الصحابة الكرام باعتبارهم بشرًا يتفاوتون في قابلية الحفظ، فأحدهم سريع الحافظة قويها، والآخر دون ذلك، كانوا يؤدون ما سمعوا من رسول الله - ﷺ -.
وكان بعضهم مكثرين من الرواية كأبي هريرة وأنس وجابر وعائشة، وبعضهم مقلين كبلال، وخالد بن الوليد، وغيرهما، ﵃ أجمعين.
وإنما أقلوا في روايتهم عن رسول الله - ﷺ - إما لانشغالهم في أمور ذات بالٍ تتعلق بقيام الإسلام كالجهاد والفتوحات، أو لخوفهم من الوقوع في الخطأ على رسول الله - ﷺ - إذا ما حدثوا الحديث. أو لاكتفائهم بالحفظة الضابطين الذين يحدثون الأحاديث.
وكان قسم منهم يقولون بعد تحديثه الحديث:" أو كما قال رسول - ﷺ - " (٢)، أو بعبارة مقاربة، كأن يقول: "أو قال .. "، على شك منه.
وهذا التحوط كله مندفع من عمق دينهم وتقواهم، لئلا يقعوا في الخطأ، فيقولوا على رسول الله ما لم يقل.
وهكذا كانت روايات التابعين لهم بإحسان، وتابعيهم، وهلمّ جرًا من الثقات المتقنين الذين لا يشك في ثقتهم وضبطهم.
وهكذا كانت الرواية الواحدة في المجلس الواحد تأخذ أكثر من لفظ، فكل صحابي يؤديها على حسب حفظه، فبعضهم يؤديها بلفظ هو اللفظ النبوي عينه، وبعضهم يرويها بالمعنى، لذا تجدك في بعض الأحيان تقف أمام حديث واحد في حادثة واحدة تروى بأكثر
_________________
(١) شرح العلل ٢/ ٦٢٤.
(٢) انظر صحيح البخاري (٦٠٢) و(١٤٦٥)،وصحيح مسلم (١٩١) و(٢٨٥). ونظائرها كثيرة لمن يتتبع.
[ ٢٣٩ ]
من خمسة أو ستة وجوه، أو أكثر من ذلك، فأحدهم يزيد لفظة والآخر ينقصها وهكذا.
وهذا كله يدور في فلك الرواية بالمعنى، وهذا الاختلاف لا يقدح في أصل الحديث، وكونه من المعصوم، لأن الاختلاف إنما يكون في معنى الكلمة لا في حكم الحديث، أي فيما لا يترتب عليه آثار من حلة أو حرمة، أو ثواب أو عقاب فمثلًا قوله " يلج النار "، " دخل النار "، " هو في النار "، " مآله النار "، فإنها كلها تؤدي المعنى نفسه ولكن اللفظ متباين وسنذكر لذلك مثالًا توضيحيًا:-
" جاء رجل من الأعراب فدخل مسجد النبي - ﷺ - والرسول - ﷺ - جالس مع أصحابه فدخل ثم رفع ثوبه في طرف المسجد فبال في طرف المسجد فغضب الصحابة فهون عليهم رسول الله - ﷺ - الأمر ثم قال لا تزرموه: يعني لا تقطعوا عليه بوله ثم أريقوا عليه دلوًا من الماء فأريق عليه ". هذه رواية واحدة في ساعة، واحدة لرجل واحد، رواها أكثر من صحابي فلو حاولنا جمع طرقها من بعض المواضع في مصنفات السنة لوجدنا اختلافًا في ألفاظها، فقد جاءت مثلا:- عن أنس بن مالك - ﵁ - أخرجه البخاري (٦٠٢٥) قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه ".
وعنه في صحيح البخاري (٦١٣٨) قال: قال رسول الله - ﷺ -: " دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء، أو سجلًا من ماء ".
وعنه في صحيح مسلم ١/ ٢٣٦ (٢٨٤): قال: " دعوه لا تزرموه. قال فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه ".
وعنه في صحيح مسلم أيضًا ١/ ٢٣٦ (٢٨٤): قال: " فصاح به الناس فقال رسول الله: دعوه فلما فرغ أمر رسول الله - ﷺ - بذنوب فصب على بوله ".
وعنه في صحيح مسلم أيضًا ١/ ٢٣٦ (٢٨٥): قال: " لا تزرموه دعوه فتركوه، حتى بال ثم إن رسول الله - ﷺ - دعاه فقال له:" إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من
هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله - ﷺ - قال فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه ".
وفي البخاري (٣٦٣٣) عن أبي هريرة قال:" قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي - ﷺ -: دعوه وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
[ ٢٤٠ ]
وفي البخاري (٦١٢٨) عنه قال:" أن أعرابيًا بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله - ﷺ -: دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء أو سجلًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
وفي سنن أبي داود (٣٨٠) عن أبي هريرة:" أن أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس فصلى قال ابن عبدة ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فقال النبي - ﷺ -: لقد تحجرت واسعًا "، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي - ﷺ - وقال:" إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلًا من ماء - أو قال - ذنوبًا من ماء ".
