التغريب في طلب العلم وحفظ السنة وتبليغها:
ويرغبهم ﷺ في طلب العلم، ويرهبهم من كتمانه ويكفيهم أن يقرءوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ ١.
نعم يطردهم ربهم من رحمته، ويبعدهم عن ساحته جزاء وفاقا لما حاولوه من صد عن سبيل الله من خلال كتمان هداه، وإيصادهم باب الخير في وجه من ابتغاه، وبعد هذا الطرد والإبعاد يتنوع التهديد لهم والإرعاد، فقد يلجمون لجاما من نار وما أصبرهم عليها.
وفي المقابل تضاعف لمن علم وعلم الحسنات، وترفع لهم الدرجات حتى
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ١٥٩.
[ ٥٠ ]
في أثناء الطلب يسرع إليهم الثواب والأجر، فمن سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله له بها طريقا إلى الجنة، ويتوالى التغريب ويكثر في التفقه في الدين وفهم أصوله وفروعه، والنهل من ينبوعه، فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه، ويزداد الأمر تخصيصا في شأن السنة فتتوالى النصوص في الأمر بحفظها وتبليغها، والحض على مزيد الاعتناء بها، والإشادة بفضل وشرف من ينتسب إليها، والتحذير من التزيد فيها.
وقد جمع ذلك كله قوله ﷺ: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليبتوأ معقده من النار" ١.
هكذا يأمرهم بالتبليغ عنه لما يسمعوه، ويحدثنا أبي نجيح العرباض بن سارية فيقول: "وعظنا رسول الله ﷺ يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم
_________________
(١) ١ رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. صحيح البخاري بهامش فتح الباري ج٧ ص٣٠٩، ورواه الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل رقم ١٣ حديث رقم ٢٦٦٩ ج٥ ص٤٠.
[ ٥١ ]
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" ١.
وما أكثر ما أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب، ثم ما أعظم دعائه بتحقيق النضارة والحسن والبهاء والوضاءة في وجوه من سمعوا مقالته، فعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: "نضر الله أمرأ سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من أفقه منه" ٢.
ومن ذا الذي لا يحرص على نضارة وجهه؟ ثم من لا يرضى أن يبلغ ما عنده إلى من هو أفقه به منه أو أوعى! ثم إن المبلغ صلوات الله وسلامه عليه جذبهم إليه ورغبهم في الإقبال على ما يقوله بتحينه أوقات رغبتهم وحاجتهم إليه، ولا يثقل عليهم، وإنما يتخولهم بالموعظة مخافة السآمة والملل، وهو يترفق بهم ويتمهل في تعليمهم بحيث لو أراد أحد عدّ ما يقوله لأحصاه، ويكرر العبارة ثلاثا ليفهم عنه، ويحنو على السائل، ويرفض الاشتداد عليه، ويدني من مجلسه كل من يحتاج إلى أنسه، ويبسط من بشاشة الوجه وطيب المحيا وسعة الحلم والصفح ما يحول عداوة الخصم الألد إلى إقبال وحب وود، ويبذل العون المادي لمن يحتاج إليه، ومن هنا تنقطع أعذار الصادين وتسقط حجج المعرضين.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ج٥ ص٤٤ كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع رقم ١٩ حديث رقم ٢٦٧٦، ورواه ابن ماجه باختلاف يسير، باب اتباع سنة رسول الله ﷺ حديث ٤٣ ج١ ص١٦، ورواه الدارمي في سننه ج١ ص٤٤، باب اتباع السنة. ٢ سنن ابن ماجه ج١ ص٧٤، باب ١٨، من بلغ علما، حديث رقم ٢٣٠، وجامع الترمذي ج٥ ص٣٤ كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، حديث رقم ٢٦٥٨.
[ ٥٢ ]