حين كان الصحابة يتلقون الحديث مباشرة أو بواسطة، زمن حياته ﷺ كانوا في مأمن من أن يكذب على رسول الله ﷺ، أو يدس في سنته فلا مكان لخديعة منافق أو تدليس غاش، إذ إن الوحي ينزل فيكشف زيف المبطلين ويظهر خبأهم: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ ١.
وإذا عرض خلاف في مسألة ما، أو لاحت ريبة، فالملاذ موجود لا عليهم إلا أن يرجعوا إليه ليحسم أي خلاف ولتزول أية شبهة، بل ويندفع الخاطر أو الهاجس، فلما انتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى، لم يكن هناك حارس للسنة، ولا وعاء لها إلا صدور الصحابة، ومن هنا نظروا إليها على أنها كنوز ثمينة في صدور الذين أوتوا العلم، فلم يشاءوا أن يعرضوها في سوق الرواية لئلا يتخذ المنافقون من شيوع الحديث عن رسول الله ﷺ ذريعة للتزيد فيها، وسلما لتزييف الحديث عن رسول الله، ولئلا تزل بالمكثرين أقدامهم، فيسقطوا في هوة الخطأ، والنسيان ليكذبوا على رسول الله من حيث لا يشعرون.
ومن هنا احتاطوا في الرواية، وتقللوا منها ليس إقلالا لشأنها، وإنما
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٦٤.
[ ٨١ ]
تعظيما وتكريما للسنة، قال ابن قتيبة: "كان عمر شديدا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي.
وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ؛ كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقال علي ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا، نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته، فإن حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر"١.
والتزم الصحابة منهاج عمر ﵁، وأتقنوا أداء الحديث، وضبطوا حروفه ومعناه، وكانوا يخشون كثيرا أن يقعوا في الخطأ لذلك نرى بعضهم -مع كثرة تحملهم عن الرسول ﷺ- لا يكثر من الرواية في ذلك العهد، حتى إن منهم من كان لا يحدث حديثا في السنة، ونرى من تأخذه الرعدة يقشعر جلده، ويتغير لونه ورعا واحتراما لحديث رسول الله ﷺ، وشاهد هذا ما رواه ابن ماجه بسنده عن "عمر بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه،
_________________
(١) ١ تأويل مختلف الحديث، ٣٩.
[ ٨٢ ]
قال: فما سمعته يقول بشيء قط: قال رسول الله ﷺ، فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله ﷺ. قال: فنكس. قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبا من ذلك، أو شبيها بذلك"١.
ويصرح أنس بسبب إقلاله الرواية فيقول: "لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ"٢.
ولشدة دقة أنس وحيطته في الرواية كان يقول عند فراغه منها: "أو كما قال".
هكذا احتاط الصحابة رضوان الله عليهم في الرواية، وحاذروا الكذب عليه، ووضعوا نصب أعينهم شدة تحذيره منه، كانوا يعلمون أن كذبا عليه ليس ككذب على أحد، وأن من كذب عليه متعمدا يلج النار، بل إن منهم من روى ذلك من غير قيد: "متعمدا".
ولقد اعتبر ﷺ أن تحديث المرء بكل ما سمع كذب، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" ٣.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه، ج١، ص١٠-١١. وقال البوصيري عن إسناد هذا الحديث الذي انفرد به ابن ماجه: "هذا إسناد صحيح، واحتج الشيخان بجميع رواته". مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ج١، ص٤٨، ورواه الدارمي ج١، ص٨٣. ٢ سنن الدارمي ج١، ص٧٦-٧٧. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ج١، ص٧٣.
[ ٨٣ ]
وعن عمر ﵁ قال: "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع"١.
ومضى يقينهم إلى أبعد من ذلك، إلى حد أن من حدث عنه بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكذابين، والأخبار في تغليظ حرمة الكذب عليه تبلغ حد التواتر، ولو لم يكن الكذب حرامًا ما كذب هؤلاء الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه.
من هنا نستطيع أن نقول: إن أهم أسباب إقلال الرواية هو خوفهم من الوقوع في الكذب، وإشفاقهم على أنفسهم من أن يخطئوا في النقل، وتستطيع أن تضم إلى ذلك رغبتهم في أن يقتنع المنقول إليه الخبر فيما أخبر به، فلا بد أن يكون المنقول مما تقبله العقول حتى لا يكون فتنة ومحنة، قال ابن مسعود: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"٢.
وفي نفس المعنى يقول علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"٣.
سار الصحابة على الهدي النبوي في هذا الصدد فامتنعوا عن التحديث بما لا تدركه عامة الناس خشية أن يفتنوا فيتركوا بعض الفرائض الدينية.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج١ ص٧٤-٧٥. ٢ المرجع السابق ج١ ص٧٦. ٣ فتح الباري ج١ ص٢٣٥-٢٣٦.
[ ٨٤ ]
تثبت الصحابة رضوان الله عليهم:
عني الصحابة عناية فائقة بالأخبار، وبذلوا غاية الوسع في التثبت منها امتثالا لأمر الله تعالى ووقوفا عند هدى نبيه، فقد قرءوا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
ولا يعد تثبتهم من الأخبار واستيثاقهم طعنا منهم في راوي الخبر، وإنما هو حرص على سلامة النقل، واحتياط للأمر، وتقوية له، فأخذوا الحديث بحيطة بالغة وحذر شديد، فما اطمأنت قلوبهم إليه بحيث لم يشكوا في حفظ راويه أو ضبطه قبلوه وعملوا به من غير أن يطلبوا عليه شاهدًا أو برهانا، وما تطرق إليه الشك استوثقوا منه وطلبوا وجه اليقين فيه.
وقد ساق الإمام الذهبي شواهد ذلك عند ترجمته لكثير من الصحابة، قال في ترجمة أبي بكر: "وكان أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءة إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، ما علمت أن رسول لله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله ﷺ يعطيها السدس فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر ﵁"٢.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: ٦. ٢ تذكرة الحفاظ ج١ ص٢، وحجة الله البالغة ج١ ص١٤١.
[ ٨٥ ]
وقال في ترجمة عمر: "وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر في أثره، فقال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاث، فلم يجب، فليرجع"، قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك، فجاء أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم، كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر، فأخبره؛ أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله ﵌ يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم، ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن"١.
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ ج١ ص٦-٧.
[ ٨٦ ]