هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم رسول الله ﷺ وأمه أم الفضل، لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين.
[ ١٤٣ ]
كان يقال له: الحبر والبحر؛ لكثرة علمه، وهو ترجمان القرآن، وهو والد الخلفاء العباسيين، وأحد العبادلة الأربعة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وقول الجوهري في الصحاح بدل ابن العاص: ابن مسعود، مردود عليه؛ لأنه منابذ لما قال أعلام المحدثين؛ كالإمام أحمد، وغيره.
وقد ولد ابن عباس بشعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقال أحمد: خمس عشرة سنة، والأول هو المشهور.
وقد مكنه قربه من النبي صلى الله عليه سلم، ومكان خالته ميمونة عنده من أخذ الكثير والكثير، ثم إنه لم يأل جهدا -بعد وفاة الرسول ﷺ- في طلب العلم. فكان يقصد الصحابة ويسألهم، حتى إنه لينتظر الصحابي في قيلولته، فيتوسد رداءه على بابه، والريح تسفي التراب على وجهه حتى يخرج إليه، فيخبره بما أراد. ويقول الصحابي: هلا أرسلت إليّ فآتيك، فيقول: لا أنا أحق أن آتيك.
هكذا يكون الحرص على طلب العالم وإجلال أهله، وقد بوأ هذا ابن عباس مكان الصدارة، وعمر مجلسه وحفل بقاصدي العلم والفقه.
قال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا كان أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر.
[ ١٤٤ ]
وكان الصحابة يعتزون بعلمه، ويعتبرونه مرجعهم في كل ما يعن لهم من القضايا والفتاوى، وكان عمر شديد الاعتزاز به وكثيرا ما يؤخذ برأيه ويفاخر بعمله الصحابة، وكيف لا وهو الذي ناله هذا الدعاء النبوي المبارك: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، وعن ذكائه وفطنته وتوقد ذهنه وحسن خبرته حدث ولا حرج، ولذا ولاه على البصرة وكان أحد أعمدته في صراعه المرير.
وقد كثر مرويه عن النبي ﷺ لشدة قربه منه ويسر دخوله عليه، وحصول بركة الدعاء له، وشدة ذكائه ونهمه في الطلب، ثم طول عمره.
وبلغ ما روى له ألف حديث وستمائة وستين حديثًا، أخرج منها الشيخان مائتين وأربعة وثلاثين حديثا، اتفقا منها على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرة أحاديث ومسلم بتسعة وأربعين.
وقد توفي ابن عباس بالطائف١ سنة ثمان وستين عن إحدى وسبعين سنة أثناء محنة عبد الله بن الزبير، وكان قد كف بصره في آخر عمره وأثر عنه قوله:
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في الاستيعاب ج٢ ص٣٥٠-٣٥٧، بهامش الإصابة وعمدة القاري ج١، ص٧٠، والإصابة ج٢، ص٣٣٠-٣٣٤، وتذكرة الحفاظ ج١، ص٤٠-٤٢، وطبقات الحفاظ ص١٠، ودليل الفالحين ج١، ص٧٠، وصفة الصفوة ج١، ص٧٤٦-٧٥٨.
[ ١٤٥ ]
إن أذهب الله من عيني نورهما ففي فؤادي وعقلي منهما نوري
عقلي ذكي وقلبي ما حوى دخلا وفي فمي صارم كالسيف مشهور
[ ١٤٦ ]