على طريق الصحابة ومع بعضهم سار التابعون لهم بإحسان يمثلون الكثرة وينهضون بهذه المهمة: المحافظة على الحديث وتبليغه سالما من الدس والتدليس نقيا من الهوى بعيدا عن التعصب.
مضى جمهور التابعين غير منخدع بترويج أهل البدع والأهواء لآرائهم الفاسدة، وإنما تمسك بالسنة ولا يهتز، واحتياط في الرواية وتثبت من الأخبار، فهم يوقنون أن الحديث دين، فلينظروا عمن يأخذون دينهم وهم يدركون اختلاط الغث بالسمين، فلا بد من المبالغة في التأمل والتبصر بما ينقلون، وما كان التابعي ليقبل أن يكون حاطب ليل ربما يحتطب أو يجمع إلى
[ ١٩٦ ]
الحطب الأفاعي والثعابين وهو لا يدري بل لا بد وأن يحاط خبرًا بما يرويه.
كان ولا بد أن يسألوا، وأن يتحروا والعلة في ذلك يوضحها لنا أحدهم محمد بن سيرين١ إذ يقول: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"٢ وقال أيضا: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"٣.
هكذا نستطيع أن نقول إن شطط أهل البدع والأهواء واجتراءهم على الحديث بالوضع والدس فيه، أو محاولة النيل منه بانتقاص راوية، هذا الشطط والاجتراء كما أثمر جانبا سلبيا من خلال المجابهة والمضادة بين أصحاب الأهواء، أثمر أيضا جانبا إيجابيا تمثل في حفز همم أنصار الحق وشحذ عزائمهم ليشتد تمسكهم بالحق ويقوى بحثهم عن اليقين، ويزدادوا تثبتا إلى تثبتهم، واحتياطا إلى احتياطهم.
_________________
(١) ١ كنيته أبو بكر ونسب إلى الأنصار لكونه مولى أنس، وهو من سبي عين التمر، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وتوفي في شوال من سنة عشرة ومائة بعد الحسن بمائة يوم، وعرف ابن سرين بالتعبير، وهو من أروى الناس وأوثقهم عن عبيدة السلماني وشريح، ولقي ثلاثين صحابيا، وأجمعوا على ثقته وورعه وإمامته. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج٩ ص٢١٤، وطبقات ابن سعد ج٢، ق١، ص١٤٠ تذكرة الحفاظ ج١، ص٧٧ وطبقات الحفاظ ص٣١-٣٢، والكاشف ج٢، ص٥١-٥٢. ٢ مسلم بشرح النووي ج١، ص٨٤. ٣ المرجع السابق ج١، ص٨٤.
[ ١٩٧ ]
وقد كان التابعون يسترشدون ويستشهدون برأي من بقي معهم من الهادين المهديين أصحاب النبي ﷺ، فقد روى مسلم بسنده عن "مجاهد١ قال: جاء بشير العدوي٢ إلى ابن عباس، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ. قال رسول الله ﷺ. فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ، ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف"٣.
رأى التابعون رأي العين أن الناس ركبوا الصعب والذلول، فلم يقبلوا من كل أحد استأمنوا على الذهب والفضة وأتمنوا عليهما ولم يأتمنوا على
_________________
(١) ١ ابن جبر المكي المخزومي مولى السائب بن أبي السائب، ولد سنة إحدى وعشرين، اشتهر بالتفسير وعرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، واشتهر بميله إلى النزعة العقلية في التفسير، وتوفي سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث ومائة. نظر ترجمته في طبقات ابن سعد ج٥ ص٣٤٣، تهذيب التهذيب ج١٠، ٤٢ ميزان الاعتدال ج٣، ص٤٣٩، تذكرة الحفاظ ج١، ص٩٢، طبقات الحفاظ ص٣٥-٣٦. ٢ هو بشير "بصيغة التصغير" ابن كعب العدوي، ويقال: العامري أبو أيوب، روى عن شداد بن أوس وأبي ذر وأبي هريرة وروى عنه ابن برية وثابت البناني وقتادة وغيرهم، وهو ثقة عند سائرهم. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج١، ص٤٧١-٤٧٢، والكاشف ج١، ص١٦٠. ٣ مسلم بشرح النووي ج١، ص٨١-٨٢.
