هو أحد كبراء التابعين وأجلائهم أبو محمد سعيد بن المسيب "بكسر الياء المشددة على الأرجح" بن حزن القرشي المخزومي المدني، أبوه وجده صحابيان أسلما يوم الفتح.
وقد ولد سيد التابعين سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وأدركه في سن التمييز، فروى عنه سماعا كما سمع من عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وجل روايته عنه لمكان مصاهرته، فقد كان سعيد زوج ابنته.
وقد كان سعيد أحد أعلام الدنيا، غزير العلم، قال فيه ابن عمر: "لو رأى رسول الله ﷺ هذا لسره"، وقال مكحول بن الفضل
[ ٢١٦ ]
وقتادة بن دعامة، وابن شهاب الزهري: "ما رأينا أعلم من ابن المسيب"، وقال علي بن المديني: "لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، وهو عندي أجل التابعين".
وكان من أحفظ التابعين لأقضية الرسول ﷺ، والخلفاء الراشدين، وكان يفتي وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء، وكان يقدم على فقهاء عصره.
وكان عمر بن عبد العزيز يجله ويحترمه، وقد اشتهر بعبادته وورعه، وعرف بجرأته في الحق، وأبى أن يابيع بعض أولي الأمر، وجلد على ذلك وبقي صامدا ثابت العزيمة، وهكذا ضرب المثل في التمسك بالحق والتجلد على البلاء وحسن الرضا بالقضاء.
ولسعيد مكانته الخاصة في الرواية، فأكثر من يردون الحديث المرسل، يقبلون مرسل ابن المسيب، ولعل هذا لعلمهم تثبته وتيقنه، فهو لكبر سنه ولفضله لا يسقط إلا الصحابي، ويأخذ مرسله حكم مرسل الصحابي ولجلالته أجمعوا على إمامته وعلو مكانته وعده رأس المدينة في الفقه والفتوى إلى حد تسميته "فقيه الفقهاء".
وأجمع أهل الحديث على ثقته وورعه وضبطه، وشدة حرصه على السنة، ودأبه على العلم والعبادة، حتى إنه كان لا يفارق المسجد من العتمة إلى العتمة، فقد كان تورعه أن رفض العطاء حتى من الأمراء، واكتفى بغلة أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت ويقتات من ربحها.
[ ٢١٧ ]
وقد توفي سعيد سنة ثلاث أو أربع وتسعين١.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ج١، ص٥١-٥٣ وطبقات ابن سعد ج٥، ص٨٨-١٠٦، وتهذيب التهذيب ج٤، ص٨٤، وطبقات الحفاظ ص١٨.
[ ٢١٨ ]