"فأما الحديث الصحيح المعلول، فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثًا مرسلًا، وينفرد به ثقة مسندًا، فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال، ومثاله: حديث رواه أصحاب مالك في الموطأ عن مالك قال بلغنا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:"للملوك طعامه وشرابه ولا يكلف من العمل ما لا يطيق".ورواه إبراهيم بن طهمان الخراساني، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني عن
مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -،حدثناه الحسين بن حلبس قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ببغداد، قال الخليلي: وهو ثقة حافظ فقيه أخذ العلم عن إسماعيل بن يحيى المزني وغيره من أصحاب الشافعي، وكان الدارقطني يفتخر به قال: حدثنا أحمد بن حفص قال: حدثنا أبي قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثنا مالك عن محمد بن عجلان، وحدثناه محمد بن علي بن عمر والقاسم بن علقمة قالا: حدثنا عبد الرحمن ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم قال: حدثنا أبي قال: حدثنا النعمان بن عبد السلام قال: حدثنا مالك عن محمد بن عجلان
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص١٣٠، وسيأتي بيانها، وكذا الأحاديث الأخرى لاحقًا.
(٢) انظر مثلا: ١/ ١٠١و ١٦١ و٧٥٣و ٤٦٣ و٢/ ٢١٠.
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨.
[ ١٥٦ ]
عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - الحديث، فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحًا يعتمد عليه، وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت، وكان مالك ﵀ يرسل أحاديث لا يبين إسنادها، وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله ربما أجابه إلى الإسناد.
ومثله أيضا: حديث رواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، وهو ثقة إمام عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:"الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".هذا مما يتفرد به أبو عاصم مسندًا مجودًا، والناقلون رووه عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلًا عن النبي - ﷺ - ليس فيه أبو هريرة، وتابع على ذلك أبا عاصم عبد الملك بن الماجشون ويحيى بن أبي قتيلة من أهل مصر، وليسا بذاك وقال أهل البصرة لأبي عاصم: خالفك أصحاب مالك في هذا فقال: حدثنا به مالك بمكة وأبو جعفر المنصور بها هاتوا من سمع معي، ورواه معمر بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - ﷺ - وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري وغيره، بينت هذا ليستدل به على أمثاله " (١).
قلت: كلام الخليلي هذا لا يصح من وجهين رئيسين:
الأول: إنّ هذا التعريف الذي عرّف به لم يتابعه عليه أحد من أهل العلم من المتقدمين أو المتأخرين، فالكل أجمع على أن الحديث المعلول لا يعدّ من ضمن الحديث الصحيح، بل العلة قادحة في صحة الحديث، ولا أدل على ذلك من تعريف الحديث الصحيح على أن يكون خاليًا من الشذوذ والعلة.
الثاني: هو أنه ساق بذلك مثلين في كتابه الإرشاد وكلاهما معلول، كما بينه هو:
المثال الأول: (حديث المملوك):الإسناد الذي ذكره هو إسناد متكلم فيه، وأقل ما فيه هو محمد بن عجلان، فهو وإن أخرج له الإمام مسلم، إلا أنه قد تكلم فيه بحيث أجمع العلماء على أن حديثه خارج الصحيحين لا يرتقي إلى مراتب الصحة، ولا سيما في روايته لأحاديث أبي هريرة، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: " صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة" (٢).
وقال الذهبي في الميزان:" إمام صدوق مشهور، قال الحاكم: أخرج له
_________________
(١) الإرشاد ١/ ١٦٠ - ١٦٦.
(٢) التقريب (٦١٣٦)، والتحرير ٣/ ٢٩٠.
[ ١٥٧ ]