دخل الإسلام اليمن على عهد النبي ﷺ، ووفد الكثير من أهلها إلى المدينة ينشدون الهدى، وينهلون من علم الحبيب المصطفى ﷺ، وما كان ذلك ليغني عن إرسال أئمة مرشدين يبلغون الدين، ويعلمون أحكامه للمقيمين في أحيائهم.
وكان من أوائل الصحابة الذين أوفدوا إلى اليمن الصحابي الجليل معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري١، ونزل غيرهما كثير.
وقد خرجت مدرسة اليمن مجموعة من نبهاء التابعين ونجبائهم على رأسهم
_________________
(١) ١ عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري، واشتهر بكنيته، أسلم بمكة، ثم هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، كان ﵁ قارئا صيتا شجاعا عالما عاملا شديد الوقار والهيبة، ولي اليمن في عهد النبوة، ثم ولاه عمر الكوفة والبصرة، وأجرى الله على يديه فتح الأهواز وأصبهان، توفي بمكة أو الكوفة سنة اثنتين أو أربع وأربعين عن ثلاث وستين، له في الصحيحين ثمانية وستون حديثا، اتفقا على تسعة وأربعين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر. الرياض المستطابة ص١٨٨-١٩١.
[ ٢١٤ ]
وهب بن منبه وأخوه همام١ وغيرهما، وتوالت حلقات هذه المدرسة إلى أن جاء معمر بن راشد٢، وتلميذه عبد الرزاق بن همام٣، ولهما مدوناتهما في الحديث.
وقد جنى ثمار مدرسة اليمن، وانتفع بحدائقها الإمام المحدث الفقيه أحمد بن حنبل الشيباني.
وهناك مدارس أخرى في المغرب وخراسان.
ونستطيع أن نتبين آثار هذه المدارس إذا تصفحنا كتب الصحاح، ورأينا أنهم أقطاب الرواية وأعمدة النقل للحديث النبوي، ولقد ترابطت هذه المدارس في مناهجها وتواثقت فيما بينها على نشر السنة النبوية المطهرة وتبليغها في احتياط وتثبت، ولا يخالنّ أحد أننا نعني بالمدرسة المكان ذا السعة المعينة على نحو ما هو معروف الآن؛ إذ من الغني عن البيان أن
_________________
(١) ١ ابن كامل بن شيخ اليماني الصنعاني. أكثر روايته عن أبي هريرة وصحيفته عنه مشهورة، وهو أخو وهب توفي سنة اثنتين أو إحدى وثلاثين ومائة، تهذيب التذهيب ج١١، ص٦٧. ٢ الإمام الحجة أبو عدوة الأزدي مولاهم البصري أحد الأعلام، صنف باليمن وهو أثبت أصحاب الزهري، وما ذكر مع أحد إلا كان فوقه، توفي في رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائة، ولم يبلغ ستين سنة تذكرة الحفاظ ج١، ص١٩٠-١٩١. ٣ الحافظ الكبير أبو بكر الحميري صاحب المصنف وغيره من التصانيف، قال أحمد: كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر، وهو ثقة، حديثه مخرج في الصحاح، وله ما ينفرد به، نقموا عليه التشيع وما كان يغلو فيه، وكان ﵀ من أوعية العلم مات في نصف شوال سنة إحدى عشرة ومائتين عن خمس وثمانين سنة. تذكرة الحفاظ ج١، ص٣٦٤.
[ ٢١٥ ]
المسجد في ذلك الزمان كان يمثل المدرسة والجامعة والمنتدى ومقر القيادة العامة، والبرلمان، والمتعبد.
فحينما يطلق لفظ المدرسة يعنى به المنهج الذي انبرى لإيضاحه واستيضاحه أساتذة أجلاء، وتلاميذ نجباء لم تكن الدنيا مقصدهم، ولا تحصيل منصب غايتهم، ولا جمع مال أو بلوغ جاه مبتغاهم، وإنما كان كل مناهم رضا مولاهم، وينشدون هداه، ويهتدون بوهج ثناه، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
وحتى نزداد تبصرا بهم، وتعرفا على مناهجهم نتوقف أمام بعض التابعين مجلين مكبرين، معظمين موقرين، ذوي الفضل منهم، فنتعرف على:
[ ٢١٦ ]