تكلم الأصوليون عن زيادة الثقات في معظم مصنفاتهم، لما لها من أهمية في المسائل التي يبحثونها، وتوسع الأصوليون كثيرًا في قبول الزيادة، حتى غدا مذهبهم هو المعتمد في كثير من كتب المحدثين المتأخرين، لذا تجد أراء هم قد ملأت كتب أهل المصطلح من المتأخرين (١)،فرأيت من تمام البحث أن أورد أهم الأقوال التي تحدثت عن مفهوم زيادة الثقة دون أن أناقشها، لكون بحثنا هو بحث في كتب مصطلح الحديث، فكانت على ما يأتي:
أولًا: عند الإمام أبي حنيفة -﵀-:
نقل عنه الحافظ ابن رجب ":" إنها لا تقبل " (٢).
ثانيًا: عند الإمام أبي الحسين البصري (٤٣٦) هـ قال:
" اعلم أنه إذا روى الراوي زيادة فإما أن يكون لم يروها غيره أو لم يروها هو مرة أخرى والأول ضربان: أحدهما: أن يكون من لم يروها لا يقبل حديثه والآخر أن يقبل حديثه فالأول لا يمنع من قبول الزيادة، لأن راويها ممن تقبل روايته ولم يعارضها رواية مثلها، يبين ذلك أن الذي لا يقبل روايته لو روى نفي تلك الزيادة لم يمنع ذلك من قبول الزيادة فبأن لا يمنع تركه لذكرها أولى وإن كان الذي لم يروها تقبل روايته، فإما أن يعلم انهما أسندا الخبرين إلى مجلسين أو إلى مجلس واحد أو لا يعلم ذلك من حالهما فان علمنا أنهما أسنداه إلى مجلسين قبلت الزيادة لأنه لا معارض لها لجواز أن يقيد النبي ﵇ كلامه في بعض الحالات دون بعض ثم هل تلك الزيادة نسخ أو تخصيص قد بين فيما سلف وإن علمنا أنهما أسنداه إلى مجلس واحد، فإما أن يكون الذي لم يرو الزيادة عددًا لا يجوز أن يغفلوا عن تلك الزيادة التي رواها الواحد وإما أن يكون الراوي لها عددًا لا يجوز عليهم توهم ما لم يكن وإما أن يجوز على كلا الفريقين ذلك ويجوز خلافه، فالأول يمنع من قبول الزيادة، لأن من لم يروها إنما لم يروها لأنها لم تكن ويكون الراوي
_________________
(١) انظر مثلا مقدمة ابن الصلاح ص ٥٩ ورجح هناك مذهب الأصوليين على المحدثين، والنكت على ابن الصلاح، ابن حجر ٢/ ٦٩٣، وتوضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ١٦ - ١٩.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٧.
[ ٢٠٠ ]
لها قد سمعها من غير
النبي - ﷺ - فظن أنه سمعها منه ﵇ وإن كان الراوي للزيادة عددًا كثيرًا لا يجوز عليهم توهم ما لم يكن قبلت الزيادة لأنهم ما رووها إلا لأنها كانت وإن لم يكن الراوي لها ولا التارك لها عددًا كثيرًا، فإما أن تكون الزيادة مغيرة الإعراب وبناء الكلام أو غير مغيرة لذلك بل منفصلة فالأول " فصارت الزيادة إنما تقبل على شروط منها أن لا يكثر عدد من لم يروها ومنها أن لا تكون مؤثرة في لفظ المزيد عليه وإعرابه أو أثرت وكان راويها أضبط فأما إذا خالف في لفظ الحديث حفاظ أهل النقل فقد ذكر ذلك في جملة ما يرد له الحديث وهو داخل في الزيادة وقد ذكرناه الآن لأن الخلاف ليس يقع بينهم إلا بأن يزيد أحدهم في الحديث ما لا يرويه الآخر أو يروي أحدهما اللفظ على إعراب يروي الآخر خلافه وقد تقدم بيان ذلك كله " (١).