وفي جامع الترمذي (١٤٧) عن أبي هريرة قال: " دخل أعرابي المسجد والنبي - ﷺ - جالس فصلى فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فالتفت إليه النبي - ﷺ - فقال: " لقد تحجرت واسعًا ". فلم يلبث أن بال في المسجد فأسرع إليه الناس فقال النبي - ﷺ -: " أهريقوا عليه سجلًا من ماء أو دلوًا من ماء ثم قال إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ".
هذه بعض الطرق ولو تتبعنا الطرق الأخرى لوجدناها بنحو هذه الصورة.
ففي هذا الحديث "نجد أن الرواة نقلوا ما قاله رسول الله - ﷺ - بالمعنى ولم ينقلوا ألفاظه كما نطق بها، فهذه الروايات تذكر أنه قال: " دعوه لا تزرموه، أو: اتركوه أو: لا تزرموه، فقط، أو: دعوه، فقط، أو: لا تزرموه دعوه، فقط، ومعلوم أن الرسول لم ينطق بجميع هذه الكلمات التي وردت في الروايات في ذات اللحظة لكنه نطق بأحدها، ونقلها الرواة بالمعنى لا بلفظ الرسول - ﷺ - كما نطق به ". (١)!!
وهكذا نعلم أن الرواية في عهد الصحابة ومن بعدهم كانت في الأغلب الأعم بالمعنى، وهذا القول لا ينفي أن تشمل الروايات المتعددة على كثير من الألفاظ المتفق عليها فإن وجود الألفاظ المتفق عليها أمر طبيعي، بل كان من الصحابة من يتشدد في الرواية باللفظ حتى أنه كان لا يقبل الرواية بالمعنى فقد جاء عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله - ﷺ -:" مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين ". فقال ابن عمر: " ويلكم لا تكذبوا على رسول الله إنما قال رسول الله - ﷺ -: " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين
_________________
(١) مقاييس نقد متون السنة ص٢١.
[ ٢٤١ ]
الغنمين"،فاعتبر تغير لفظة (العائرة) إلى (الرابضة) كذبًا (١). فقال عبد الله بن عبيد بن عمير لابن عمر: " هي واحدة إذا لم تجعل الحرام حلالًا والحلال حرامًا فلا يضرّك إن قدمت شيئًا أو أخرته فهو واحد ". (٢)
أقول: إننا لا نعني من قولنا:" يروون بالمعنى "، أن الصحابة - ﵃ - كانوا يعدلون عن اللفظة النبوية إلى لفظة أخرى؟ لا وإنما كانوا يحدثون بالألفاظ التي كانوا يعتقدون أن النبي قال بها ثم هم يتسامحون ويتساهلون في الألفاظ التي لا تغير المعنى، أما إذا حفظوا اللفظ النبوي فإنهم لا يعدلون عنه.
قيل لإبراهيم- النخعي-:" إنّا نسمع منك الحديث فلا نستطيع أن نجيء به كما سمعناه؟ قال: أرأيتك إذا سمعت تعلم انه حلال من حرام؟ قال: نعم قال فهكذا كل ما نحدث ". (٣)
قال الإمام الشافعي: " وقد قال بعض التابعين لقيت أناسًا من أصحاب رسول الله فاجتمعوا في المعنى واختلفوا علي في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك فقال: لا بأس ما لم يحل المعنى، قال الشافعي: فقال ما في التشهد إلا تعظيم الله وأني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعًا وأن لا يكون الاختلاف فيه إلا من حيث ذكرت ومثل هذا كما قلت يمكن في صلاة الخوف فيكون إذا جاء بكمال الصلاة على أي الوجوه روي عن النبي أجزأه إذ
خالف الله بينها وبين ما سواها من الصلوات ولكن كيف صرت إلى اختيار حديث ابن عباس عن النبي في التشهد دون غيره " (٤).
وقال الإمام الترمذي في معرض الحديث عن الرواية بالمعنى:" فأما من أقام الإسناد وحفظه وغير اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى، حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم. حدثنا يحيى بن موسى قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن
_________________
(١) انظر الكفاية، ص١٧٣، ومقاييس نقد متون السنة ص ٢١، وهذا لا يعني أن - ابن عمر - لم يرو بالمعنى! ولكن هذا من تشدده، وإلا فإنه يروي مثل ذلك.
(٢) مصدر سابق.
(٣) المحدث الفاصل، الرامهرمزي ص ٥٣٤.
(٤) الرسالة ١/ ٢٧٥.
[ ٢٤٢ ]
محمد بن سيرين قال: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون، قال: كان إبراهيم النخعي، والحسن، والشعبي يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه. حدثنا علي بن خشرم قال: أخبرنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، قال: قلت لأبي عثمان النهدي: إنك تحدثنا بالحديث ثم تحدثنا به على غير ما حدثتنا؟ قال: عليك بالسماع الأول. حدثنا الجارود قال: حدثنا وكيع، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: إذا أصبت المعنى أجزأ. حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سيف -هو ابن سليمان - قال: سمعت مجاهدًا يقول: أنقص من الحديث إن شئت، ولا تزد فيه. حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث قال: أخبرنا زيد ابن حباب عن رجل قال: خرج إلينا سفيان الثوري فقال: إن قلت لكم أنا أحدثكم كل ما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. أخبرنا الحسن بن حريث قال: سمعت وكيعًا يقول: إن لم يكن المعنى واسعا، فقد هلك الناس.
قال أبو عيسى: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم " (١).
