راوية الإسلام أبو هريرة:
اسمه ونسبه وإسلامه وفضله:
هو عبد الرحمن بن صخر من بني ثعلبة، وهو دوسي من أزد شنوءة وقد اختلف في اسمه واسم أبيه بحيث لا سبيل إلا ضبط الخلاف في اسمهما في الجاهلية والإسلام١.
والأصح أن اسمه: عبد الرحمن أو عبد الله، وأن اسمه في الجاهلية كان عبد شمس.
وقد عرف الإسلام طريقه إلى قبيلة دوس بواسطة الطفيل بن عمرو الذي قدم مكة قبل الهجرة، فصدته قريش عن الصراط، وقعدت له كل مرصد تبغي الحيلولة بينه وبين الهادي البشير ﷺ، فكان أن استمع إليه، وهو يقرأ القرآن في صلاته في المسجد الحرام فانشرح صدره للإسلام، ثم طلب الدعاء له بالعون على هداية قومه وجعل النور بين عينيه له آية فخشي أن يظنوها مثله فتحول النور إلى سوطه فأسلم على يديه الكثيرون، ويبدو أن أبا هريرة كان واحدًا منهم.
وأكثر الذين ترجموا له مجمعون على أنه قدم على النبي ﷺ مهاجرًا أثناء فتح خيبر سنة سبع مع نفر من قومه، وعندي أن هذه
_________________
(١) ١ الإصابة ج٤، ص٢٠٢-٢١١، والاستيعاب بهامش الإصابة ج٤، ص٢٠٢، ٢١٠، طبقات ابن سعد ج٤ قسم ٢ من ص٥٢-٦٤، البداية والنهاية ج٨ من ص١١١-١٢٤، تذكرة الحفاظ ج١ من ص٣٢-٤٢.
[ ١٢٠ ]
المرة هي التي تحققت بعدها الملازمة التامة والمصاحبة الدائمة، ولا يتنافى هذا مع كونه قدم قبل ذلك، فقد روى الهيثمي عن أبي هريرة ﵁ أنهم كانوا يحملون اللَّبِنَ إلى المسجد، ورسول الله ﷺ معهم، قال: فاستقبلت رسول الله ﷺ، وهو عارض لبنة على بطنه، فظننت أنها شقت عليه، فقلت ناولنيها يا رسول الله قال: "خذ غيرها يا أبا هريرة، فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة" ١.
ترى أي مسجد ذاك الذي كانوا يحملون اللَّبِنَ له؟ إن كان المسجد النبوي فالمتعين أن أبا هريرة قدم إلى المدينة قبل سنة سبع.
وما المانع أن يكون قد حاكى أبا ذر الغفاري في إسلامه قديما، ثم لحوقه بأهله داعيا إلى دينه، ثم عاد فقدم عليه مرة أخرى.
ما دام خبر الهيثمي صحيحا، وليس بمستبعد أن يكون اللَّبِنَ لمسجد آخر من مساجد المدينة التسعة.
المهم أنه لزم النبي ﷺ، وانتفع بملازمته وتعدته المنفعة إلى أمه التي أسلمت ببركة دعاء النبي صلى الله عليه سلم، وهكذا هاجر أبو هريرة مسكينا، مما جعله علم أهل الصفة يشتد به الجوع، ويصرع من ألم المسغبة حتى يظن الناس به الظنون، ويرمونه بالجنون، ويسأل الصحابة الواحد تلو الآخر عن الآية، وما به حاجة للسؤال عنها إلا ابتغاء استضافته وإطعامه.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ج٢ ص٩.
[ ١٢١ ]
وكان لا يطفئ حر سبغه إلا خليله أبو القاسم ﷺ، وهو في ذلك كله متفرغ للحديث، متلهف إليه، حريص عليه، يسأل عن أحق الناس بحسن الشفاعة، فيقطع له بالعلم بأنه لن يسأل عن هذا غيره.
ويشغل المهاجرون بالصفق في الأسواق، ويعنى الأنصار بالحصاد والفواق، ويتفرغ أبو هريرة للحديث، ويلازم على شبع بطنه أو الكسرة والكسرتين، يحضر إذا غاب غيره، ويحفظ إذا نسي غيره، ويشكو سوء الحفظ، فيبسط الرداء، ويحظى بالدعاء من أمير الأنبياء ﷺ، ولا يطوي ردائه حتى تنقضي مقالته فلا ينسى شيئا أبدًا.
لا عجب إذا أن يقول عنه الشافعي: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. أسنده البيهقي في المدخل، وكان ابن عمر يترحم عليه في جنازته ويقول: كان يحفظ على المسلمين حديث النبي ﷺ"١.
_________________
(١) ١ تدريب الراوي ج٢، ص٢١٧.
[ ١٢٢ ]