ذهب قوم إلى اشتراط هذه القرائن في حد التواتر، وهو خطأ، قال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ١٥٢): (وأما ذكر العدالة وتباين الأماكن فتأكيد لعدم تواطئهم على الكذب وليس بشرط في التواتر).
الشرط الثالث: تحقق الكثرة من ابتداء الإسناد إلى انتهائه:
قال الحافظ في "النزهة" (ص/٣٨): (فإذا ورد الخبر كذلك، وانضاف إليه أن يستوي
الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه -والمراد بالاستواء: أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع، لا أن لا تزيد؛ إذ الزيادة مطلوبة هنا من باب أولى).
ومعنى هذا الشرط أنه لابد من تحقق الكثرة التي توجب العلم من ابتداء السند إلى الانتهاء إلى مَن أخبرهم بالواقعة القولية أو الفعلية؛ لأن خبر كل طبقة وعصر مستقل بنفسه؛ فلابد فيه من ذلك، وليس المراد التماثل في ذكر العدد.
الشرط الرابع: أن يكون مستند انتهائهم الحس، لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرف:
قال الحافظ في "النزهة" (ص/٣٨): (وأن يكون مستند انتهائه الأمر المشاهد أو المسموع، لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرف).
قال الشيخ السماحي في الرواية (ص/٥١): (أي يكون الخبر مخبرا عن أمر حسي لا عقلي، ويكون سند المخبرين هو الإحساس به على وجه اليقين. وذلك مثل أن يقولوا: رأينا كذا، أو سمعنا كذا، ونحو ذلك، مما يدرك بحاسة من الحواس الخمس، فإن كان الخبر مما لا يدرك بالحس لا يسمى متواترا، ولا يفيد العلم، وإن كان المخبرون به لا يحصون كثرة، فلو استدل مستدل على قدم العالم أو حدوثه بأن أكثر الخليقة تقول به، فإنه لا يعتبر بمثل هذا الاستدلال. لأنه لم يكن خبرا عن أمر محسوس).
قال القاري في "شرح النخبة" (ص: ١٧٠): «لا ما ثبت بقضية العقل الصرف) كوجود الصانع وقدمه، وقدم صفاته، وحدوث العالم، ومفرداته ومركباته، وكزيادة عدد الاثنين بالنسبة إلى الواحد).
الشرط الخامس: أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه:
قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٣٨): (فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه. فهذا هو المتواتر).
اعلم أن حصول العلم هو ثمرة لتحقق الشروط الأربعة وليس هو شرطا زائدًا عليها. واعلم أيضا أنهما متلازمان، بمعنى أن حصول العلم تابع ولازم لتحقق الشروط الأربعة
_________________
(١) أنظر تدريب الراوي (٢/ ١٧٦).
[ ٩ ]
، وهو أيضا علامة عليها بمعنى أنه متى حدث هذا العلم اليقيني عند السامع علمنا لزوم تحقق هذه الشروط.