ثالثًا: عند أبي نصر ابن الصباغ ت (٤٧٧) هـ (٢):
نقل الحافظ ابن حجر عنه أنه قال:"إن يتعدد المجلس فيعمل بهما، لأنهما كالخبرين، أو يتحد فإن كان الذي نقل الزيادة واحدًا والباقون جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت الزيادة، وإن كان بالعكس وكان كل من الفريقين جماعة فالقبول. وكذا إن كان كل منهما واحدًا حيث يستويان، وإلاّ فرواية الضابط منهما أولى بالقبول" (٣).
رابعًا: عند إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ت (٤٧٨) هـ:
قال:"الزيادة من الراوي الموثوق به مقبولة عند الشافعي وكافة المحققين ومنع أبو حنيفة التعلق بها، واستدل الشافعي بأن انفراد بعض الناقلين بالاطلاع على مزيد ليس بدعًا والناقل قاطع بالنقل فلا يعارض قطعه ذهول غيره وإذا ظهرت عدالة الراوي ولم يعارض نقله نقل يعارضه فلا يسوغ اتهام مثبت في نقله لعدم نقل غيره والدليل عليه أنه لو شهد جمع مجلس الرسول ﵇ فنقل بعضهم حديثًا ولم ينقل غيره من الحاضرين شيئًا منه فهو مقبول ولا يسوغ تقدير الخلاف فيه فإن معظم الأحاديث التي نقلها الآحاد والأفراد عزوها إلى مشاهد لرسول الله - ﷺ - ومجالسه بين أصحابه كان كذلك ولو شرط
_________________
(١) المعتمد، ابو الحسين٢/ ١٢٨ - ١٣٢.
(٢) هو محمد بن الواحد البغدادي الشافعي فقيه توفي ببغداد سنة (٤٧٧) انظر ترجمته في طبقات الشافعية ٢/ ١٠٣.
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٣ ولم أقف على هذا الكتاب. نقله أيضًا توضيح الأفكار ٢/ ٢١.
[ ٢٠١ ]
نقل كل من شهد لرد معظم الأحاديث
والذي يعضد ما ذكرناه أن الشهادات تبر في وجوه من التعبدات على الروايات وهي تضاهيها في أصل اعتبار الثقة ثم لو شهد جمع من العدول رجلًا وشهدوا على إقراره لإنسان وانفرد عدلان من الشهود الحضور بمزيد في شهادتهما فهي مقبولة ولا يقدح فيها سكوت الباقين عنها فإذا كان ذلك لا يقدح في الشهادات مع أنها قد ترد بالتهم فالروايات بذلك أولى ولما ذكرناه من فن القياس ولكنا أوردنا ما أوردناه استشهادًا في تحقيق الثقة.
قال الشافعي: من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في القرآن وبين رد الزيادة التي ينفرد بها بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل إثبات القران أن ينقل استفاضة وتواترًا فما كان أصله كذلك إذا قبلت الزيادة فيه شاذة نادرة فلأن تقبل فيما سبيل نقله الآحاد كان أولى. وهذه المسألة عندي بينة إذا سكت الحاضرون عن نقل ما تفرد به بعضهم فأما إذا صرحوا بنفي ما نقله عند إمكان اطلاعهم على نقله فهذا يعارض قول المثبت ويوهيه وقد أرى قبول الشهادة على النفي إن فرض الاطلاع عليه تحقيقًا" (١).
خامسًا: عند الإمام الغزالي (٥٠٥) هـ:
قال: "انفراد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النقلة مقبول عند الجماهير، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو من حيث المعنى لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ لقبل، فكذلك إذا انفرد بزيادة لأن العدل لا يتهم بما أمكن فإن قيل: يبعد انفراده بالحفظ مع إصغاء الجميع قلنا: تصديق الجميع أولى إذا كان ممكنًا وهو قاطع بالسماع والآخرون ما قطعوا بالنفي فلعل الرسول - ﷺ - ذكره في مجلسين فحيث ذكر الزيادة لم يحضر إلا الواحد أو كرر في مجلس واحد وذكر الزيادة في إحدى الكرتين ولم يحضر إلا الواحد ويحتمل أن يكون راوي النقص دخل في أثناء المجلس فلم يسمع التمام أو اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة إلا واحدًا أو طرأ في أثناء الحديث سبب شاغل مدهش فغفل به البعض عن الإصغاء فيختص بحفظ الزيادة المقبل على الإصغاء أو عرض لبعض السامعين خاطر شاغل عن الزيادة أو عرض له مزعج يوجب قيامه قبل التمام فإذا احتمل ذلك فلا
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦.وانظر الابهاج، السبكي ٢/ ١٤١.