[ ١٩٨ ]
الحديث أن يأخذوه إلا ممن يثقون فيه، ها هو ذا أبو الزناد١ يقول: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله"٢ وكان الإمام مالك يقول: لقد أدركت في هذا المسجد أي النبوي سبعين ممن يقول: قال فلان، قال رسول الله ﷺ. ولو أن أحدهم أؤتمن على بيت مال لكان أمينا عليه، ولكني ما أخذت عنهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الشأن أي علم الحديث والرواية.
على هذا النحو كان احتياط التابعين وتثبتهم فيما يروون، واستيثاقهم ممن عنه ينقلون، على أنهم قد حاكوا الصحابة وقلدوهم في التقلل من الحديث، والتخفف منه، فلا يروي الواحد منهم إلا قدر ما تلح عليه الضرورة ويحتاج إليه البيان "جالس الشعبي٣ ابن عمر سنة فما سمعه يحدث عن رسول الله ﷺ"٤ وقال مجاهد: صحبت ابن عمر
_________________
(١) ١ عبد الله بن ذكوان مولى رملة بنت شيبة زوج عثمان، وقيل: إن ذكوان أخو أبي لؤلؤة، وكان أبو الزناد يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلم التابعين ومن أرواهم، لقي من الصحابة ابن عمر وأنسا وأبا أمامة، وتوفي أبو الزناد سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة عن ست وستين سنة انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ج١، ص١٣٤، وتهذيب التهذيب ج٥، ص٢٠٣، وميزان الاعتدال ج٢، ص٤١٨، وطبقات الحفاظ ص٥٤-٥٦. ٢ مسلم بشرح النووي ج١، ص٨٦-٨٨. ٣ هو عامر بن شراحبيل، ولد لست مضت من خلافة عمر، وأدرك خمسمائة صحابي، قال عن نفسه: ما كتبت سوداء في بياض قط، ولا حدثني رجل بحديث فأحببت أن يعيده عليّ، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته توفي سنة ثلاث أو أربع أو سبع أو عشر ومائة، انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ج١، ص٧٩، طبقات ابن سعد ج٦، ص١٧١ وتهذيب التهذيب ج٥، ص٦٥. ٤ سنن الدارمي ص٨٤، ج١، وابن ماجه ج١، ص٨.
[ ١٩٩ ]
من مكة إلى المدينة، فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث: "مثل المؤمن مثل النخلة".
وقال السائب١: إنه "صحب سعد بن أبي وقاص٢ من المدينة إلى مكة، قال: فما سمعته يحدث عن النبي ﷺ حديثا حتى رجع"٣.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن التابعين يعدون بحق امتداد للصحابة في كل شيء، وهم بنص المعصوم صلى الله عليه سلم خير القرون، ولا يجانب الصواب من يقول: إن دور التابعين كان أدق وموقفهم كان أصعب وأشق، إذ كان عليهم أن يواجهوا الخطر المحدق، وأن يتصدوا للمحاولات التي بذلت عبثا للنيل من الحديث والمحدثين.
وإذا وقفنا على تراجم بعض التابعين فسيهولنا ما لهم من مواقف جليلة، وإذا ذهبنا معهم حيث ذهبوا، ومضينا إلى الأمصار التر تفرقوا فيها أو التي وجدوا فيها تلاميذ نجباء لأساتذةٍ ألباء فقهاء، فسننبهر بتلك المدارس.
_________________
(١) ١ ابن يزيد بن سعيد له ولأبيه صحبة، وهو من صغار الصحابة، توفي سنة إحدى أو اثنتين وثمانين. انظر ترجمته في الإصابة ج٢، ص١٢-١٣. ٢ واسم أبي وقاص: وهيب بن عبد مناف، ومن هنا كان خالا له ﷺ كنية سعد أبو إسحاق، أحد السابقين، قال عن نفسه: إنه كان ثالث ثلاثة في الإسلام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله كان مستجاب الدعوة، وكان أحد قاد الإسلام، توفي سنة خمس وخمسين على الراجح وكان معتزلا للفتنة. انظر ترجمته في الاستيعاب ج٢، ص١٨-٢٧ بهامش الإصابة، طبقات ابن سعد ج٣، ق١، ص٩٧ والإصابة ج٢، ص٣٤. ٣ سنن ابن ماجه ج١، ٩.
[ ٢٠٠ ]
الحديثية التي توزعت في ربوع الإمبراطورية الإسلامية ذات الأطراف المترامية، ويجدر بنا أن نشير بإيجاز إلى أهم تلك المدارس، ثم نقف على تراجم بعض تلاميذها.
[ ٢٠١ ]