مسلم في كتابه ثلاثة عشر حديثا كلها شواهد، وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه" (١).
وقال الحافظ ابن حجر:"إنما أخرج له مسلم في المتابعات، ولم يحتج به" (٢).
قال ابن عبد البر:"وهذا الحديث محفوظ مشهور من حديث أبي هريرة وقد رواه مالك مسندًا (٣) عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة إلا أنهم قد تكلموا في إسناده هذا وقد روي من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - وليس دون الزهري من يحتج به" (٤).ثم ساق ابن عبد البر الروايات المتعددة في اختلاف محمد بن عجلان في رواية هذا الحديث، إذ رواه تارة كما بيناه، ورواه تارة أخرى عن بكير بن عبد الله الأشج عن عجلان، عن أبي هريرة - ﵁ - كما هو في مسند أحمد والتمهيد ٢٤/ ٢٨٣ - ٢٨٧.
فلو صح مثل هذا الإسناد لما تباطأ الإمام مالك عن إيراده في موطئه.
المثال الثاني (حديث الشفعة)
أقول: قد بين علته هو في آخر كلامه: وهو مخالفة أبي عاصم الضحاك بن مخلد لأصحاب مالك، إذ رووه عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلًا، ليس فيه أبو هريرة، أما الحديث المحفوظ الذي رواه الزهري فهو الذي أخرجه البخاري من طريق معمر عن
الزهري عن أبي سلمة عن جابر - ﵁ -، إذ قال الخليلي نفسه:" وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري " (٥).
٣ - ابن حزم الظاهري ت (٤٥٧): وممن أطلق القبول أيضا ابن حزم الظاهري، فقال:" وإذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن الذي نقله أهل الدنيا كلهم أو يخصه به وهم بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم آخر حكمًا لم يروه غيره وفي
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٣/ (٧٩٣٨).
(٢) تهذيب التهذيب ٩/ ٣٠٤ (٥٦٦).
(٣) قلت: يعني خارج الموطأ وإلا فإنه في الموطأ لا يختلف فيها بأنها كلها بلاغ، كما بينه أستاذنا المشرف في تعليقه على رواية الليثي (٢٨٠٦).
(٤) التمهيد ٢٤/ ٢٨٣.
(٥) برقم (٢٢١٤و٢٢٥٧ و٢٤٩٥و٢٤٩٦ و٦٩٩٦) وانظر تحفة الأشراف ٢/ ٥٣٥ (٣١٥٣).
[ ١٥٨ ]
هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذوقهم وذو ورع وذلك كتركهم قول الله تعالى: "والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيدَيَهما جزآءً بما كَسَبا نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيم" (١). لحديث انفردت به عائشة ﵂ ولم يشاركها فيه أحد، وهو" لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا ".ويترك قوله تعالى في الآيات التي ذكر فيها المحرمات من النساء، ثم قال تعالى بعد ذكر من ذكر: "والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانُكم كتابَ الله عليكم وُأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنينَ غيرَ مسافحين فما آستمتعتم به منهنَّ فآتوهنَّ أجورَهنَّ فريضةً ولا جناحَ عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إنّ اللهَ كان عليمًا حكيمًا" (٢). فحرموا الجمع بين المرأة وعمتها وليس ذلك مذكورًا في آية التحريم بل فيها إحلال كل ما لم يذكر في الآية فتركوا ذلك لحديث انفرد به أبو هريرة وأبو سعيد وحدهما. (٣)
وليس ذلك إجماعًا فإن عثمان البتي يبيح الجمع بين المرأة وعمتها ثم يعترضون على حكم رواه عدل بأن عدلًا آخر لم يرو تلك الزيادة وأن فلانًا انفرد بها، قال علي: وهذا جهل شديد وقد ترك أصحاب أبي حنيفة الزيادة التي روى مالك في حديث زكاة الفطر وهي من المسلمين فقالوا: انفرد بها مالك، وترك أصحاب مالك الاستسعاء الذي رواه سعيد بن أبي عروبة وقالوا: انفرد بها سعيد فكلا الطائفتين عابت ما فعلت وأنكرت ما أتت به مع أنه قد شورك من ذكرنا في هاتين الزيادتين ولو انفردا بها ما ضر ذلك شيئًا، ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثًا فلا يرويه أحد غيره أو يرويه غيره مرسلًا أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث وكل ذلك سواء واجب قبوله بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل
_________________
(١) المائدة / ٣٨.
(٢) النساء / ٢٤.
(٣) حديث أبي هريرة أخرجه أحمد ٢/ ٤٣٢و٤٧٤و٥٠٨و٥١٦ ..،والبخاري (٥١١٠) ومسلم (١٤٠٧) و(١٤٠٨) وغيرهم. وحديث أبي سعيد أخرجه أحمد٣/ ٦٧. قلت: ولم ينفردا به كما زعم ابن حزم، فقد رواه أيضًا جابر، وابن عباس ﵄ فأما حديث جابر فأخرجه البخاري (٥١٠٨)،وابن أبي شيبة ٤/ ٢٤٥وأحمد ٣/ ٣٣٨و٣٨٢ والنسائي ٦/ ٩٨وغيرهم. وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن حبان ٩/ ٤٢٦ (٤١١٦) والطبراني في الكبير١١/ (١١٩٣١).وليس المحل هنا نحله.
[ ١٥٩ ]
الحافظ وهذه الزيادة وهذا الإسناد هما خبر واحد عدل حافظ ففرض قبولهما ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما أو لم يروه سواهما ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول الخبر الواحد ولحق بمن أتى ذلك من المعتزلة وتناقض في مذهبه وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله ولا فرق (١).