الفصل الأول: التعريف بشاخت وبأهم آرائه في السنة
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تعريف بالمستشرق " شاخت ".
المبحث الثاني: عرض موجز لأهم آرائه حول السنة النبوية.
[ ٣ ]
المبحث الأول: تعريف بالمستشرق " شاخت "
يلحظ أي باحث لا يجيد إلا اللغة العربية أن المستشرق " شاخت " ليس له ترجمة تتناسب مع مكانته الاستشراقية، ومما يثير الاستغراب أن بعض الكتب التي اعتنت بتراجم المستشرقين ككتاب " الأعلام " لخير الدين الزركلي لم تذكر عنه أي شيء، بينما ذكرت تلك الكتب تراجم لمستشرقين هم أقل شأنًا منه، ويزداد العجب أكثر حين نعلم أن الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وهو أبرز عالم مسلم رد على كتابات " شاخت " في السنة النبوية لم يعط تعريفًا به، مع أنه لم يكتب بحوثه إلا بعد وفاة شاخت ببضع سنين.
هذا الأمر كان حافزًا لي كي أبحث عن ترجمة مطولة بعض الشيء لحياة شاخت، فيسَّر الله ﷿ لي الوقوف على بعض المقالات، فاجتهدت أن أصوغ منها ترجمة وافية بعض الشيء لهذا المستشرق الذي ترك أثرًا خطيرًا في الدراسات الاستشراقية.
نشأته:
ولد جوزيف (يوسف) شاخت، في راتيبور في الخامس عشر من مارس سنة ١٩٠٢م، وتقع هذه البلدة في إقليم شيلزبان الألماني، أما الآن فهي تخضع للسيطرة البولندية (١) .
التحق في تلك البلدة بالثانوية الألمانية، وفيها بدأت تظهر اهتماماته الأولى باللغات الشرقية، حيث كان الحاخامات اليهود يلقون دروسًا في تلك المدارس في المحاضرات المخصصة للدراسات الدينية، وكانوا يعلمون اللغة
_________________
(١) انظر مقال برنارد لويس بعنوان " جوزيف شاخت " (ص ٦٢٢)، ومقال روبير برونشفيج بعنوان "يوسف شاخت حياته وآثاره" (ص ٦٣٠) .
[ ٥ ]
العبرية لأولاد اليهود، ويؤكد برنارد لويس (١) أن " شاخت " لم يكن يهوديًا، ولكنه حضر تلك الدروس رغبة منه في زيادة معارفه.
ونفي يهودية " شاخت " أكدها أيضًا " روبير برونشفيج " حيث ذكر أن " شاخت " كان يكره النازية الألمانية مع أنه ما كان له أن يخشاها بحكم أصوله (٢) .
والمشهور عند عدد من الباحثين العرب أنه كان يهوديًا، هذا ما جزم به الدكتور مصطفى السباعي، والدكتورأكرم ضياء العمري وآخرون غيرهما (٣)، ولكن يبدو أن الواقع كما ذكره " برنارد لويس " و" برونشفيج " فهما من المقربين لشاخت، وليس هناك حاجة ملحة تدعوهم لإنكار يهوديته، والذي يظهر لي أن أسباب الوهم لدى السباعي والعمري وغيرهما من القائلين بأن ديانة " شاخت " هي اليهودية ربما ترجع للأمور التالية:
١ - يكثر في اللغة العبرية استعمال حرف الخاء وهو في اسم "شاخت"، مما يوحي بأن أصل الاسم يعود للعبرية التي هي لغة اليهود، ومن المعروف أن اللغة الألمانية أيضًا تستعمل حرف " الخاء " في أبجديتها، مما ينفي وجاهة هذا الربط بين الاسم واللغة العبرية.
٢ - كان " شاخت " من أشد المعجبين بالمستشرق المجري "جولد زيهر" وهو يهودي معروف يعد من أساطين الاستشراق، وقد سار " شاخت " على
_________________
(١) مقال لويس السابق (ص ٦٢٢) .
