يعد التفرد من أهم الموضوعات التي أولاها النقاد اهتمامهم، إذ هو من أهم الوسائل لكشف الأوهام والأخطاء التي قد يقع فيها الرواة.
والتفرد: هو ما يقول فيه المحدثون النقاد:" حديث غريب "، أو " تفرد به فلان "، أو " هذا حديث لا يعرف إلاّ من هذا الوجه" أو"لا نعلمه يروى عن فلان إلاّ من حديث فلان" (٢).
قال الحافظ ابن منده: " الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزًا فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سمى مشهورًا " (٣).
وإطلاق الغريب على ما تفرد به الراوي ولم يشاركه فيه غيره مذهب جمهور المحدثين ومنهم من غاير بينهما ورجح الحافظ ابن حجر ترادفهما لغة واصطلاحًا (٤).
والفرد قسمان: فرد مطلق: وهو ما كانت الغرابة في أصل السند أي: في الموضع
_________________
(١) مقدمة تحقيق الفوائد المجموعة للإمام الشوكاني ص٨ - ٩.
(٢) الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص١٤.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ٢٧٠.
(٤) انظر نزهة النظر ص٢٨.
[ ٤٢ ]
الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه وهو طرفه الذي فيه الصحابي" (١).
والفرد النسبي: سمي نسبيًا لكون التفرد منه حصل بالنسبة إلى شخص معين وإن كان الحديث في نفسه مشهورًا (٢).
والتفرد النسبي: كما قسمه علماء المصطلح: إما أنْ يكون تفرد شخص عن شخص، أو تفرد شخص عن أهل بلد، أو تفرد أهل بلد عن شخص، أو تفرد أهل بلد عن أهل بلد، وقد مثل العلماء لكل واحدة فيها (٣).
وتعرف الأفراد بجمع الطرق وضم النظير إلى نظيره والشبه إلى شبهه، وحينئذٍ تعرف الأفراد.
وهذا ما يسميه علماء المصطلح بالاعتبار وهو: " أنْ يأتي إلى حديث بعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من الرواة ويسبر طرق الحديث ليعرف هل شاركه في ذلك الحديث
راوٍ غيره فرواه عن شيخه أو لا؟ فإن لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه فرواه عمن روى عنه؟ وهكذا إلى آخر الإسناد وذلك المتابعة. فإن لم يكن فينظر هل أتى بمعناه حديث آخر وهو الشاهد فإن لم يكن فالحديث فرد فليس الاعتبار قسيمًا للمتابع والشاهد بل هو: هيئة التوصل إليهما " (٤).
وعقب الحافظ ابن حجر على قول الحافظ ابن الصلاح: " معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد " (٥) بقوله:" قد يوهم أنَّ الاعتبار قسيم لهما وليس كذلك، بل هو هيئة التوصل إليهما " (٦).
والذي استقر عليه المتأخرون في مفهوم التفرد وشاع عندهم أنَّ التفرد يقبل إذا كان من ثقة، ويرد إذا كان من ضعيف، وما كان بينهما يتحسن وقد وضحه ابن الصلاح بقوله:" إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى
_________________
(١) نزهة النظر ص٢٨ بتصرف يسير.
(٢) نزهة النظر ص ٢٨.
(٣) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٠٣ و٧٠٧ وعلل الحديث، محمد محمود سليمان ص٣٤٦.
(٤) تدريب الراوي ١/ ٢٠٢ وانظر نزهة النظر، ابن حجر ص ٥٣ - ٥٤.
(٥) مقدمة ابن الصلاح ص٧٤.
(٦) نزهة النظر ص٥٤.
[ ٤٣ ]
منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذًا مردودًا، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له مزحزحًا له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر " (١).
ومن يتتبع صنيع الأئمة المتقدمين في تعليلهم لأحاديث الثقات يرى أنهم يصرحون بذلك فيقولون لك مثلًا: انفرد به مالك ولم يتابع؟ أو أخطأ فيه شعبة إذ رواه موصولًا والجماعة رووه ولم يتابع على وصله، من يتتبع كل ذلك يجد أنَّ الإمام ابن الصلاح ومن نحا نحوه في مفهوم التفرد قد ضيقوا واسعًا، وتحدث عن جزئية من جزئيات التفرد،
فمقاييس القبول أو الرد في الأفراد ليست أحوال الرواة كونهم ثقات أو ضعفاء، بل هناك قرائن تدلل علىكون أفراد الثقات تقبل هنا، وترد هناك، وإلا لأصبح قيد انتفاء الشذوذ والنكارة في حد الحديث الصحيح من قبيل اللغو!، والذي حدا بالحافظ ابن الصلاح أن يقول ذلك هو: أنَّ المتأخرين يتعاملون مع الأسانيد مجردة عن المتون - غالبًا - إذ فصلوا الأسانيد عن المتون، وأصبح تصحيحهم الحديث يعتمد على صحة السند، وهذا خلاف منهج الأئمة المتقدمين (٢).