وقال السيوطي: " وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف منهم الأئمة الأربعة: يجوز بالمعنى في جميعه، إذا قطع بأداء المعنى لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن مندة في معرفة الصحابة والطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن سليمان بن أكثمة الليثي، قال: قلت:
يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك، يزيد حرفًا أو ينقص حرفًا، فقال: " إذا لم تحلوا حرامًا، ولم تحرموا حلالًا، وأصبتم المعنى فلا بأس ". فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا. واستدل لذلك الشافعي بحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه". قال: وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف علمنا منه بأن الكتاب قد نزل لتحل لهم قراءته، وإن اختلف لفظهم فيه مالم يكن اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز
_________________
(١) العلل آخر الجامع ٥/ ٧٠١.
[ ٢٤٣ ]
فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه، وروى البيهقي عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا له: يا أبا الأسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول الله - ﷺ - ليس فيه وهم ولا مزيد ولا نسيان فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئًا؟ فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جدًا إنا لنزيد الواو والألف وننقص قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم، لا تألونه حفظًا، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله - ﷺ - عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى ". (١)
وقال الحافظ ابن حجر:" فالمقطوع به أن النبي - ﷺ - لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: أن النبي - ﷺ - قال لفظًا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى " (٢).
ومثلما قبل العلماء رواية الحديث بالمعنى من الصحابة قبلوه من التابعين فمن دونهم ما دام اللفظ يعطي المعنى ذاته ولا يؤثر على حكم شرعي في الحديث.
وبالتأكيد إذا قبلت رواية الحديث بالمعنى فإن مباني المعاني قد تتغير في الصورة وعدد الكلمات زيادة ونقصًا، فإذا قلنا مثلًا: " دخلت " هي أقل مما أقول: " دخلت أنا وزيد "، فحينما يروى مثلًا:" جاء رسول الله فدخل المسجد وصلى "، وأخر يرويه:" بينا رسول الله يصلي في المسجد "، هي أقل بعدد الحروف أو الكلمات، ولكنها لا تعطي حكمًا جديدًا، أو تحل حرامًا أو تحرم حلالًا؟
فالرواية بالمعنى مقبولة، شريطة أن تكون اللفظة لا تؤثر على الحكم فإن أثرت فهذا الذي نتوقف فيه ونختبره، وبصورة عامة: اختلاف ألفاظ الحديث وزيادة الرواة بعضهم على بعض تدور في أمور:
أولًا - الرواية بالمعنى: كما فصلنا القول فيها سلفًا.
ثانيًا - الإدراج: وهو أن يدخل الراوي كلامه على أصل كلام المروي عنه، متصلًا به غير منفصل بذكر قائله، بحيث يلتبس على من لم يعرف الحال، فيتوهم أن
_________________
(١) تدريب الراوي ٢/ ٩٩.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٠٩ - ٨١٠.
[ ٢٤٤ ]
الجميع من ذلك الأصل المروي (١).
فالتحديث عادة يكون في مجلس علم فيه شيخ وتلميذ أو تلاميذ، فيحدث الراوي (الشيخ) الحديث على طلابه فيحاول أن يفهمهم لفظه فيفسرها لهم أثناء الحديث فيقول مثلًا في معرض كلامه عن (الأقط): وهو اللبن المجفف (٢)، فيظن السامع أن عبارة "وهو اللبن المجفف" من كلام النبوة، فيكتبه الطلاب نحو ما سمعوا ويحفظونه بهذا الإدراج.
ثم يرويها السامعون، والتلامذة نحو ما سمعوها أمانة، وينتقل الأدراج من طبقة إلى طبقة، وقد يروي الشيخ حديثًا لطلابه، وفي معرض كلامه يقول: فقال رسول الله، ثم يدخل رجل فيقول له الشيخ: اجلس، فيظن الطلاب أنه من كلام النبوة فيكتبون: اجلس وينتقل الوهم هكذا.
ومثّله الحاكم فقال: " ومثال ذلك ما حدثناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: انبأنا عمر بن حفص السدوسي قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي، وحدثني أن عبد الله أخذ بيده وأن
رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة وقال: " قل التحيات لله والصلوات فذكر التشهد. قال: فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد ". قال الحاكم هكذا رواه جماعة عن زهير وغيره عن الحسن بن الحر وقوله: " إذا قلت ": هذا مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود فإن سنده عن رسول الله - ﷺ - ينقضي بانقضاء التشهد.
والدليل عليه ما حدثناه علي بن حمشاذ العدل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن غزير قال: حدثنا غسان بن الربيع قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي وأخذ عبد الله بيد علقمة وأخذ النبي - ﷺ - بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة وقال: " قل التحيات لله فذكر الحديث إلى آخر التشهد". فقال: قال عبد الله بن مسعود:" إذا فرغت من هذا فقد قضيت
_________________
(١) انظر معرفة علوم الحديث ص٣٩، ومقدمة ابن الصلاح ص٢٠٨ ومقاييس نقد متون السنة ص١٣٤.
(٢) انظر النهاية في غريب الحديث، ابن قتيبة ١/ ٥٧.
[ ٢٤٥ ]
صلاتك فإن شئت فاقعد وإن شئت فقم" (١).
