وزاد الزركشي شرطا آخر فقال في "النكت" (٢/ ٢٢٤): (وينبغي أن يقال على وجه يؤثر ليخرج ما لو روي الحديث عن رجل مرة وعن آخر أخرى قال ابن حزم فهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته كما إذا روى الأعمش الحديث عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ويرويه غير الأعمش عن سهيل عن أبيه عن أبي سعيد إذ من الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة وأبي سعيد معا فرواه مرة عن هذا ومرة عن هذا انتهى).
وقال الشيخ بازمول في " المقترب" (ص:٤٢): (وكذا أخرج اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته. وفي مثل هذا يقولون الاضطراب قد يجامع الصحة والحسن).
وقال الشيخ العثيمين - ﵀ - في "شرح البيقونية" (ص/١٠٨): (وهناك شرط
_________________
(١) قال القاري: مثاله: حديث رواه أبو داود من رواية زائدة، وشريك - فرقهما -، ورواه النسائي من رواية سفيان بن عيينة، كلهم عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال فيه: " ثم جئت بعد ذلك في زمان برد شديد، فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب ". قال موسى بن هارون: وذلك عندنا وهم. فقوله: " ثم جئت " ليس هو بهذا الإسناد، وإنما هو أدرج عليه عن عاصم، عن عبدالجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل، وهكذا رواه مبينا زهير بن معاوية، وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب، وفصلاها من الحديث، وذكرا إسنادها كما ذكرنا.
(٢) قال ابن حجر في "النكت" (٢/ ٨٣٤): (وهذا مما يشترك فيه الإدراج والتدليس) أي تدليس الإسناد. مثاله ما ساقه الخطيب في "الفصل للوصل المدرج في النقل" (٢/ ٦١١) بإسناده عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس: "أنه قدم على رسول الله ﷺ ناس من عرينة، فقال لهم رسول الله: لو خرجتم إلى ذود لنا فكنتم فيها فشربتم من ألبانها وأبوالها، ففعلوا الحديث، قال الخطيب: (هكذا روى إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري جميع هذا الحديث عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، وفيه لفظة واحدة لم يسمعها حميد من أنس، وإنما رواها عن قتادة، عن أنس، وهي قوله "وأبوالها". بين ذلك مروان بن معاوية الفزازي، ويزيد بن هارون السلمي، وعبد الله بن بكر السهمي، ومعتمر بن سليمان التيمي، ومحمد بن أبي عدي، وبشر بن المفضل في روايتهم جميعا هذا الحديث عن حميد).
(٣) مثاله ما ذكره الخطيب عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو ابن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، أين تنزل غدا؟ - وذلك في حجة النبي ﷺ فقال: وهل ترك لنا عقيل بن أبي طالب شيئا، ثم قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ثم قال: نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر -يعني بخيف الأبطح - قال الزهري: والخيف الوادي، قال: وذلك أن قريشا حالفوا بني بكر على بني هاشم أن لا يجالسوهم، ولا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يؤووهم". قال الخطيب: (روى معمر عن الزهري هذا الحديث هكذا سياقة واحدة بإسناد واحد ووهم في ذلك، لأنه حديثان بإسنادين مختلفين، فمن أوله إلى آخر قوله: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" يرويه الزهري عن علي بن الحسين بالإسناد الذي ذكرناه. وما بعد ذلك إلى آخر الحديث إنما هو عند الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة).
(٤) مثاله حديث: رواه ثابت بن موسى الزاهد عن شَرِيك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". وهذا قول شَرِيك قاله في عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد " فأدرجه ثابت في الخبر وجعل قول شَرِيك من كلام النبي ﷺ ثم سرق هذا جماعة من الضعفاء من ثابت وحدثوا به عن شَرِيك.
(٥) مثاله: حديث أبي هريرة: " للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أموت وأنا مملوك " فهذا الكلام الأخير - والذي نفسي بيده - يستحيل أضافته إلى رسول الله ﷺ لأمرين:
(٦) أنه يمتنع أن يتمنى رسول الله ﷺ أن يصير مملوكا.
(٧) أن أمه صلى لله عليه وسلم توفيت وهو صغير، فلم يكن له أم يبرها، فتعين أن يكون هذا من كلام أبي هريرة، وقد جاء ذلك موضحا في الطريق الآخر للحديث. وانظر مقدمة "الفصل" (١/ ٢٩).
(٨) وهو: (الفصل للوصل المدرج في النقل) نشره دار الهجرة في مجلدين بتحقيق: محمد بن مطر الزهراني.
(٩) واسمه:"تقريب المنهج بترتيب المدرج" ولخص منه السيوطي رسالته "المَدْرَج إلى المُدْرَج"، ولكنه اقتصر فيه على مدرج المتن دون مدرج الإسناد، ورسالة السيوطي مطبوعة.
