفهم بعدم الحفظ.
وقد ذكر ابن حجر في الفتح المتابعات الكثيرة لزيادة مالك " من المسلمين "، فقال: " وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما منهم كثير بن فرقد عند الطحاوي والدارقطني والحاكم، ويونس بن يزيد عند الطحاوي والمعلى بن إسماعيل عند ابن حبان في صحيحه، وابن أبي ليلى عند الدارقطني " (٤).
ثم أردف:" وفي الجملة ليس فيمن روى هذه الزيادة أحدٌ مثل مالك، لأنه لم يتفق على أيوب وعبيد الله في زيادتها (٥) " (٦).
والأهم من هذا كله أن الترمذي قد أعلّ كثيرًا من الأحاديث المتصلة بالأحاديث المرسلة رغم أنّ الذي وصله ثقات، والمطلع على كتابه العلل يجده واضحًا، بل حتى كتابه السنن فإنّ فيه الأمثلة الكثيرة التي تؤيد هذا الكلام، وسيأتي بيانه في الفصل التطبيقي إن شاء الله تعالى.
والذي نريد أن نقوله: أن نسبة القول إلى الإمام الترمذي أنه يقول بقبول الزيادة مطلقًا، أو على مفهوم المتأخرين هو أمرٌ غير صحيح، وغاية الذي يزعم هذا قول الترمذي الذي سبق وقد بينا أنه في غير محله، وإنما هو يقبلها على مفهوم المتقدمين، والله أعلم.
_________________
(١) برقم (١٥٠٣).
(٢) ٢/ ٦٧٨ (٩٨٤).
(٣) فتح الباري ٣/ ٤٧١، بتصرف يسير.
(٤) فتح الباري ٣/ ٤٧٢، وانظر ص ١٨٤ من هذا البحث.
(٥) قول الحافظ هذا فيه نظر، إذ إن البخاري ابتدأ بحديث عمر بن نافع، وفيه زيادة من المسلمين، ثم ثنّى بحديث مالك وهذا له معنى عند البخاري، فالأصل في هذا حديث عمر بن نافع.
(٦) مصدر سابق.
[ ٢١٧ ]
وقد تناول الشيخ عداب الحمش موضوع الزيادة عند الترمذي في أطروحته وخرج بنتيجة وهي: " مذهب الترمذي هو قبول زيادة الثقة غالبًا كما هو صريح قوله " (١).
وقد مثل بأمثلة، وختمها بقوله:" قلت: في هذا القدر من الأمثلة كفاية للوقوف على صنيع الحافظ الترمذي في قبول زيادة الثقة مطلقًا، كما هو مذهب شيخه البخاري " (٢).
وبين غالبًا ومطلقًا فرق كبير، ناهيك عن أن هذه النتيجة لا تسلم من نقد عريض! كما بيناه، وسنناقش هاتيك الأمثلة في الفصل التطبيقي، إن شاء الله تعالى.