-[قال الحافظ: (وهو: من لقي النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- مؤمنا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح).]-
والتعبير بقوله من لقى كالتعبير بقوله من اجتمع، وتعريف الحافظ غير جامع فلا يدخل فيه مؤمني الجن، ولذلك نضيف قيد: (ولو جنيا) كما ذكره ابن النجار.
قال الشيخ العثيمين - ﵀ - في "شرح الأصول" (ص/٤٦٩): «وقوله: (من اجتمع بالنبي - ﷺ -): سواء رآه أم لم يره، وسواء سمعه أم لم يسمعه، فلو قدر أن رجلا أعمى أصم اجتمع بالرسول - ﷺ - مؤمنًا به ومات على ذلك فهو صحابي وإن لم يره ويسمعه، ولا يشترط أن يراه النبي - ﷺ - فلو حضر مجلسا فيه رسول الله - ﷺ - فهو صحابي (١).
وقوله: (اجتمع بالنبي): هذا قيد لابد منه، فهو وصف أي أن يكون مجتمعًا بالنبي - ﷺ - حال كونه نبيا، فإن اجتمع به قبل أن يرسل مؤمنا بأنه سيبعث ثم لم يره بعد أن بعث فليس بصحابي، فلابد أن يكون مجتمعًا بالنبي - ﷺ - حال نبوته.
س: وهل يشمل من اجتمع به بعد موته وقبل دفنه - يعني حضر وصلى على النبي - ﷺ -؟
ج: في هذا خلاف:
فمنهم من يقول: إنه إذا حضر النبي - ﷺ - بعد موته وقبل دفنه فهو صحابي؛ لأن نبوته - ﷺ - لا تنقطع بموته.
ومنهم من قال: ليس بصحابي؛ لأنه اجتمع بالنبي - ﷺ - وهو ميت.
_________________
(١) قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٢/ ٤٧٠): (ودخل في قولنا: "من لقي" من جيء به إلى النبي ﷺ وهو غير مميز فحنكه النبي ﷺ كعبد الله بن الحارث بن نوفل، أو تفل في فيه كمحمود بن الربيع، بل مجه بالماء كما في البخاري، وهو ابن خمس سنين أو أربع. أو مسح وجهه، كعبد الله بن ثعلبة بن صعير- بالصاد وفتح العين المهملتين - ونحو ذلك. فهؤلاء صحابة، وإن اختار جماعة خلاف ذلك كما هو ظاهر كلام ابن معين وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم وأبي داود وابن عبد البر، وكأنهم نفوا الصحبة المؤكدة).
[ ٧٢ ]
وانتفاء الصحبة في هذه الحال واضح جدًا بخلاف ما لو اجتمع به وهو حي وهذا هو الأقرب أنه لا بد أن يكون النبي - ﷺ - حيًا (١)
ولابد أيضًا أن يكون مؤمنًا به (٢) فإن كان مؤمنًا بغيره كما لو اجتمع به نصراني يؤمن بالأديان السابقة. لكن لم يؤمن بالرسول إلا بعد موت الرسول - ﷺ - فلا يكون صحابيًا.
وقوله: (ومات على ذلك): فإن مات على الردة فليس بصحابي؛ لأن الردة تبطلِ جميع الأعمال، قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: ٢٣] والردة تمحو حتى الإسلام فضلًا عن الصحبة، فإن ارتد ثم عاد إلى الإِسلام فإن الأصح من أقوال أهل العلم أن صحبته تعود (٣)؛ لأن الله تعالى اشترط لبطلان العمل بالردة أن يموت الإنسان على ردته فقال الله ﷾: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: ٢١٧]).
_________________
(١) قال ابن النجار (٢/ ٤٦٦): (وقولنا: "حيا" احتراز ممن رآه بعد موته كأبي ذؤيب الشاعر خالد بن خويلد الهذلي؛ لأنه لما أسلم وأخبر بمرض النبي ﷺ: سافر ليراه، فوجده ميتا مسجى فحضر الصلاة عليه والدفن، فلم يعد صحابيا، وعده ابن منده في الصحابة، وقال: مات على الحنيفية. وفي "شرح التدريب"، ومن عده من الصحابة فمراده الصحبة الحكمية، دون الاصطلاحية.
(٢) وقول الشيخ: (مؤمنا) قيد هام، قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (٢/ ١٨٥): (وإنما شرطنا مع ذلك الإيمان؛ لأن الكفار الذين صحبوه ورأوه ﵇، لا يسمون صحابة بالاتفاق؛ فدل على أن الإيمان شرط في إطلاق اسم الصحابي). وقال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٢/ ٤٦٧): (وقولنا "مسلما" ليخرج من رآه واجتمع به قبل النبوة ولم يره بعد ذلك، كما في زيد بن عمرو بن نفيل. فإنه مات قبل المبعث. وقال النبي ﷺ: "إنه يبعث أمة وحده" كما رواه النسائي، وليخرج أيضا من رآه وهو كافر، ثم أسلم بعد موته).
(٣) قال الحافظ في "النزهة" (ص/ ٢٣٨): (وقولي: «ولو تخللت ردة»؛ أي: بين لقيه له مؤمنا به وبين موته على الإسلام؛ فإن اسم الصحبة باق له، سواء أرجع إلى الإسلام في حياته ﵌ أو بعده، وسواء ألقيه ثانيا أم لا!. وقولي: «في الأصح»؛ إشارة إلى الخلاف في المسألة. ويدل على رجحان الأول قصة الأشعث بن قيس؛ فإنه كان ممن ارتد، وأتي به إلى أبي بكر الصديق أسيرا، فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك، وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها.
[ ٧٣ ]
وقال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٢/ ٤٧١): «ولو جنيا في الأظهر) أي ولو كان من لقي النبي ﷺ مسلما جنيا في الأظهر من قولي العلماء ليدخل الجن الذين قدموا على النبي ﷺ من نصيبين وأسلموا، وهم تسعة أو سبعة من اليهود بدليل قوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) [الأحقاف: ٣٠] وذكر في أسمائهم: شاص، وماص، وناشى، ومنشى، والأحقب، وزوبعة، وسرق، وعمر، وجابر. وقد استشكل ابن الأثير في كتابه " أسد الغابة " قول من ذكرهم من الصحابة. فإن بعضهم لم يذكرهم في الصحابة، وبعضهم ذكرهم قال في شرح التحرير قلت: الأولى أنهم من الصحابة. فإنهم لقوا النبي - ﷺ - وآمنوا به وأسلموا، وذهبوا إلى قومهم منذرين).