ومثل الخطيب البغدادي لمدرج الصحابي بمثال آخر فقال: " أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد ابن غالب الفقيه الخوارزمي المعروف بالبرقاني قال: قرأت على أبي القاسم ابن النخاس: أخبركم محمد بن إسماعيل بن علي قال: أخبرنا بندار قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال:" نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها ". المسؤول عن صلاح الثمرة والمجيب بقوله: حتى تذهب عاهتها ليس هو النبي - ﷺ -، وإنما هو عبد الله بن عمر بين ذلك مسلم بن إبراهيم الأزدي ومحمد بن جعفر غندر في روايتهما هذا الحديث عن شعبة .. " (٢).
ومن صور الإدراج: اللحن، وهو أن يروي الشيخ لفظة فيلحن بها ثم يؤديها التلميذ بلحنها كما سمعها.
فعن أشعث قال: " كنت أحفظ عن الحسن وابن سيرين والشعبي، فأما الحسن والشعبي فكانا يأتيان بالمعنى، وأما ابن سيرين فكان يحكي صاحبه حتى يلحن كما يلحن ". (٣)
وربما نبه الراوي على خطأ اللفظة ولكنه يثبتها كما جاءت مثلما أخرج الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٧٥ بسنده عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: " خيرت بين الشفاعة أو أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمتلوثين الخطاؤون ". قال زياد - أحد الرواة -: أما إنها لحن ولكنها هكذا حدثنا الذي حدثنا. (٤)
فإذا وجدت هكذا لفظة مدرجة فلا تعد زيادة ثقة ولو انفرد بها راوٍ عن بقية الرواة وقد تساهل علماؤنا سلفًا وخلفًا بهذه الزيادة، وقبلوها ما دامت لا تختلط على
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ٣٩ - ٤٠، وانظر الفصل للوصل المدرج في النقل، الخطيب البغدادي ١/ ١٠٢.
(٢) الفصل للوصل المدرج ١/ ١١٦.
(٣) الكفاية ص ١٨٦، وانظر مقاييس نقد متون السنة ص ١٣٤.
(٤) الحديث ضعيف فيه رجل مبهم، انظر بحثنا (الشفاعة في الحديث النبوي) ص١٨٩، وللمزيد انظر الكفاية ص١٨٦.
[ ٢٤٦ ]
السامعين فإذا حصل مثل ذلك وجب التنبيه عليها وفصلها عن المتن ومثاله:
ما أخرجه البخاري (٦٦٩٨) فقال: "حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي - ﷺ - في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها فكانت سنة بعد".
قال الحافظ العسقلاني: " قوله في آخر الحديث في قصة سعد بن عبادة فكانت سنة بعد أي صار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبًا أو ندبًا ولم أر هذه الزيادة في غير رواية شعيب عن الزهري فقد أخرج الحديث الشيخان من رواية مالك والليث، وأخرجه مسلم أيضا من رواية ابن عيينة ويونس ومعمر وبكر بن وائل والنسائي من رواية الأوزاعي والإسماعيلي من رواية موسى بن عقبة وابن أبي عتيق وصالح بن كيسان كلهم عن الزهري بدونها وأظنها من كلام الزهري ويحتمل من شيخه وفيها تعقب على ما نقل عن مالك لا يحج أحد عن أحد واحتج بأنه لم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله - ﷺ - أنه حج عن أحد ولا أمر به ولا أذن فيه، فيقال لمن قلد قد بلغ ذلك غيره وهذا الزهري معدود في فقهاء أهل المدينة وكان شيخه في هذا
الحديث وقد استدل بهذه الزيادة ابن حزم للظاهرية ومن وافقهم في أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات ". (١)
قلت: روى الحديث عن الزهري جماعة من الحفاظ لم يرووا هذه الزيادة - كما قال الحافظ ابن حجر فقد رواه:
- سفيان بن عيينة: أخرجه الطيالسي ١/ ٣٥٥ (٢٧١٨)، والحميدي ١/ ٢٤١ وأحمد ١/ ٢١٩، ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٦)، والنسائي ٦/ ٢٥٤، وفي الكبرى ٣/ ١٣٧ (٤٧٥٩)، و٤/ ١١١ (٦٤٨٧ و٦٤٨٨)،،وابن ابي شيبة ٧/ ٢٨٤ (٣٦١٢٠)، وأبو يعلى ٤/ ٢٧١ (٢٣٨٣).
- والليث بن سعد: أخرجه البخاري (٦٩٥٩) ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٧)، والترمذي (١٥٤٦)، والنسائي ٦/ ٢٥٤ و٧/ ٢١، وفي الكبرى ٣/ ١٣٧ (٤٧٦٠)، و٤/ ١١١ (٦٤٨٩)، وابن ماجه (٢١٣٢)،، و٤/ ٦ (٥٨٣٢)،
_________________
(١) الفتح ١١/ ٧١٦.
[ ٢٤٧ ]
والبيهقي ٦/ ٢٧٨ والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٦).
- مالك بن أنس: أخرجه البخاري (٢٧٦١)، ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)،وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٧) والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٥).
- والأوزاعي: أخرجه أحمد ١/ ٣٢٩،والنسائي ٦/ ٢٥٣،وفي الكبرى ٤/ ١١٠ (٦٤٨٤) و٤/ ١١١ (٦٤٨٥و ٦٤٨٦).
