المثال الأول: مثل أولًا بحديث:"تربتها طهورًا " (٢)،ومر بيان ذلك في أمثلة الخطيب.
المثال الثاني: قال:"مثاله ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -:" أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين "،فذكر
أبو عيسى الترمذي أن مالكًا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين وروى عبيد الله بن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن بن عمر دون هذه الزيادة فأخذ بها
_________________
(١) جامع الترمذي حديث (١١٠١).
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٨.
[ ١٨٥ ]
غير واحد من الأئمة واحتجوا بها منهم الشافعي وأحمد ﵃ والله أعلم" (١).
أقول: لم يتفرد الإمام مالك بهذه الزيادة أصلًا فقد تابعه جمع من الثقات، وهم:
١ - عمر بن نافع مولى ابن عمر: أخرجه البخاري في الصحيح (١٥٠٣)،والنسائي ٥/ ٤٨، وفي الكبرى ٢/ ٢٥ برقم (٢٢٨٧)،وابن حبان ٨/ ٩٦،والدارقطني ٢/ ١٣٩،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٢.
٢ - الضحاك بن عثمان: أخرجه مسلم في ٢/ ٦٧٨ (٩٨٤)،وابن خزيمة في الصحيح ٤/ ٨٣، وابن حبان في صحيحه ٨/ ٩٥،والدارقطني ٢/ ١٣٩،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٢.
٣ - عبد الله بن عمر العمري: أبو داود (١٦١٢)،والدارقطني ٢/ ١٤٠ و١٤٤،والحاكم في المستدرك ١/ ٥٦٩.
٤ - عبيد الله بن عمر العمري: أخرجه أبو داود (١٦١٢)،وأحمد ٢/ ٦٦ و١٣٧،والدارقطني ٢/ ١٣٩، والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٦.
٥ - أيوب السختياني: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٣٩.
٦ - يونس بن يزيد: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٣٩.
٧ - كثير بن فرقد: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠،والبيهقي ٤/ ١٦٢.
٨ - عبد الله بن عمر ومالك-كلاهما-أخرجه ابن الجارود، في المنتقى ٢/ ٩٧،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٣.
٩ - ابن أبي ليلى: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠.
١٠ - المعلى بن إسماعيل: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠.
فهؤلاء جميعًا تابعوا مالكًا في حديثه، بل الصواب أنّ مالكًا قد تابعهم كما صنع البخاري إذ قدم رواية عبيد الله بن نافع على رواية مالك بن أنس.
وحري بي أن أنبه إلى أنّ الحافظ ابن رجب الحنبلي وهو من الذين يشترطون القرائن لقبول الزيادة -كما سيأتي- لما رد على من يزعم أن الإمام أحمد بن حنبل يقبل الزيادة مطلقًا، لم يتكلم على خطأ المثال أصلًا، وإنما إكتفى بنفي ذلك، أو بتأويله، فأردت إتمام الفائة ههنا، فمثلًا:
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٨.
[ ١٨٦ ]
١ - قال في شرحه لعلل الترمذي ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣:"وقال أحمد أيضًا: في حديث ابن فضيل عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية عن عائشة - ﵁ - في تلبية النبي - ﷺ - وذكر فيها:"والملك لا شريك لك ".قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة إنما تعرف عن ابن عمر".أقول: ذكر ابن رجب هذا المثال في معرض الاستدلال على أنّ الإمام أحمد لا يقبل الزيادة؟
أقول: هذا المثال ليس من قبيل زيادة الثقة لأنّ محمد بن فضيل لم يتفرد به بل قد توبع، تابعه ابن نمير وغيرهُ كما قال ابن رجب نفسه نقلًا عن الخلال:"إنّ هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضًا عن الأعمش" (١).
وقال الزيلعي:" ليس ما ذكره من التلبية منقولًا باتفاق الرواة فقد روى حديث التلبية عائشة وعبد الله بن مسعود وليس فيه:"والملك لك لا شريك لك" (٢).
٢ - أورد ابن رجب حديث الإستسعاء في معرض كلامه عن منهج الإمام أحمد في زيادة الثقة فنقل عنه القول: " حديث أبي هريرة في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، أما شعبة وهمام فلم يذكراه ولا أذهب إلى الإستسعاء " (٣).
قال ابن رجب:"فالذي يدل عليه كلام أحمد في هذا الباب: أنّ زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرزًا في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان " (٤).
أقول: النص الذي ذكره عن الإمام أحمد لا يفهم منه ما قاله ابن رجب، فالإمام أحمد إنما أعل حديث سعيد بن أبي عروبة فحسب!.