يقول الحافظ ابن رجب في توضيح هذه المسألة:" وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإنْ لم يرو الثقات خلافه: (إنه لا يتابع عليه) ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلاّ أنْ يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه " (٣).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص٧٦.
(٢) انظر الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين، المليباري ص ١٩.
(٣) شرح العلل ٢/ ٥٨٢.
[ ٤٤ ]
فالمتقدمون يعلون الأحاديث التي ينفرد بها الراوي ولو كان ثقة، إذا كان هذا الحديث ليس معروفًا عندهم.
يقول الإمام أبو داود السجستاني: " والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث إلاّ أنَّ تمييزها لا يقدر عليه كل الناس والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًا " (١).
وهكذا ندرك أنَّ الأئمة المتقدمين يكرهون الأفراد ولو كان من ثقة خاصة إذا كانت تلك الأفراد لا يعرفها المعرفون: قال عبد الله بن المبارك:"العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا - يعني المشهور -" (٢).
وروى الإمام الزهري عن علي بن الحسين القول: " ليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن " (٣).
وقال الإمام مالك: "شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس " (٤).
،وقال الإمام أحمد:"لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء " (٥).
والتفرد إما أنْ يكون في الطبقات المتقدمة كطبقة الصحابة الكرام أو كبار التابعين وهذا لا يضر لقرب الراوي من مصدر الحديث، وعدم تشعب الطرق إليه من ناحية، ولعدالة وضبط الصحابة الكرام وكبار التابعين لقربهم من أنفاس النبوة من ناحية أخرى، اللهم إلاّ إذا ثبتت مخالفة فيفزع حينئذٍ إلى القرائن.
وأما إذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة - من بعد التابعي - فإن التفرد هنا يضر وخاصة إذا لم يعرفه المعرفون، ولم يحفظه في مدونات الرواية.
_________________
(١) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص٢٩.
(٢) شرح العلل ٢/ ٦٢٣.
(٣) شرح العلل ٢/ ٦٢٣.
(٤) سبق.
(٥) شرح العلل ٢/ ٦٢٣.
[ ٤٥ ]
كما مر من قول أبي داود، وكما قال أبو حاتم الرازي: "فأين هو في روايات سفيان " (١)؟
وهذا التفرد الأخير قسمه علماء المصطلح إلى: تفرد مطلق: وهو كما قال الحاكم النيسابوري: " أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة، ومثال ذلك: ما حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي - ﷺ - بعث سرية إلى نجد فبلغت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا فنفلنا النبي - ﷺ - بعيرًا بعيرًا "، قال الحاكم تفرد به سفيان بن عيينة عن الزهري وعنه أحمد بن شيبان الرملي " (٢).
وإلى تفرد نسبي: كأن يتفرد به أهل مدينة واحدة عن الصحابي، قال الحاكم: ومثال ذلك ما حدثناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى قال: حدثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ قال: حدثنا علي بن حكيم قال: حدثنا شريك عن أبي الحسناء عن الحكم بن عتيبة عن حنش قال:" كان علي - ﵁ - يضحي بكبشين، بكبش عن النبي - ﷺ -، وبكبش عن نفسه، وقال: كان أمرني رسول الله - ﷺ - أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه أبدًا ". قال الحاكم: تفرد به أهل الكوفة من أول الإسناد إلى آخره لم يشركهم فيه أحد " (٣). أو أنْ يتفرد بها أهل بلد عن أهل بلد آخر.
قال الحاكم:"وهذا نوع يعز وجوده وفهمه، ومثال ذلك: ما حدثناه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا موسى بن سهل بن كثير قال: حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء عن ابن أشوع عن الشعبي عن وراد قال:"كتب معاوية بن أبي سفيان إلى المغيرة اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - فكتب إليه:" أنه كان ينهى عن قيل وقال وكثره السؤال وإضاعة المال ". قال الحاكم: سعيد بن عمرو بن أشوع شيخ من ثقات الكوفيين يجمع حديثه ويعز وجوده وليس هذا الحديث عند الكوفيين عنه إنما ينفرد به أبو المنازل خالد بن مهران الحذاء البصري عنه" (٤).
_________________
(١) انظر علل ابن أبي حاتم ١/ ٩٢
(٢) معرفة علوم الحديث ص٩٩.
(٣) معرفة علوم الحديث ص٩٦ - ٩٧.
(٤) معرفة علوم الحديث ص١٠٠.
[ ٤٦ ]
الفصل الأول