- وبكر بن وائل: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٦ (٥٨٢٩)،والنسائي ٦/ ٢٥٤ و٧/ ٢١، وفي الكبرى ٤/ ١١٢ (٦٤٩٠).
- معمر بن راشد: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)،وابو عوانة ٤/ ٦ (٥٨٢٨)، والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٤).
- عبدة بن سليمان: أخرجه النسائي ٧/ ٢٠.
- يونس بن يزيد الأيلي: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨).
وأخرجه البخاري (٦٦٩٨) بزيادة - فكانت سنة بعد - من طريق شعيب عن الزهري، والبيهقي ٦/ ٢٧٨ بها، وقد عدها البعض أدراجًا.
أقول: لم ينفرد شعيب بها - كما قيل - بل تابعه عبيد الله بن أبي زياد الرصافي، وهو صدوق، كما قاله ابن حجر في التقريب (٤٢٩١) أخرجه الطبراني في الكبير ٦/ ١٨ (٥٣٦٧)، وقال محمد بن يحيى الذهلي في ترجمة عبيد الله بن أبي زياد الرصافي: " لم أعلم له رواية غير ابن ابنه يقال له الحجاج بن أبي منيع، أخرج إلي جزءًا من أحاديث الزهري فنظرت فيها، فوجدتها صحاحًا فلم أكتب منها إلا قليلًا " (١).
على أننا نذهب إلى ما ذهب إليه الحافظ إبن حجر في قوله: إن هذه العبارة هي من المدرج إما من كلام الزهري، أو من كلام شيخه، وللبخاري إدراجات معروفة، لأنه يعنى بالحكم منفصلا عن الرواية (٢).
وقد يدرج لفظ في متن الحديث لتفسير معنى ما ومثاله:
قال البخاري (١٩٠٩): حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال النبي - ﷺ - أو قال: قال أبو القاسم - ﷺ -:" صوموا
_________________
(١) تهذيب الكمال ٥/ ٣٥ (٤٢٢٣).
(٢) انظر ص٢٣٣ من هذا البحث.
[ ٢٤٨ ]
لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ".
قال ابن حجر: " وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة في هذه الزيادة أيضًا فرواها البخاري كما ترى بلفظ: فأكملوا عدة شعبان ثلاثين. وهذا أصرح ما ورد في ذلك وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه فعدوا ثلاثين أشار إلى ذلك الإسماعيلي ". (١)
وقال ابن الجوزي: " وهذا يجوز أن يكون من آدم رواه على التفقه من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه ومن بين سائر من ذكرنا ممن يرويه عن شعبة وجه" (٢).
ومن ذلك أيضا ما أخرجه البخاري (٦٥٠٥) فقال:" حدثني يحيى بن يوسف قال: أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:" بعثت
أنا والساعة كهاتين. يعني إصبعين تابعه إسرائيل عن أبي حصين". فهنا أدرجت لفظة: "يعني إصبعين "، وهي ليست من قول النبي - ﷺ -
ومن ذلك: ما أخرجه الإمام مسلم (١٦٧) فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث (ح)، وحدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: " عرض علي الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبكم، يعني نفسه، ورأيت جبريل ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبهًا دحية ". وفي رواية ابن رمح دحية بن خليفة ".
وفي (٣١٧) قال:" وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس عن ميمونة:" أن النبي - ﷺ - أتي بمنديل فلم يمسه وجعل يقول بالماء هكذا يعني ينفضه".
فهتان اللفظتان (يعني نفسه، يعني ينفضه) ليستا من قول النبي، وإنما أدرجتا في الحديث. فلا تعد مثل هذه الزيادات بين الأحاديث زيادة ثقة؟ ولو قلنا بذلك لفتحنا بابًا
_________________
(١) الفتح ٤/ ١٥٢.
(٢) أحاديث الخلاف، إبن الجوزي ١/ ٧٤.
[ ٢٤٩ ]
لا يُغلق، إلا ما شاء الله تعالى.
ثالثًا - الاقتصاص: وهو أن يروي حديثًا بلفظ ثم يأتي راوٍ آخر فيرويه بأطول من الأول أو أتم بزيادة حدث ما، أو واقعة معينة قصر عن ذكرها بقية الرواة.
فأحدهم يرويه دون ذكر القصة، والآخر يرويه ببعضها والثالث دونها. كل واحد من الرواة يرويه حسب ما يراه مناسبًا لحادثة أو لسبب ما.
لذا فإنك تجدك أمام نفس الراوي يزيد بروايته عند البخاري فيسرد قصة طويلة فيها حكاية ثم تجده عند مسلم يروي الرواية دونها أو دون بعضها.
وهذه كلها لا علاقة لها بزيادة الثقة التي نحن بصددها ذلك لأنها لا تتعلق بحكم شرعي أو بإثبات أمر أو نفيه، كأن يورد لنا مصنف حديث أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال: " . "، ثم يأتي آخر ويورد لنا نفس الحديث عن أنس بزيادة قصة: كأن يقول: دخلت على النبي في المسجد، فقال: " " الحديث، فهذه ليست من باب الزيادة
لأن الراوي (أنس) أو من دونه ربما حدّث به هنا لسبب ما، وتركه هناك لعدم وجود السبب.
