قال بعد عرض كلام الأئمة المتقدمين:"فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا، متقنًا، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددًا منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ، ولو كان في
الأصل صدوقًا فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق، والله أعلم.
واحتج من قبل الزيادة من الثقة مطلقًا بأن الراوي إذا كان ثقة وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولًا، فكذلك انفراده بالزيادة، وهو احتجاج مردود، لأنه ليس كل حديث تفرد به أي ثقة كان .. يكون مقبولًا، كما سبق بيانه في نوع الشاذ. ثم إنّ الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر، لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات، إذ لا مخالفة في روايته لهم، بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظًا وأكثر عددًا، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن" (١).
وقال: " إنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر - ﵁ - إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ، وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواتها عنه، فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توافر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها " (٢).
وقال معقبًا على الخطيب وابن الصلاح في إطلاق قبول الزيادة:"وهنا شيء يتعين التنبيه عليه وهو: أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذًا، وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو أضبط منه أو أكثر عددًا ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة مطلقًا. وبنوا على ذلك أن من وصل معه زيادة فينبغي تقديم خبره على من أرسل مطلقًا.
فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عددًا أو أضبط حفظًا أو كتابًا على من وصل أيقبلونه أم لا؟ أم هل يسمونه شاذًا أم لا؟ لابد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٠ - ٦٩١.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٢.
[ ١٩٥ ]
بالتناقض ". (١)
وقال أيضًا:"واشتهر عن جمع العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريقة المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه والعجب ممن أغفل ذلك منهم ". (٢)
ومن هذا الكلام يتبين أن من شرط القبول وفق القرائن سار على منهج المتقدمين، بخلاف وقد أبعد النجعة كل من ردها مطلقًا، أو قبلها مطلقًا، وقد أوجز الإمامين المحقيقين الذهبي وابن حجر قرائن المتقدمين، فشرطا:
١ - التكافؤ في العدد.
٢ - الحفظ والإتقان.
٣ - عدم المنافاة.
٤ - ثم بيّنا أن زيادة الواحد المنفرد على أقرانه في الشيخ نفسه، ولو كان ثقة فهو من قبيل الخطأ، إذ:"لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من روايتها عنه، فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توافر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها ".وهذه الصورة هي ما يسميها أهل المصطلح:"زيادة الثقة".
وبين الذهبي أنّ الإمامين البخاري ومسلم إنما قبلا الزيادة إذا تحققت فيها هذه القرائن التي ذكراها -كما مر -.
وأضاف ابن حجر في نزهة النظر:"وزيادة راويهما أي الصحيح والحسن مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها، وبين رواته ممن لم يذكرها فهذه تقبل مطلقًا لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره.
وأما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح.
واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦١٢.
(٢) مصدر سابق.
[ ١٩٦ ]
ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه.
والعجب ممن غفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن. والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم - اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحدٍ منهم إطلاق قبول الزيادة" (١).
فالقرائن التي ذكرها العلماء هنا تشترك بـ:
١ - عدم المخالفة، وفسروا المخالفة بتفرد الثقة عن الثقات في الشيخ نفسه، بزيادة لفظة في المتن، أو رجل في الإسناد.
٢ - التكافؤ في الضبط، والعدد.
وأهل هذا المذهب حينما اشترطوا هذه القرائن لم يعنوا بها زيادة الثقة بمفهوم عامة أهل المصطلح والتي هي: تفرد الثقة عن جماعة الثقات في الشيخ نفسه. وإنما عنوا بها زيادة الثقة على مفهوم المتقدمين.