(١٠) وكالوليد بن مسلم، ومسلم بن الوليد، وكاليزيد بن الأسود، والأسود بن يزيد، ونحو ذلك.
(١١) قال اللقاني (٢/ ١١١٠): (أي: وشرط إلغاء المزيد، بمعنى: جعل الحكم للناقص دون الزائد.
(١٢) وقال أيضا: (أن يقع التصريح من الناقص يالسماع في موضع تلك الزيادة؛ ليتحقق سماعه بدون واسطة، ولو عبر بدل السماع بما يدل على الاتصال، ليشمل حدثنا، وسمعت، وأخبرنا، وأنبأنا، وقال لي، على الراجح، لكان أولى كما عبروا عنه. وأنت إذا تأملت، وجدت الشرط مجموع أمرين، هذا أحدهما، وثانيهما: كون من لك يذكر تلك الزيادة أوثق ممن زادها، وإلا ترجحت الزيادة أو الوقف).
(١٣) وقال أيضا: (إنما ذكره ليدخل المؤنن، والمروي بقال من غير حرف جر، وكل ما لا يدل على الإتصال، وترجحت الزيادة؛ لأنها من الثقة مقبولة).
(١٤) قال القاري (ص/٤٨١): (أي الشيخ المروي عنه، أو بعضا من المروي، فيكون شاملا لمضطرب المتن أيضا. قال تلميذه: أي بإبدال الشيخ المروي عنه، كأن يروي اثنان حديثا فيرويه أحدهما عن شيخ، والآخر عن آخر، ويتفقا فيما بعد ذلك الشيخ. وقال السخاوي: كأن يروي اثنان أو أكثر، رواية واحدة مرة على وجه، وأخرى على آخر مخالف له).
(١٥) وقد يقع الاختلاف من راو واحد وقد يقع من اثنين أو أكثر، قال الزركشي في "النكت" (٢/ ٢٢٤): «قوله) هو الذي يختلف الرواة فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف. قد يخرج ما لو حصل الاضطراب من راو واحد وقد يقال فيه تنبيه على دخوله من باب أولى فإنه أولى بالرد من الاختلاف بين راويين).
(١٦) قال القاري: (وأما إن ترجحت إحداهما بأن يكون راويهما أحفظ، أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك، فالحكم للراجحة ولا يكون حينئذ مضطربا).
[ ٥٠ ]
ثالث وهو: ألا يكون الاضطراب في أصل المعنى، بأن يكون أمرًا جانبيًّا. مثل: اختلاف الرواة في ثمن جمل جابر - ﵁ - واختلاف الرواة في حديث فضالة بن عبيد في ثمن القلادة التي فيها ذهب وخرز، هل اشتراها باثني عشر دينارًا، أو بأكثر من ذلك أو بأقل.
فنقول: هذا الاختلاف لا يضر، لأنه لا يعود إلى أصل المعنى، وهو بيع الذهب بالذهب، لأنهم كلهم متفقون على أنها قلادة فيها ذهب وخرز، وكانت قد بيعت بدنانير، ولكن كم عدد هذه الدنانير؟ قد اختلف فيها الرواة، ولكن هذا الاختلاف لا يضر.
وكذلك حديث جابر - ﵁ - فقد اتفق الرواة على أن الرسول ﷺ اشتراه، وأن جابرًا اشترط أن يركبه إلى المدينة، ولكن اختلفوا في مقدار الثمن، فنقول: إن هذا الاختلاف لا يضر؛ لأنه لا يعود إلى أصل المعنى الذي سيق من أجله الحديث).
- وعلى ذلك فيكون تعريف الحديث المضطرب هو: ما روى على أوجه مختلفة مؤثرة متساوية القوة ولا مرجح (١).
وقال الحافظ: -[(وهو يقع في الإسناد غالبا، وقد يقع في المتن، لكن قل أن يحكم المحدّث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد).]-
ومعنى كلام الحافظ (٢) أن الاضطراب غالبا ما يقع في الإسناد، وأنه غالبا ما يقدح في المتن. وقد - ولاحظ أن قد تستعمل للتقليل - يقع الاضطراب في المتن فقط، وفي الغالب أن الاضطراب في المتن يكون ناتجا عن اضطراب في الإسناد.
قال القاري في " شرح النخبة" (ص:٤٨١): «وهو) أي الاضطراب، (يقع في الإسناد غالبا) ويلزم منه أن يكون الحديث ضعيفا، لإشعاره بأنه لم يضبط على ما ذكره الجزري، (وقد) للتقليل، (يقع في المتن) أي فقط.
(لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد) استدراك عما يتوهم أنه يجوز أن يكون قليلا في نفسه، وكثيرا باعتبار حكم المحدث به، فاندفع ما قيل: إن التقليل يفهم من قوله: غالبا، وكذا من قد في قوله: وقد يقع في المتن، فلا يحسن استعماله).