اشترط الحافظ للمتواتر شروطا وهي:
الشرط الأول كثرة العدد:
صرح الحافظ بأن العدد الذي يتحقق به التواتر غير محصور بعدد حيث قال في "النزهة" (ص/٣٧): (وتلك الكثرة أحد شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عدد معين).
قال الشيخ السماحي في الرواية (ص/٥٠): (وقوله: (بلا حصر عدد معين) أي إذا وردت الطرق فغير معتبر فيها عدد معين يحصر أفرادها، بخلاف المحصور بواحد أو باثنين أو بأقل من ثلاثة، فمراده (بلا حصر عدد معين) عدم اشتراطه، لأنه في مقابلة المحصور بعدد معين، ولأنه أراد الرد على من حصره في عدد، لا أن شرطه ألا يكون محصورا بعدد معين).
إلا أنه قد يفهم من كلام الحافظ الآتي أن هذه الكثرة تبدأ من العشرة حيث قال في "النزهة" (ص/٣٧): (فهو - أي الخبر - باعتبار وصوله إلينا إما أن يكون له طرق أي أسانيد كثيرة، لأن طُرُقًا جمع طريق، وفعيل في الكثرة يجمع على فُعُل بضمتين، وفي
_________________
(١) المقصود منه هو أن يكون هناك لفظان: أحدهما دال على معنى الآخر كله وزيادة، مثل: إنسان، ومؤمن، فإنسان تشمل المؤمن وغير المؤمن؛ فنقول: بينهما عموم وخصوص مطلق، وهكذا: حديث وخبر. انظر: حاشية عتر على هذا الموضع (ص/٤١).
(٢) انظر قضاء الوطر (١/ ٤٥٤).
[ ٨ ]
القلة على أفعلة. والمراد بالطرق الأسانيد) وقال في الفتح (١/ ٤٦٣): (العشرة آخر جمع القلة وأول جمع الكثرة)، ولعله لهذا الذي ذكره ابن حجر حدًا بين القلة والكثرة بالعشرة ذهب السيوطي إلى أن أقل المتواتر عشرة، وعلله بأنه أول جموع الكثرة (١).
وهنا ملاحظة وهي أن ابن حجر قد رد هذا المفهوم حيث قال في "النزهة" (ص/٣٧): (لا معنى لتعيين العدد على الصحيح، ومنهم من عينه في الأربعة، وقيل في الخمسة وقيل في السبعة، وقيل في العشرة، وقيل في الاثنى عشر وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد فأفاد العلم وليس بلازم أن يطرد في غيره لاحتمال الاختصاص) والجمع بين كلامه هنا أنه إنما رد التعيين والحصر في العشرة لا الإمكان فلا مانع من أن يكون عدد طرق المتواتر عشرة إذا حصل بخبرهم العلم، وإنما لم يحده بهذا الحد لأنه غير مطرد بمعنى أن هذا الحد قد يقيد العلم عند بعض الناس دون بعض تبعًا للقرائن.
الشرط الثاني: أن تحيل العادة تواطؤهم، وتوافقهم على الكذب:
قال الحافظ في "النزهة" (ص/٣٧): (وتلك الكثرة أحد شروط التواتر، إذا وردت بلا حصر عدد معين، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقا من غير قصد).
قال الشيخ الحلبي في نكته على النزهة (ص/٥٦): (نُقِل عن المصنف أنه قال في
الفرق بينهما: إن التواطؤ هو أن يتفق قوم على اختراع معين، بعد المشاورة والتقرير، بأن لا يقول أحد خلاف صاحبه. والتوافق: حصول هذا الاختراع من غير مشاورة بينهم ولا اتفاق؛ يعني: سواء كان عن سهو، أو غلط، أو عن قصد - أي للاختراع والكذب -) كما في حاشية لقط الدرر (ص/٢٦».
وبيَّن الشيخ السماحي في الرواية (ص/٥١) بعض القرائن التي قد يستدل بها على عدم التواطؤ أو التوافق على الكذب عادة فقال: (بأن يكونوا مثلا من بلدان متفرقة، وصنائع مختلفة، وأوساط متباينة، لا يجمعهم هوى، ولا يحويهم مكان، ولا تشملهم إمرة سلطان له هوى في جمعهم فأمرهم بالخبر، وهكذا وقلنا (عادة) أي إن العقل يستند في حكمه على جريان العادة، وسنة الله في خلقه على عدم إمكان اجتماعهم على هذا الأمر، وتواطئهم عليه).