ومثاله: ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (١٩٨) باب الطهارة، مختصرًا فاقتطع منه القدر الذي يناسب الطهارة، فقال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة قالت:" لما ثقل النبي - ﷺ - واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج النبي - ﷺ - بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس ورجل آخر قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بن عباس فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا، قال: هو علي. وكانت عائشة ﵂ تحدث أن النبي - ﷺ - قال بعد ما دخل بيته واشتد وجعه: " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس وأجلس في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ - ثم طفقنا نصب عليه تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن ثم خرج إلى الناس ".
ثم أورده في باب الأذان (٦٦٥) بما يناسب الاستئذان. فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال: قالت عائشة: " لما ثقل النبي - ﷺ - واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض، وكان بين العباس ورجل آخر. قال عبيد الله: فذكرت ذلك لابن عباس ما قالت عائشة، فقال لي: وهل تدري من الرجل
[ ٢٥٠ ]
الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا قال: هو علي بن أبي طالب ".
ثم في كتاب فرض الخمس (٣٠٩٩) مختصرًا جدًا مناسبًا للباب فقال: حدثنا حبان بن موسى ومحمد قالا: أخبرنا عبد الله: أخبرنا معمر ويونس عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - قالت:" لما ثقل رسول الله - ﷺ - استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له ".
وفي المغازي (٤٤٤٢) مطولًا، فقال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ - واشتد به وجعه استأذن
أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب، وكانت عائشة زوج النبي - ﷺ - تحدث: أن رسول الله - ﷺ - لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ - ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن قالت ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم".
وفي الطب (٥٧١٤) بما يناسبه، فقال: حدثنا بشر بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر ويونس، قالا: قال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ -، واشتد وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس وآخر". فأخبرت ابن عباس قال: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا، قال: هو علي. قالت عائشة فقال النبي - ﷺ - بعد ما دخل بيتها واشتد به وجعه:" هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلّي أعهد إلى الناس "، قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ -، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتنّ، قالت: وخرج إلى الناس فصلى لهم وخطبهم".
٢ - ومن أمثلته أيضا ما أخرجه مسلم ١/ ٣٦٨ (٥١٧) قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه أن عمر بن أبي سلمة أخبره قال:
[ ٢٥١ ]
رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في ثوب واحد مشتملًا به في بيت أم سلمة، واضعًا طرفيه على عاتقيه ".
وفي (٥١٧): حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم عن وكيع قال حدثنا هشام بن عروة بهذا الإسناد غير أنه قال:" متوشحا ولم يقل مشتملا ".
وفي (٥١٧) قال: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة قال:" رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في بيت أم سلمة في ثوب قد خالف بين طرفيه".
وأخرجه في ١/ ٣٦٩ (٥١٧) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وعيسى بن حماد قالا: حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمر بن أبي سلمة قال: " رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في ثوب واحد ملتحفًا مخالفًا بين طرفيه ". زاد عيسى بن حماد في روايته قال على منكبيه.
رابعًا - التقطيع - التبويب -:
وأعني به تقطيع الحديث الواحد حسب ما يراه المصنف مناسبًا فيرويه تارة تامًا في باب من أبواب مصنفه يحتاج إلى إيراده بهذه الصورة، ثم يأخذ منه قطعة في باب آخر لا يحتاج إلى إيراده بتمامه، ولمعرفة أصل الحديث الصحيح أمامنا طريقان:
الأول: أن نرجع إلى سياقة هذا الحديث في الكتب المرتبة على المسانيد، ومن أفضلها، مسند الإمام المبجل أحمد بن حنبل، على أن يكون هذا الإسناد موافقًا للإسناد الذي جاء في الكتب الأخرى أو صحيحًا مثل صحتها.
الثاني: هو العودة إلى صحيح الإمام مسلم لأن مسلمًا يجمع الطرق، ويقص الحديث مفصلًا، ومن هنا فضل المغاربة مسلمًا على البخاري، ونحن لا نوافقهم على ذلك قطعًا.
ومن أمثلة التقطيع البينة حديث جابر - ﵁ - في الحج، فنحن نعلم جيدًا أن هذا الحديث الطويل مما تفرد به جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي بن الحسين، المعروف بالباقر، عن جابر ابن عبد الله الأنصاري، ولا نعرف له طريقًا صحيحًا من غير هذا الطريق، وقد ساقه الإمام أحمد بتمامه في مسنده ٣/ ٣٢٠، وكذا الإمام مسلم ٤/ ٣٨ - ٤٣ (١٢١٨)، أما الإمام مالك فقد قطّعه إلى أربع قطع في الموطأ، فظهر وكأنه أربعة
[ ٢٥٢ ]
أحاديث، وذلك بحسب ما احتاج إليه في الموطأ من أبواب الحج، فذكر في باب " الرمل
في الطواف " (١٠٥٧)، قول جابر:" رأيت رسول الله - ﷺ - رمل من الحجر حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف ".
وذكر منه قطعتين صغيرتين في باب:" البدء بالصفا في السعي "، برقم (١٠٨٩و ١٠٩٠).
وذكر القطعة الرابعة منه في باب:" جامع السعي "، برقم (١٠٩٧).
