هو الصحابي الجليل أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي النجاري، وأمه أم سليم "بضم السين" بنت ملحان وعمه أنس بن النضر، أحد المؤمنين الذين قضوا نحبهم يوم أحد، بعد أن صدق الله ما عاهده عليه، وشم رائحة الجنة خلف أحد، وقاتل واستشهد فما عرف من بين الشهداء إلا ببنانه.
[ ١٣٨ ]
وعم أنس أيضا أبو طلحة الأنصاري من أجلاء الصحابة، تزوج والدة أنس بعد أبيه وكان صداق ما بينهما الإسلام، وضربا معا أروع الأمثلة في الصبر وأحسا بثمرة الشكر حين غزا أبو طلحة وترك ولده مريضا، فلما عاد كان الغلام قد احتضر، ولكن الرميصاء أم سليم والدة أنس كتمت نبأ وفاة ولدها، وهيأت من نفسها ما تهيئ الزوج لزوجها.
فلما أصبح الصبح أخبرته الخبر، ثم ذهب إلى النبي ﷺ، ليجد تحفته عنده: "إن الله قد عجب لصنيعكما الليلة، ولعله أن يبارك لكما في ليلتكما".
وعمة أنس هي الربيع بنت النضر، وما تنبئ عن فضلها وفضل أسرتها ثابت في الصحيح، ذلك أنها كسرت سن جارية لها، فتحاكما إلى النبي صلى الله عليه سلم، فأبى إلا القصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر سن الربيع يا رسول الله؟ لا والله لا تكسر سن الربيع، فما كان من الجارية إلا أن عفت، فارتفع بعفوها الحد، ثم قال ﷺ: "إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره".
فأنس سليل أسرة عريقة في الإيمان، وربيب بيت غاص بالفضائل حتى فاض، لذا كان مليء الوفاض من طيب الخصال، وكريم الخلال، وجميل الفعال.
وقد قدر الله له أن ينهل من تلك الفضائل، ويستكثر حين جاءت به أمه إلى النبي ﷺ، فقالت له: غويلمك أنس خذه يخدمك، فعاش في
[ ١٣٩ ]
بيت النبوة، وتربى على مأدبة الله، وأحبه النبي ﷺ، وعشق أنس تلك الأخلاق السامية التي أحسها ولمسها، فنهج لسانه بالثناء من نحو قوله: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ وما قال لشيء تركته: لما تركته؟ وكان إذا لامه أحد من أهل بيته على ترك شيء دافع عنه ﷺ بقوله: دعوه فإنه لو قدر أو قضى لكان".
وقد أخذ أنس عن رسول الله ﷺ الكثير والكثير، ثم استزاد فروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن رواحة وعن فاطمة الزهراء وعبد الرحمن بن عوف، وعن غيرهم من صحابة رسول الله ﷺ.
وروى عنه الحسن البصري وسليمان التيمي وأبو قلابة وأبو مجلز وعبد العزيز بن صهيب، وإسحاق بن أبي طلحة، وأبو بكر بن عبد الله المزني، وقتادة بن دعامة السدوسي، وثابت البناني، ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وابن شهاب الزهري، وربيعة بن عبد الرحمن الشهير بربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري وسعيد بن جبير وخلق كثير غيرهم.
وكان أنس كثير العبادة قليل الكلام، قال فيه أبو هريرة: "ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم"، وقد استعمله أبو بكر على زكاة البحرين، ثم استقر به المقام في البصرة بعد المدينة، وصار أنس في البصرة محط أنظار أهل العلم.
[ ١٤٠ ]
روي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديث ومائتان وستة وثمانون حديثا. أخرج الشيخان منها ثلاثمائة وثمانية عشرة حديثا، اتفقا منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثمانين ومسلم بسبعين.
وعمر أنس حتى كان آخر الصحابة وفاة بالبصرة، حيث توفي سنة ثلاث وتسعين، قيل: إن الرسول دعا له بأربع دعوات: طول العمر، فعاش حتى ناهز المائة، والبركة في المال حتى كان له بستان يثمر في العام مرتين، وكثرة العيال حتى قيل: إنه رأى مائة من أولاده وأحفاده. وكان يقول: وإني لأنتظر الرابعة ألا وهي دخول الجنة، فرضي الله عن أنس وأرضاه قدر ما قدم للحديث وصاحبه وأسداه١.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في: الاستيعاب ج١، ص٧١-٧٣ بهامش الإصابة، وطبقات ابن سعد ج٧، ق١،ص١٠-١٦، والإصابة ج١، ص٧١-٧٢، وتذكرة الحفاظ ج١، ص٤٤-٤٧، وطبقات الحفاظ ص١١، ودليل الفالحين ج١، ص٨٣-٨٤، وصفة الصفوة ج١، ص٧١٠-٧١٤.
[ ١٤١ ]