قال الحافظ: -[(وإن عورض - أي المقبول - بمثله: فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث).]-
ومفاد كلامه أن المختلف هو: الحديث المقبول المعارض بمثله مع إمكان الجمع.
قوله: (عورض) أي معارضة ظاهرية أو صورية من وجهة نظر المجتهد وليست معارضة حقيقة، فالأدلة لا يكون بينها تعارض حقيقي.
لا فرق بين الأدلة الظنية والقطعية (٢) في امتناع وقوع التعارض بينهما بمعنى أنه يمتنع
_________________
(١) انظر "التحبير في المعجم الكبير" (١/ ١٢٣).
(٢) المقصود بما كان قطعيا من الأدلة، هو ما كان قطعيا في دلالته وثبوته، وما كان ظنيا أي في دلالته أو في ثبوته.
[ ٣٢ ]
حدوث تعارض حقيقي بين الأدلة، وأنه إذا حدث تعارض بين الأدلة فإنه يكون صوريا أي
من وجهة نظر المجتهد فقط، وذلك لأن كتاب الله سالم من الاختلاف والاضطراب والتناقض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] ولهذا مدح الله تعالى الراسخين في العلم حيث قالوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران: ٧]؛ أي: محكمه ومتشابهه حق. وقال - ﷺ -: (إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) (١). كما أحاديث النبي - ﷺ - الصحيحة مبرأة من التناقض والاختلاف؛ لأن النبي - ﷺ - معصوم من التناقض والاختلاف بإجماع الأمة، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣، ٤]. وكل هذه الأدلة تشمل الظني والقطعي منهما.
قوله: (بمثله) أي في القبول وليس في القوة، فلا يشترط التساوي في القوة فيمكن أن يقع التعارض بين المتواتر والآحاد، أو الصحيح والحسن، ونحو ذلك.
قوله: (أمكن الجمع) أي بين مدلوليهما بغير تعسف (٢).
قال اللقاني في "قضاء الوطر" (١/ ٨٨٦): (قوله: "بغير تعسف" أي: بأن يكون موافقا للقوانين اللغوية، أو الشرعية، أو العقلية، بحيث لا يخالف القواطع منها).
قال القاري في "شرح النخبة" (ص:٣٦٢): «إما أن يمكن الجمع) أي بتأويل، أو تقييد، أو تخصيص (بين مدلوليهما) أي معنييهما، (بغير تعسف) متعلق بالجمع، والتعسف: أزيد من التكلف، لأنه خروج عن الجادة. قال المصنف: لأن ما كان بتعسف فللخصم أن يرده، وينتقل إلى ما بعده من المراتب).