وكذلك هو في الموطآت، مثل موطأ أبي مصعب الزهري حيث جاءت هذه القطع المذكورة في الأرقام (١٢٨١و١٣١١و١٣١٢و١٣١٤).
وكذلك هي في موطأ سويد بن سعيد إذ جاءت في الأرقام (٥٤١و٥٤٣و٥٤٤)، وهي أربعة أحاديث في الموطأ، وإن أعطى المحقق لحديثين الرقم (٥٤٣).
وحين تناول ابن عبد البر بيان أسانيد الموطأ في كتابه العظيم التمهيد عد ذلك أربعة أحاديث، لما رواه الإمام مالك عن جعفر بن محمد فقال: في ٢/ ٦٨ حديث أول لجعفر بن محمد، وقال في حديث ٢/ ٧٩حديث ثان لجعفر بن محمد مسند، وقال في ٢/ ٩١ حديث لجعفر بن محمد متصل، وقال في ٢/ ٩٣حديث رابع لجعفر بن محمد.
وهو في أصله قطع صغيرة من حديث جابر الطويل المعروف في صحيح مسلم.
وكذلك فعل أصحاب السنن المرتبة على أبواب الفقه، حيث قطعوا هذا الحديث حسب الأبواب التي احتاجوا إليها، فقد رواه (١):
أبو داود: (١٨١٣و١٩٣٦و٣٩٦٩).
الترمذي: (٨١٧ و٨٥٧ و٨٦٢ و٨٦٩ و٢٩٦٧).
ابن ماجه: (١٠٠٨و٢٩١٣و٢٩١٩و٢٩٥١و٢٩٦٠و٣١٥٨).
النسائي: ١/ ١٢٢و١٩٥و١٥٤و٢٠٨و٢٩٠،و٢/ ١٥و١٦،و٥/ ١٤٣و١٥٥و١٥٧و١٦٤ و١٧٦و٢٣٠و٢٣٦و٢٣٩و٢٤٠و٢٤٣و٢٤٤و٢٣٥و٢٤٠و٢٥٥و٢٦٥و٢٦٧و٢٧٤.
وابن خزيمة: (٢٦٠٣و٢٧٠٩و٢٧١٧و٢٧١٨و٢٧٥٦و٢٨١١و٢٨٥٣و٢٨٥٥و٢٨٥٨
و٢٨٩٠ و٢٨٩٢ و٢٩٢٤).
_________________
(١) انظر تفصيل الحديث في المسند الجامع ٤/ ٢٧ - ٤٥ (٢٤١٩).
[ ٢٥٣ ]
ومن المبرزين في هذا الأمر الإمام البخاري رحمه الله تعالى، إذ نقل الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي القول:
"وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك لأنه إن كان المتن قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا فإنه يعيده بحسب ذلك " (١).
ويوضح هذا الإمام النووي إذ يقول: " وأما تقطيع المصنفين الحديث الواحد في الأبواب فهو بالجواز أولى بل يبعد طرد الخلاف فيه وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم من أصناف العلماء، وهذا معنى قول مسلم ﵀: "أو أن يفصل ذلك المعنى " إلى آخره وقوله: " إذا أمكن " يعنى: إذا وجد الشرط الذي ذكرناه على مذهب الجمهور من التفصيل. وقوله:" ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيئة إذا ضاق ذلك أسلم " معناه: ما ذكرنا أنه لا يفصل إلا ما ليس مرتبطًا بالباقي، وقد يعسر هذا في بعض الأحاديث فيكون كله مرتبطا بالباقي أو يشك في ارتباطه ففي هذه الحالة يتعين ذكره بتمامه وهيئته ليكون أسلم مخافة من الخطأ والزلل والله أعلم " (٢).
ومن أمثلة ذلك:
١ - حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة - ﵃ - في مرض النبي - ﷺ -، إذ أخرجه البخاري من حديث الزهري نفسه، ولكنه قطعه على الأبواب بما يناسبها.
فأخرجه في (٤٤٣٩) عند باب: " مرض النبي ووفاته "، وفي (٥٠١٦)، " باب فضل المعوذات "، من طريق يونس عن الزهري، فقال: "حدثني حبان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة أن عائشة ﵂ أخبرته:" أن رسول الله - ﷺ - كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما
اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي - ﷺ - عنه ".
ثم أخرجه في (٥٠١٧) من طريق عقيل، باب" فضل المعوذات " فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن
_________________
(١) مقدمة الفتح ص ١٥.
(٢) شرح النووي ١/ ٤٩.
[ ٢٥٤ ]
عائشة أن النبي - ﷺ -:"كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات ". قلت: ولم يذكر فيه مرض النبي - ﷺ -.
وأخرجه في (٥٧٥١)، باب " المرأة ترقي الرجل "، وفي (٥٧٣٥) باب " الرقى بالقرآن والمعوذات"، من طريق معمر فقال: " حدثني عبد الله بن محمد الجعفي قال: حدثنا هشام قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂:" أن النبي - ﷺ - كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن فأمسح بيد نفسه لبركتها ".فسألت ابن شهاب: كيف كان ينفث؟ قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه".
وهنا اقتطع البخاري من الحديث ما يناسب الباب، وهو شرعية الرقية بالقرآن، وشرعية رقية المرأة للرجل.
