المثال الأول: قال في الكفاية:"ومن الأحاديث التي تفرد بعض رواتها بزيادة فيها توجب زيادة حكم ما أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن محمد الأصبهاني الحافظ بنيسابور قال: أنبأنا أبو عمرو بن حمدان قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن سعد بن طارق قال: حدثني ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -:" فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء"،وذكر
_________________
(١) فتح الباري ٢/ ١٠٦.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٣٢.
[ ١٨١ ]
خصلة أخرى قوله:"وجعلت تربتها لنا طهورًا ":زيادة لم يروها فيما أعلم - غير سعد بن
طارق عن ربعي بن حراش فكل الأحاديث لفظها وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا " (١).
أقول: هذا الحديث لا يصح التمثيل به، إذ تفرد أبو مالك الأشجعي بجملة الحديث عن شيخه: ربعي بن حراش، فلم يروه عنه إلا أبو مالك.
قال ابن حجر:"وهذا التمثيل ليس بمستقيم - أيضًا - لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث عن ربعي بن حراش - ﵁ - كما تفرد برواية جملة ربعي عن حذيفة - ﵁ - " (٢).
وقد رواه عن أبي مالك: محمد بن فضيل، أخرجه مسلم ١/ ٣٧١ (٥٢٢)،وابن خزيمة ١/ ١٣٣ (٢٦٤).
ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة: عند مسلم أيضا المساجد ١/ ٣٧١ (٥٢٢)،وأبو معاوية الضرير: عند أحمد ٥/ ٣٨٨.
وقد وقع الخطيب البغدادي في وهم كبير إذ قال في تأريخ بغداد ١٠/ ١٢١: "تفرد به أبو عوانة وأخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه ".
والإمام مسلم لم يخرجه من طريق أبي عوانة أصلًا، ولم يتفرد به أبو عوانة كما سلف! (٣).
المثال الثاني: وقال:" أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا الحسن بن مكرم بن حسان، قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله - ﷺ - أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين".قوله: في أول وقتها زيادة لا نعلم رواها في حديث ابن مسعود إلا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول وكل الرواة قالوا عن مالك
_________________
(١) الكفاية ص ٤٢٨، ومثل به أيضا: الحافظ إبن كثير، مختصر علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص ٥٩، والنووي، تدريب الراوي ١/ ٢٠٦ والحافظ العراقي، فتح المغيث ١/ ٢٣٣،والسيوطي، تدريب الراوي ١/ ٢٠٧،والسخاوي، فتح المغيث١/ ٢٣٦، والصنعاني، توضيح الأفكار ٢/ ٢٣، والشيخ أحمد شاكر في الباعث ص ٥٩.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٠٠.
(٣) قد نبه على ذلك أستاذنا الدكتور بشار في تحقيقه لتأريخ بغداد ١١/ ٣٣٩ (٥٢٠١).
[ ١٨٢ ]
الصلاة لوقتها، وأما فصل من فصل بين أن تكون الزيادة في الخبر من رواية راويه بغير
زيادة، وبين أن تكون من رواية غيره، فإنه لا وجه له، لأنه قد يسمع الحديث متكررًا تارة بزيادة وتارة بغير زيادة كما يسمعه على الوجهين من راويين وقد ينسى الزيادة تارة فيرويه بحذفها مع النسيان لها والشك فيها ويذكرها فيرويها مع الذكر واليقين وكما أنه لو روى الحديث ونسيه فقال: لا أذكر أني رويته! وقد حفظ عنه ثقة وجب قبوله برواية الثقة عنه، فكذلك هذا وكما لو روى حديثًا مثبتًا لحكم وحديثًا ناسخًا له وجب قبولهما، فكذلك حكم خبره إذا رواه تارة زائدًا وتارة ناقصًا وهذه جملة كافية" (١).
أقول: وقد توبع مالك بن مغول بروايته عن الوليد بن العيزار تابعه شعبة بن الحجاج عند الدارقطني ١/ ٢٤٦، والحاكم ١/ ٣٠٠، والبيهقي ١/ ٤٣٤.فلا يصح التمثيل به.
المثال الثالث: قال: عند موضوع تعارض الوصل الإرسال:
" مثال ذلك ما أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد قال: حدثنا الحارث بن محمد التميمي قال: حدثنا الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي". أخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدثنا إسرائيل (ح)،وأخبرنا أبو سعيد أيضا وأبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عثمان الطرازي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي قال: حدثنا طلق بن غنام قال: حدثنا إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -:" لا نكاح إلا بولي".
وقال طلق: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - مثله.
أخبرنا أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن عبد الله البزاني بأصبهان قال: أنبأنا عبد الله بن الحسن بن بندار المديني قال: حدثنا أسيد بن عاصم قال: حدثنا الحسين بن حفص
_________________
(١) الكفاية ص ٤٢٨ - ٤٢٩، وكذا مثل به: السيوطي، في التدريب ١/ ٢٠٨، وإبراهيم النعمة، مصطلح الحديث ص١١٠.
[ ١٨٣ ]
قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي".
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق قال: أخبرنا أحمد بن سلمان النجاد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي - ﷺ - قال:"لا نكاح إلا بولي".
وكان: (يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وابنه إسرائيل، وقيس بن الربيع) يروون هذا الحديث عن أبي إسحاق مسندًا متصلًا وكان: (سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج) يرويانه عن أبي إسحاق مرسلًا .. أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول: سمعت محمد بن هارون المكي يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري وسئل عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال:" لا نكاح إلا بولي" فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة وان كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث ".
أقول: يبدو من خلال هذا المثال اضطراب المتأخرين في فهم منهج المتقدمين بشكل واضح فالحديث ليس فيه زيادة ثقة.
إسرائيل لم ينفرد بوصله فقد تابعه جماعة من الأثبات كما ذكره كل من تحدث عن هذا الحديث حتى الخطيب نفسه، فالذين وصلوه، هم:"أبو عوانة، وزهير بن معاوية، وشريك النخعي، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق " (١) والذين أرسلوه"شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري".
فهذا من قبيل مختلف الحديث لذا قال الترمذي:"وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف: رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -،وروى أسباط بن محمد وزيد بن حباب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -،وروى أبو عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - نحوه ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق وقد روى عن يونس بن أبي
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٦.
[ ١٨٤ ]
إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - أيضًا، وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي" وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى ولا يصح.
ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - لا نكاح إلا بولي عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي"؟ فقال: نعم، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن مكحول هذا الحديث في وقت واحد، وإسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم" (١).
ثم أقول: زيادة الثقة: هو أن يزيد ثقة واحد على غيره " جماعة ".
أما هذا الحديث فقد زاد جماعة على اثنين فهل يسمى هذا زيادة ثقة؟ - بمفهوم المتأخرين - حتى نستدل به على صحة القول؟