[ ٢٠٢ ]
يكذب العدل ما أمكن " (١).
سادسًا: عند ابن قدامة المقدسي ت (٦٢٠) هـ:
قال في روضة الناظر:"انفراد الثقة في الحديث بزيادة مقبول سواء كانت لفظًا أو معنى لأنه لو انفرد بحديث لقبل فكذلك إذا انفرد بزيادة وغير ممتنع أن ينفرد بحفظ الزيادة إذ أن المحتمل أن يكون النبي - ﷺ - ذكر ذلك في مجلسين وذكر الزيادة في أحدهما ولم يحضرها الناقص ويحتمل أن راوي الناقص دخل أثناء المجلس أو عرض له في أثنائه ما يزعجه أو ما يدهشه عن الإصغاء أو ما يوجب له القيام قبل التمام أو سمع الكل ونسي الزيادة والراوي للتمام عدل جازم بالرواية فلا نكذبه مع إمكان تصديقه فإن علم أن السماع
كان في مجلس واحد فقال أبو الخطاب: يقدم قول الأكثرين وذوي الضبط فإن تساووا في الحفظ والضبط قدم قول المثبت وقال القاضي: إذا تساووا فعلى روايتين " (٢).
سابعًا: عند الآمدي (٦٣١) هـ:
"إذا روى جماعة من الثقات حديثًا وانفرد واحد منهم بزيادة في الحديث لا تخالف المزيد عليه، كما لو روى جماعة أن النبي - ﷺ - دخل البيت وانفرد واحد منهم بزيادة فقال دخل البيت وصلى فلا يخلو إما أن يكون مجلس الرواية مختلفًا بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس غير مجلس الباقين أو أن مجلس الرواية متحد أو يجهل الأمران:
فإن كان المجلس مختلفًا فلا نعرف خلافًا في قبول الزيادة لاحتمال أن يكون النبي - ﷺ - قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر والراوي عدل ثقة ولم يوجد ما يقدح في روايته فكانت روايته مقبولة
ولهذا فإنه لو روى حديثًا لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في روايته وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس وشهدت بينة أخرى عليه في مجلس آخر بألف لا يكون ذلك قادحًا في الألف الزائدة مع أن باب الشهادة أضيق من باب الرواية كما قررنا
وأما إن اتحد المجلس فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في
_________________
(١) المستصفى ص ١٣٣.
(٢) روضة الناظر ص١٢٤، وانظر الكافي في فقه ابن حنبل، ابن قدامة ١/ ٤٠٥ و٣/ ٢٨٤ والمغني، ابن قدامة ١/ ٢٥١ و٣٢٤ وانظر مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، الشنقيطي ص ١٣٤.
[ ٢٠٣ ]
العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها فلا يخفى أن تطرق الغلط والسهو إلى
الواحد فيما نقله من الزيادة يكون أولى من تطرق ذلك إلى العدد المفروض فيجب ردها وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد فقد اتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين على وجوب قبول الزيادة خلافًا لجماعة من المحدثين ولأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، ودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة وقد جزم بالرواية وعدم نقل الغير لها فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارىء أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة،
وبتقدير أن يكون حاضرًا من أول المجلس إلى آخره فلاحتمال أن يكون قد طرأ ما شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط أو فكرة في أمر مهم أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه أو أنه نسيها بعد ما سمعها ومع تطرق هذه الاحتمالات وجزم العدل بالرواية لا يكون عدم نقل غيره للزيادة قادحًا في روايته " (١).
ثامنًا: عند كمال الدين بن الزملكاني (٢):
نقل عنه الحافظ العلائي أنه قال:" الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل وأنّ الرفع زيادة في المتن فتكون علة وتقرير ذلك أن المتن إنما هو قول النبي - ﷺ - فإذا كان قول صحابي فليس بمرفوع فصار منافيًا له لأن دونه من قول الصحابي فليس بمرفوع فصار كلام النبي - ﷺ - وأما الموصول والمرسل فكل منهما موافق للآخر في كونه من كلام النبي - ﷺ -.