ثم أخرجه (٦٣١٩)، باب " التعوذ والقراءة عند المنام "، من طريق عقيل فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب أخبرني عروة عن عائشة ﵂:" أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات ومسح بهما جسده ".
ثم أخرجه في (٧٥٤٨)، باب " النفث في الرقية "، من طريق يونس، فقال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثنا سليمان، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت
يداه من جسده، قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به ". قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه ".
وهنا اختار البخاري لفظة " يأمرني " لأنها تناسب عنوان الباب " النفث "، فأراد بيان سنة شرعية.
٢ - حديث محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن ابن عمر - ﵃ -، إذ أخرجه البخاري (٤٤٠٢و ٤٤٠٣)، باب حجة الوداع من طريق ابنه عمر، فقال: حدثنا
[ ٢٥٥ ]
يحيى بن سليمان قال: أخبرني ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد أن أباه حدثه عن ابن عمر ﵄ قال: " كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي - ﷺ - بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره وقال: ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته أنذره نوح والنبيون من بعده وإنه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس على ما يخفى عليكم، ثلاثًا، إن ربكم ليس بأعور وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ثلاثاُ ويلكم أو ويحكم انظروا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " (١).
وأخرجه البخاري في (٦٧٨٥)، " باب ظهر المؤمن حمى إلا في حدّ أو حق " من طريق ابنه الآخر واقد، فقال: " حدثني محمد بن عبد الله قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا عاصم بن محمد عن واقد بن محمد سمعت أبي قال: عبد الله قال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع: "ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا، قال: ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا، قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا قال: فإن الله ﵎ قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت؟،
ثلاثا، كل ذلك يجيبونه: ألا نعم، قال: ويحكم أو ويلكم لا ترجعن بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " (٢).
وأخرجه البخاري في (٦١٦٦): "باب ما جاء في قول الرجل "ويلك " من طريق واقد نفسه، فقال:" حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة عن واقد بن محمد بن زيد قال: سمعت أبي عن ابن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال:" ويلكم أو ويحكم ".- قال شعبة شك هو-:" لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ". وقال النضر عن شعبة: ويحكم، وقال عمر بن محمد عن أبيه:
_________________
(١) وأخرجه احمد٢/ ١٥٣، وأبو عوانة ١/ ٣٤ (٦٣)، و٤/ ١٠٢ (٦١٧٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٦٦و٦٨٦٨و٧٠٧٦)، ومسلم الإيمان (١١٩ و١٢٠) وابن أبي شيبة ٧/ ٤٥٥ (٣٧١٧٤)، وأبو عوانة ١/ ٣٤ (٦٢)، وأبو داود (٤٦٨٦)، والنسائي ٧/ ١٢٦ وفي الكبرى ٢/ ٣١٦ (٣٥٩٠)، وابن حبان ١/ ٤١٦ (١٨٧).
[ ٢٥٦ ]
ويلكم أو ويحكم ".
قلت: هنا اقتطع البخاري قطعة صغيرة من الحديث ما يناسب الباب الذي أورده تحته، ليثبت جواز قول: " ويلك ".
ثم أورده في (٦٨٦٨)، " باب قول الله تعالى: ومن أحياها "، من رواية واقد أيضًا، فاقتطع من الحديث ما يناسب الباب، ترهيبًا من قتل المسلم للمسلم، فقال:" حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال واقد بن عبد الله أخبرني عن أبيه سمع عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - قال:" لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
وكذا حينما أورده في (٧٠٧٦)، "باب قول النبي - ﷺ - لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض "، فقال: " حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة أخبرني واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".
فما يظهر من اختلاف في متون الأحاديث واقتطاع لها، إنما يجيء بسبب حاجة الإمام البخاري إلى قطعة من الحديث ليستدل بها، فضلًا عن اختلاف بين الرواة في سياقة الحديث بألفاظ مختلفة، كما قدمنا، فهذا كله ليس فيه في حقيقة الأمر زيادات لأنه في أصله حديث واحد.
٣ - وكذا ما أخرجه البخاري (٢٨٩٢)،كتاب الجهاد، باب " باب فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" (١)، فقال: حدثنا عبد الله بن نمير، سمع أبا النضر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ابن دينار، عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ".
وأخرجه في (٢٧٩٤) كتاب، " باب الغدوة والروحة في سبيل الله، وقاب قوس أحدكم من الجنة .. "فقال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد
_________________
(١) آل عمران آية ٢٠٠.
[ ٢٥٧ ]
- ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال:" الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها ".بلفظ مختصر يناسب الباب.
ثم أخرجه في (٣٢٥٠) كتاب بدء الخلق، باب "صفة الجنة وأنها مخلوقة ". فقال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال قال رسول الله - ﷺ -:" موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ".بلفظ مختصر يثبت أن في الجنة مكانًا، أي أنها مخلوقة.
ثم أخرجه في (٦٤١٥) كتاب، باب " مثل الدنيا في الآخرة " فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ". فجاء به أتم مما مضى في البابين الآخرين، بما يناسب عنوان الباب. وبعد هذا العرض الموجز لمسائل تتعلق بالإسناد والمتن ندخل إلى التطبيق العملي في صنيع الأئمة المتقدمين.
[ ٢٥٨ ]
الفصل الأول