ويقبل الكافة على مجلس النبي ﷺ، يتلقفون ما ينزل من الوحي في تلهف واشتياق، ويأخذون البيان النبوي له والشرح التطبيقي لأوامره ونواهيه، ويذهبون لينفذوا ما تعلموه.
"وفي ذلك يقول أبو عبد الرحمن السلمي١:
حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه سلم عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا"٢.
هكذا كانوا يعملون بما يعلمون ولا ريب في انتفاعهم بثمرة العمل على أنهم لم يكونوا على وتيرة واحدة، وإنما كان منهم الملازم لرسول الله ﷺ، وكان منهم المنشغل بشئون الحياة سقيا للزرع أو رعيا للضرع أو صفقا في الأسواق.
كان منهم القاصون الذين يتواردون على المدينة من أطراف الجزيرة
_________________
(١) ١ أبو عبد الرحمن السلمي: هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة بالتصغير، ويكنى بأبي عبد الرحمن، لأبيه صحبة، وهو تابعي كبير، روى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وغيرهم، وروى عنه إبراهيم النخعي. وأبو إسحاق السبيعي وابن جبير وغيرهم، وهو ثقة عند سائرهم وقد ظل أربعين سنة يقرأ القرآن ويعلمه الناس في مسجد الكوفة وتوفي سنة اثنتين وسبعين. طبقات ابن سعد ج٦ ص١١٩، وتهذيب التهذيب ج٥ ص١٨٣، ١٨٤. ٢ السنة قبل التدوين ص٥٨.
[ ٥٣ ]
وأنحائها فيقضون الأيام وربما الشهور ينهلون ويتعلمون، ثم يعودون إلى ذويهم معلمين مبلغين كثيرا ما يطيب لبعضهم المقام في الجوار النبوي، فلا يقوون على مفارقة النبي ﷺ، ثم إنهم لم ينقطعوا للتلقي، ولم يتواكلوا فيقعدوا عن طلب الرزق، وإنما سعوا في مناكب الذلول ليأكلوا من رزق ربهم ويشكروا له، ولم تملكهم الدنيا، ولا منعهم السعي على المعاش من تحصيل ما يأتي به الوحي، وإنما جمعوا خيري الأمرين، فإذا انشغل أحدهم بالسعي على عياله، استناب أحد جيرانه أو آله في حضور مجلس الرسول ﷺ؛ ليأتيه بخبر ذلك اليوم الذي استنابه فيه، ويأخذ كل من المستنيب والمستناب نوبته، وعلى هذا المعنى ترجم البخاري في صحيحه باب التناوب في العلم.
من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فضرب بابي ضربا شديدا، فقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، فقال: قد حدث أمر عظيم، فدخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ؟ قالت: لا أدري، ثم دخلت على النبي صلى الله عليه سلم، فقلت وأنا قائم: أطلقت نساءك؟ قال: "لا"، قلت: الله أكبر١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بهامش فتح الباري ج١ ص١٩٥، كتاب العلم، باب التناوب في العلم.
[ ٥٤ ]
معنى هذا أن البعض قد يكتفي بحضور البعض، وأنهم لم يلتزموا بالسماع مشافهة من النبي ﷺ، وإنما كانوا عدولا مأمونين، يثق بعضهم في بعض، ولا يتطرق الشك إليهم، وقد عبر الصحابي الجليل البراء بن عازب الأوسي عن أخذ بعضهم عن بعض، فقال: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ كان يحدثنا أصحابنا، وكنا مشتغلين برعاية الإبل وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله ﷺ، فيسمعونه من أقرانهم وممن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على من يسمعون منه"١.
والنصوص في إقبال الصحابة على تلقي الكتاب والسنة كثيرة مستفيضة، والذي يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو أن الصحابة رضوان الله عليهم ملك عليهم القرآن عقولهم ومشاعرهم وعكفوا على حفظه وتلاوته وتدبر معانيه واستنباط أحكامه وفهم مراميه، وكان يسمع لهم به دوي كدوي النحل.
ولم تكن السنة عندهم أقل درجة من القرآن، وإنما تواكب اهتمامهم به مع اهتمامهم بها. نعم من الثابت أنهم عنوا بكتابة القرآن أكثر مما عنوا بكتابة الحديث، بل ثبت نهيهم عن كتابة شيء غير القرآن، وأمروا بمحو كل ما كتبوه من سواه خوفا من أن يختلط القرآن بغيره، ومن اتكالهم على الكتابة، وتركهم إعمال الذهن، فلما أمن ذلك منهم أذن لهم في كتابة الحديث. ومن الحقائق المطوية في ثنايا الكتب أن الكثير من الحديث النبوي دون في العهد
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث ص١٤.
[ ٥٥ ]
النبوي أو بعده بقليل وقد سجلت المراجع الموثوق بها أن هناك عددا من الصحابة كانوا كاتبين أو مستكتبين واشتهر نبأ صحيفة "الصادقة" لعبد الله بن عمرو بن العاص، وصحيفة "أبي هريرة" التي نقلها عنه تلميذه همام بن منبه المتوفى سنة إحدى ومائة، وقد نقلت إلينا هذه الصحيفة كاملة واشتملت على مائة واثنين وثلاثين حديثا، وكذلك كانت لجابر بن عبد الله صحيفة نقلها عنه قتادة بن دعامة السدوسي، كما كانت هناك "صحيفة عبد الله بن أبي أوفى"، وغيرها من الصحف.
لكن بقي الطابع المعول عليه في الحديث في الحقبة الأولى، إنما هو الحفظ والإتقان والنقل الدقيق المتثبت لكل ما يسمع أو يشاهد من أحوال أو أقوال صاحب الوحي ﷺ، وطاعة لأمر رب العالمين وانصرافا فطريا أو جبليا نحو الصادق الأمين، وتفاعلا مع ما تحلى له من الخلق الكريم، وإحساسا نحو الصادق الأمين، وتفاعلا مع ما تحلى له من الخلق الكريم، وإحساسا بأهمية ما يطيعون فيه وأهلية من المأمورين بالطاعة لتلقي السنة وانسياقا لتحقيق سنة الله الماضية في إنفاذ ما وعد به من حفظ الكتاب المستلزم لحفظ البيان والتفصيل له.
واستجابة لذلك كله وتجاوبا معه كان حرص الصحابة على السنة، ومزيد اهتمامهم بها، وعظيم إقبالهم على تحصيلها، وانضم لذلك كله إحساسهم بشدة حاجتهم إلى معرفتها في تدينهم.
إنهم رأوا الكتاب المنزل ينزل على النبي ﷺ بالأمر المجمل من نحو أمرهم بالصلاة دون تحديد لمواقيتها وكيفيتها وهيئاتها.
فكيف ينفذون هذا الأمر؟ وكم وجدوا في القرآن من أوامر مجملة وأحكام
[ ٥٦ ]
عامة تحتاج إلى تخصيص، أو مطلقة تحتاج إلى تقييد، فأنى لهم تفصيل المجمل، أو توضيح المبهم، أو تقييد المطلق، أو تخصيص العام بعيدا عن من أنزل عليه القرآن، وكلفه تكليفا جازما بالبيان له.
فقال فيما أنزل عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وبعد تسع عشرة آية من نفس السورة يقول الحق عز من قائل بأسلوب القصر ومن خلال أقوى طرقه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢ فكيف كان البيان؟ وما وجوهه؟
_________________
(١) ١ سورة النحل الآيتان ٤٣، ٤٤. ٢ سورة النحل الآية رقم ٦٤.
[ ٥٧ ]