وأما الحديث فقد روي: عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: " من أعتق شقيصًا من مملوكه فعليه خلاصه في ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى غير مشقوق عليه " (٥).
رواه عن قتادة (سعيد بن أبي عروبة وجرير بن حازم، وحجاج بن حجاج،
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٣.
(٢) نصب الراية ٣/ ٢٣.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٤.
(٤) مصدر سابق.
(٥) هذا لفظ البخاري.
[ ١٨٧ ]
وأبان بن موسى بن خلف).
فرواية سعيد بن أبي عروبة - بذكر الزيادة -أخرجها البخاري في صحيحه (٥٤٩٢ و٢٥٢٧) وكذا مسلم في الإيمان ١/ ١٢٨٧ - ١٢٨٨ (١٥٠٣)، وأبو داود (٣٩٣٨)، والترمذي (١٣٤٨).
وأخرجه البخاري من طريق جرير بن حازم (٢٥٠٤ و٢٥٢٦). وقال عقب حديث سعيد: " تابعه حجاج بن حجاج، وأبان بن موسى بن خلف عن قتادة اختصره شعبة " (١).
وجاء الحديث بدون الزيادة: أخرجه أبو داود (٣٩٣٩) من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وفي (٣٩٣٤) من طريق همام عنه به.
وأخرجه مسلم: الإيمان ٣/ ١٢٨٧ (١٥٠٢و١٥٠٣)،وأبو داود (٣٩٣٥) من طريق شعبة عن قتادة به.
وأخرجه أبو داود (٣٩٣٦) من طريق هشام بن عبد الله عن قتادة به.
وأخرجه الترمذي (١٣٤٨) من طريق أبان العطاردي عن قتادة به، وقال: حسن صحيح، وفي (٢٠٨١٥) من طريق همام -مرسلًا-.
وأخرجه أحمد ٢/ ٧٤ و٧٥ من طريق سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه -مرسلًا-.
أقول: لا يصح هذا المثال من وجهين:
الأول: أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد به بل تابعه جمهرة من العلماء الثقات.
كما قاله البخاري في صحيحه (٢٥٢٧)، فلا يصح المثال أن يمثل به في هذا الموضع.
الثاني: لأن الحديثين أحدهما مستقل عن الآخر:
الأول: يقول بالاستسعاء.
والآخر: يقول بخلافه وهو:"حديث همام وشعبة "،ونصه:
عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:"قال في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما قال يضمن ".فهذا من مختلف الحديث وليس من باب الزيادة.
_________________
(١) البخاري (٢٥٢٧).
[ ١٨٨ ]
٣ - مثال آخر: أورد الحافظ ابن رجب حديث:" ابن عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه "، في معرض كلامه عن منهج الإمام أحمد في قبول زيادة الثقة (١).
وأقول: أخرج أحمد ٢/ ١٥،وأبو داود (٣٢٦١)،و(٣٢٦٢)، والترمذي (١٥٣١)، والنسائي ٧/ ١٢ وابن ماجة (٢١٠٦) من طرق عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: " من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه".
قال الترمذي عقبه: "وفي الباب عن أبي هريرة قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفًا وهكذا روي عن سالم عن ابن عمر ﵄ موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه وأحيانًا لا يرفعه، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين فلا حنث عليه، وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ".
أقول:
أولًا: قول الإمام الترمذي"حسن"، يعني أن الحديث معلولًا عنده - كما سيأتي -.
ثانيًا: لم ينفرد به أيوب السختياني بل تابعه: كثير بن فرقد أخرجه النسائي ٧/ ٢٥،والحاكم ٤/ ٣٣٦، وأيوب بن موسى أخرجه ابن حبان ١٠/ ١٨٢ (٤٣٤٠)، وعبيد الله بن عمر العمري أخرجه الأصبهاني ٢/ ١٤٠، وحسان بن عطية أخرجه الخطيب، في تأريخه ٥/ ٨٨.
وأما عن شك أيوب السختياني في رفعه: فقال البيهقي:"أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه قال: حدثنا أبو محمد بن حيان قال: حدثنا عبدان قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد قال: قال حماد بن زيد: كان أيوب يرفع هذا الحديث ثم تركه، قال الشيخ: لعله إنما تركه لشك اعتراه في رفعه" (٢).
_________________
(١) شرح العلل ٢/ ٦٣٥.
(٢) في السنن الكبرى ١٠/ ٤٦، وانظر تلخيص الحبير، ابن حجر ٤/ ١٦٧، وتعليق استاذنا المشرف على الترمذي (١٥٣١).
[ ١٨٩ ]