رأينا كيف تثبت الصحابة من الراوي والمروي، وبان لنا مدى استيثاقهم مما ينقلونه، وتحوطهم في الرواية، وبعدهم من التزيد فيها، واقتصارهم على ما يبلغ الغاية من الرواية أتتحقق من خلاله نضارة الوجوه واتضاح الأحكام، وتحقق مصالح العباد.
فإذا تساءلنا عن أدائهم للأخبار هل كان بمعناها من خلال ألفاظ يصوغونها، ويعلمون مؤداها، أم كان أداؤهم بنفس الألفاظ التي سمعوها من غير تغيير كلمة بأخرى، أو تبديل حرف بحرف، أو تبديل هيئة الحرف لكونه مشددًا أو مخففًا.
المتجرد للحق الخالي من الهوى والعصبية إذا طالع الأخبار المتناقلة بين الصحابة وعنهم، رأى أن من الصحابة من تشدد في الرواية وأبى إلا تحري الألفاظ النبوية، ومنهم من ترخص في ذلك وسوغ الرواية بالمعنى لمن علم المباني وفهم المعاني وعرف مدلول الألفاظ، وما يحيل المعنى أو يغيره، إلى غير ذلك من الشروط اللازمة للترخيص في الرواية بالمعنى.
وممن عرف عنه التشدد في الرواية والتزام اللفظ الناسك العابد، الورع الزاهد عبد الله بن عمر ﵄، وهو أشهر من روى حديث: "بني الإسلام على خمس"، وقد نقل الخطيب عنه أنه قال لمن أعاد هذا الحديث عليه فجعل الصيام قبل الحج: "اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من
[ ١٠١ ]
فِيِّ رسول الله ﷺ"١.
وممن تشدد في المحافظة على نص الحديث بألفاظه، فمنع زيادة حرف أو حذفه حتى ولو لم يتغير المعنى أنس بن مالك، وكان يقول بعد انتهائه من الرواية: "أو كما قال، أو نحو من ذلك".
وهناك من اشتد حرصه على لفظ سماعه فأبى تبديل حرف مشدد بمخفف، ففي الحديث الذي روته أم كلثوم بنت عقبة٢ ﵄ قالت: "ليس الكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا". قال حماد سمعت هذا الحديث من رجلين، فقال أحدهما: نمى خيرًا خفيفة، وقال الآخر نَمّى خيرًا مثقلة٣.
هكذا التزم كل واحد لفظ سماعه، وهيئة كل حرف فروى أحدهما نمى بتخفيف الميم، ورواه الآخر نَمّى بتشديدها، ونظيره "نضر الله امرأً". بتخفيف الضاد وتثقيلها، وهذا الحديث نفسه هو من شواهد وأدلة الذين كرهوا الرواية بالمعنى حيث جاء فيه: "نضر الله أمرأ سمع مني حديثا، فحفظه
_________________
(١) ١ الكفاية ص١٧٦. ٢ هي أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، أسلمت بمكة، وهي من النساء المهاجرات، بل إنها أول امرأة هاجرت، والأصح تقييد هذا بوقوعه بعد صلح الحديبية، تزوجها زيد ثم الزبير، ثم عبد الرحمن بن عوف، ثم عمرو بن العاص، وماتت بعد تزوجه إياها بشهر، وحديثها في الصحيحين، وأشهر من روى عنها حميد بن عبد الرحمن. "الإصابة ج٤ ص٤٩١". ٣ ورواه الخطيب في الكفاية ص١٨٠-١٨١، ورواه ابن عبد البر في ترجمتها. الاستيعاب ج٤، ص٤٨٩ بهامش الإصابة.
[ ١٠٢ ]
ووعاه فأداه كما حفظه". وفي رواية: "سمع مقالتي فأداها كما سمعها"، ولا ريب في تضمن مثل هذه الروايات الترغيب في نقل الأخبار بألفاظها، والحث على عدم التغيير فيها.
ومن أقوى ما استدل به على كراهية الرواية بالمعنى حديث البراء بن عازب في الدعاء المستحب عند الإيواء إلى الفراش، وفيه أن النبي ﷺ قال له: "إذا أويت إلى فراشك، فتوسد يمينك، ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، وآمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت"، فقلت كما علمني غير أني قلت: ورسولك. فقال بيده في صدري: "وبنبيك، فمن قالها من ليلته ثم مات مات على الفطرة" ١.
هكذا لم يسمح بتبديل لفظ "نبي" بلفظ "رسول".
وقد أجاب المجوزون للرواية بالمعنى عن هذا بأنه أراد مورد التعبد فهو دعاء، وأجابوا عن الأول: بأن غاية أمره الترغيب في الالتزام باللفظ، ولا مخالفة في ذلك ما استطاع إليه المرء سبيلا، أما إن عجز عن تذكر اللفظ، ولم يكن جاهلا بما يحيل المعنى فلا مانع من ذلك، وشواهد الشرع ناطقة بترجيح رأي المجيزين للرواية بالمعنى، فكلام رب العالمين عن قصص السابقين منقول إلينا لا بلسان أصحاب الوقائع، أو الأحداث، وإنما بلسان
_________________
(١) ١ عزاه النووي في الأذكار إلى الصحيحين ص١١٣، ورواه بهذا اللفظ الخطيب في الكفاية ص٢٠٣.
[ ١٠٣ ]