قال الحافظ العلائي:"وهذه التفرقة قد تقوى في بعض الصور أكثر من بعض فأما إذا كان الخلاف في الوقف والرفع على الصحابي بأن يرويه عنه تابعي مرفوعًا، ويوقفه عليه تابعي آخر لم يتجه هذا البحث لاحتمال أن يكون حين وقفه أفتى بذلك الحكم وحين رفعه رواه إلا أن يتبين أنهما مما سمعاه منه في مجلس واحد فيفزع حينئذٍ إلى الترجيح" (٣).
تاسعًا: عند الإمام السبكي ت (٧٥٦) هـ:
قال:" إذ زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت وكذا إذا اتحد وجاز الذهول عن الباقين ولم يغير إعراب الباقي وإن لم يجر الذهول لم يقبل وإن غير الإعراب مثل في أربعين
شاة شاة أو نصف شاة طلب الترجيح فإن زاد مرة وحذف أخرى فالاعتبار بكثرة
_________________
(١) الأحكام ٢/ ١٢٠ - ١٢٣، وانظر الإبهاج، السبكي ٢/ ٣٤٦، والنكت على ابن الصلاح، ابن حجر ٢/ ٦٩٤.
(٢) هو شيخ الحافظ العلائي انظر ذيل تذكرة الحفاظ، أبو المحاسن الحسيني ص ٣٦٠.
(٣) نقله عنه ابن حجر في النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦، ولم أقف عليه في مراسيل العلائي.
[ ٢٠٤ ]
المرات، والروايتان فصاعدًا إذا اتفقا على رواية خبر وانفرد أحدهما بزيادة فإما أن يكون المجلس متعددًا أو متحدًا، فإن كان متغايرًا قبلت الزيادة إذ لا امتناع في ذكره - ﷺ - الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الآخر بها والراوي مقبول القول وإن كان المجلس متحدا فالذين لم يرووا الزيادة، إما أن يكونوا عددًا لا يجوز أن يذهلوا عما يضبطه الواحد أو ليسوا كذلك فإن كان الأول لم يقبل الزيادة ". (١)
عاشرًا: عند الشنقيطي:
قال: " واعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن فيها تفصيلًا لأنها واسطة وطرفان، طرف لا تقبل فيه الزيادة على التحقيق وهو ما إذا كانت الزيادة مخالفة لرواية الثقات الضابطين لأنها يحكم عليها حينئذ بالشذوذ فترد وطرف تقبل فيه الزيادة بلا خوف وهو إذا تفرد ثقة بجملة حديث لا تعرض فيه لما رواه بمخالفة أصلًا.
حكى الإجماع على قبول هذا الطرف الخطيب، وواسطة هي محل الخلاف وهو زيادة لفظة في حديث لم يذكرها غير من زاد من رواة ذلك الحديث كحديث حذيفة: «وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا» فالظاهر بثبوت هذه الزيادة وإن لم تكن في جميع طرقها" (٢).
وقال:"التحقيق أن الرفع والوصل من نوع الزيادة فلو روى بعض الرواة حديثًا موقوفًا ورواه ثقة آخر مرفوعًا أو رواه بعض الرواة مرسلًا ورواه آخر موصولًا فذلك الرفع وذلك الوصل يقبل لأنه من زيادة الثقات وهي مقبولة، ولا تكون الطريق الموقوفة أو المرسلة علة في الطريق المرفوعة أو الموصولة خلافًا لمن زعم ذلك " (٣).
فالخلاصة أن جمهور الأصوليين من المتأخرين قبلوا الزيادة، وقدموها على من تركها، وهذا وفق القاعدة الأصولية:"من حفظ حجة على من لم يحفظ"،وهو الذي نص عليه ابن الصلاح (٤).
_________________
(١) الإبهاج في شرح المنهاج ٢/ ٣٤٦.
(٢) مذكرة أصول الفقه ص١٣٥.
(٣) مذكرة أصول الفقه ص١٣٦ - ١٣٧.
(٤) انظر مقدمة ابن الصلاح ص٥٩.
[ ٢٠٥ ]