ثم نصل إلى قمة ما تستند إليه السنة في حجيتها والغاية التي تعليها إلى مكانتها ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ١.
نقل القرطبي عن المهدوي في التعليق على الآية: "هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي ﷺ أمر من الله تعالى، والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره ﷺ ونواهيه دخل فيها، ثم
_________________
(١) ١ سورة الحشر: ٧.
[ ٣١ ]
نقل عن الشافعي ﵁ قوله: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم ﷺ، فسئل: ما تقول -أصلحك الله- في المحرم يقتل الزنبور؟
فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال:
قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر". حدثنا سفيان ابن عيينة عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر بقتل الزنبور. قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبين أنه يقتدى فيه بعمر، وأن النبي ﷺ أمر بالاقتداء به، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبي ﷺ، فجواز قتله مستنبط من الكتاب والسنة١.
وإذا كان العلماء قد انبهروا بجواب الشافعي هذا واعتبروه غاية في الحسن، فإن للشافعي إماما، وقدوة في دقة الفهم، هذه التي استوعبت ما بين الكتاب والسنة من شديد التواثق، وحسن التطابق والتوافق، ذلكم هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، فقد روى لنا الإمام مسلم بسنده الصحيح
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ج١٨ ص١٧-١٨.
[ ٣٢ ]
إلى عبد الله ﵁ قال: "لعن الله الواشمات١ والنامصات٢ والمتنمصات والمتفلجات٣ للحسن المغيرات خلق الله".
قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب٤.
وكانت تقرأ القرآن فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسولُ الله ﷺ، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله ﷿: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ
_________________
(١) ١ جمع "واشمة" وهو كالخلان تجعل في الوجه، أو الرقوم في اليد والمعاصم وغيرها، كانت العرب تفعل ذلك، فتشق مكان ذلك بإبرة، ثم تملؤه كحلا أو دخانا، فيلتئم الجلد عليها، فيخضر مكانها، والواشمة هي التي تفعل ذلك بنفسها أو غيرها، والمستوشمة هي التي تطلبه. "مشارق الأنوار ج٢ ص٢٩٦". ٢ قال النووي "النامصة -بالصاد المهملة- هي التي تزيل الشعر من الوجه، والمتنمصة هي التي تطلب فعل ذلك، وهذا الفعل حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالتها. "شرح النووي ج١٤ ص١٠٦". ٣ المتفلجات جمع متفلجة، وهي التي تبرد أسنانها فيبدو الفلج بفتحتين، وهو الاتساع والفرج بين رباعيتيها وثنيتيها. "المرجع السابق بتصرف ج١٤ ص١٠٦". ٤ ذكر الحافظ في الفتح أن أم يعقوب لا يعرف اسمها وقد أدركها عبد الرحمن بن عابس. "فتح الباري ج١٠ ص٢٥٤"، وذكر في تهذيب التهذيب أم يعقوب امرأة من بني أسد روت عن ابن مسعود وعنها. عبد الرحمن بن عابس، ولم يزد على ذلك "تهذيب التهذيب ج١٢ ص٤٨٣".
[ ٣٣ ]
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن، قال: اذهبي فانظري، قال: فدخلت على امرأة عبد الله، فلم تر شيئا، فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها"١.
ونختم بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢.
وقد سبقت الإشارة إلى حكم الله على مبايعته ﷺ بأنها مبايعة لله، وما أسعد الموفين بما بذله رب العالمين أكرم الأكرمين لهم من وعد، وما أشقى الناكثين بما توعدهم به القوي المتين من الوعيد ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ رواه الإمام مسلم، وهذا لفظه في كتاب اللباس والزينة ج١٤ ص١٠٥-١٠٧، ورواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، فأخرجه في كتاب التفسير في تفسير سورة الحشر، باب: وما آتاكم الرسول فخذوه، ج١٠ ص٢٥٤، وأخرجه في كتاب اللباس من عدة طرق، وفي عدة أبواب، ج١٢ ص٤٩٤-٥٠٢، وأخرجه أبو داود في كتاب الترجل، باب: في صلة الشعر، ج٢ ص٣٩٥، وأخرجه الترمذي في كتاب اللباس باب ما جاء في مواصلة الشعر، ج٤ ص٢٣٦. ٢ سورة التغابن: ١٢. ٣ سورة الفتح: ١٠.
[ ٣٤ ]