(٢) مقال برونشفيج السابق (ص ٦٣٢) .
(٣) انظر كتاب السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي (ص ١٥)، وموقف الاستشراق من السيرة والسنة النبوية للعمري (ص ٣٧) .
[ ٦ ]
خطاه في بحوثه حول السنة النبوية، بل كان أكثر شراسة وقسوة منه على التراث الإسلامي، فلعل هذا ما أوحى لبعض الباحثين العرب بأن الرجل يهودي أيضًا لطبيعة آرائه الحاقدة على المسلمين ودينهم.
٣ – ليس ثمة ترجمة ضافية لشاخت في المصادر العربية المتاحة، مما أسهم في التمكين لذلك الخطأ وساعد على انتشاره وشهرته.
وبهذا يعلم أنه ألماني المنشأ واللغة، ولم يكن يهوديًا كما أكد أحد تلامذته اليهود أعني " برنارد لويس " (١)، وأحد أصدقائه المقربين منه " روبير برونشفيج " (٢)، وبالنظر إلى أن الديانة الأكثر انتشارًا في ألمانيا هي النصرانية، فالغالب أن يكون " شاخت " نشأ في أسرة تدين بهذه الديانة.
وقد أقام في ألمانيا حتى تجاوز الثلاثين من عمره، ثم هاجر إلى بريطانيا بسبب كراهيته للنظام النازي الذي كان يحكم ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، وفي ذلك يقول برونشفيج: «ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فالتحق "شاخت" بإنجلترا التي كان في أحلك الظروف يسمع منها عبر الإذاعة البريطانية، صوت الحرية مخاطبًا مواطنيه الألمان - إذ لم يكن قد تخلى بعد عن جنسيته الألمانية -، وكان شاخت يمقت النازية مع أنه ما كان له أن يخشاها
_________________
(١) برنارد لويس مستشرق له شهرة عالمية يحمل الجنسية الأمريكية، وهو يهودي صهيوني من أكثر المستشرقين المعاصرين حقدًا وكراهية للعرب والمسلمين، وحماسًا ودعمًا لما يسمى بدولة " إسرائيل "، ولا يزال على قيد الحياة، فقد قرأت بعض أفكاره وتصريحاته مؤخرًا في الصحف خلال حرب أمريكا على العراق. وللمزيد حول آرائه وترجمته انظر الدراسة الجيدة التي كتبها الدكتور مازن المطبقاني عنه في أطروحته للدكتوراه المنشورة بعنوان: " الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي دراسة تطبيقية على كتابات برنارد لويس ".
(٢) مقال برونشفيج السابق (ص ٦٣٠، ٦٣٣) .
[ ٧ ]
بحكم أصوله، لكنه كان يعارض كل نبذ، وكل اضطهاد وتزوج امرأة إنجليزية مثقفة وما انفكت أن أصبحت الرفيقة المتفهمة له، والمتفانية التفاني الكامل في خدمته، وبعد الحرب حصل عام ١٩٤٧م على الجنسية الإنجليزية
التي لم يتخل عنها قط» (١) .
وقد انتقل في آخر حياته إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة ١٩٥٧م، وأقام فيها حتى آخر حياته.
تكوينه العلمي:
تقدم أنه درس في الثانوية الألمانية، وحين التحق بجامعتي برسلو، ولايبتزج درس فقه اللغة اللاتينية، والإغريقية، وعلم اللاهوت، واللغات الشرقية.
وكان يكتب بحوثه بثلاث لغات هي: الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، مما يدل على إجادته لها (٢)، وكان يحسن اللغة العربية والتركية (٣)، وتقدَّم أنه تعلَّم اللغة العبرية.
ولما كانت الرحلات العلمية تؤثر في التكوين العلمي لأي باحث، فإن "شاخت" حرص عليها، فقام بزيارة الشرق الأوسط عدة مرات، وكذلك شمال إفريقيا وغربها (٤) .
ويظهر من إنتاجه العلمي أن أول كتاب نشره، كان تحقيقًا لكتاب في الحيل الفقهية وعنوانه " الحيل والمخارج "للخصاف، وقد كتب له مقدمة،
_________________
(١) من مقال برونشفيج السابق (ص ٦٣١ - ٦٣٢) .
(٢) السابق (ص ٦٣٥) .
(٣) السابق (ص ٦٣١) .
(٤) السابق (ص ٦٣١، ٦٣٣)، ومقال برنارد لويس (ص ٦٢٣) .
[ ٨ ]
وعلق على عدة مواطن منه (١)، وكان تاريخ نشره في ١٩٢٣م، ولهذا يقول برنارد لويس: «كان الفقه الإسلامي هو الحقل الدراسي الأول الذي انصرف إليه " شاخت " بكل همته، وبقي واحدًا من أهم اهتماماته الأساسية حتى قضى نحبه» (٢) .
ويبدو أنه كان معجبًا، في وقت مبكر من شبابه بالمستشرق المشهور "جولد زيهر"، ولذا فقد قام بإكمال بحوثه حول السنة النبوية، ولاسيما فيما يتعلق بالأسانيد (٣) .
مناصبه العلمية:
أول منصب شغله " شاخت " كان أستاذًا في جامعة فرايبورج عام ١٩٢٥م، وفي سنة ١٩٣٢م دعي لشغل كرسي اللغات الشرقية في جامعة كونجسبرج، وفي عام ١٩٣٠م عمل أستاذًا زائرًا في الجامعة المصرية بالقاهرة، ثم عاد إليها في سنة ١٩٣٤م وعمل بها حتى سنة ١٩٣٩م.
وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية انتقل إلى إنجلترا حيث عمل في هيئة الإذاعة البريطانية طوال سنوات الحرب، وفي عام ١٩٤٦م عين في وظيفة تعليمية في جامعة أكسفورد برتبة محاضر، وفي سنة ١٩٤٨م عين أستاذًا مساعدًا في الدراسات الإسلامية.
ثم عمل أستاذًا زائرًا في جامعة الجزائر في سنة ١٩٥٢م، وفي سنة ١٩٥٤م غادر إنجلترا إلى هولندا ليشغل كرسي اللغة العربية في جامعتها
_________________
(١) المستشرقون (٢ / ٤٦٩)، ومقال برنارد لويس (ص ٦٢٤) .
(٢) مقال برنارد لويس (ص ٦٢٤) .
(٣) السابق (ص ٦٢٦)، ومقال برونشفيج (ص ٦٣٢) .
[ ٩ ]
الشهيرة لايدن، ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية من سنة ١٩٥٧م إلى ١٩٦٩م حيث هلك هناك، بالإضافة إلى أنه كان عضوًا في المجمع العلمي في دمشق، وغيره من المجامع (١) .
أخلاقه
وصفه " برنارد لويس " بأنه كان عنيدًا، متصلبًا لدرجة أنه حين غادر ألمانيا لم يعد إليها أبدًا، بل ولم يكتب بلغته الأم بعد ذلك، وكان التعامل معه صعبًا؛ لأنه كان لا يحسن ممارسة الرياء الاجتماعي، وكانت قسمات وجهه متجهمة (٢) .
وقد أثنى عليه أصحابه من المستشرقين بأنه كان لطيفًا ودمثًا ونزيهًا وأمينًا (٣)، ولكننا نشك في دقة هذا الكلام المتعلق بالأمانة والنزاهة؛ لأمرين:
أحدهما: أن المطلع على بحوث هذا الرجل المتعلقة بالسنة النبوية، والفقه الإسلامي يلحظ وبجلاء حقده البالغ، وكراهيته الشديدة للمسلمين وتراثهم، ويدل على ذلك أنه يتهم كل علماء الحديث ورواته الثقات بالكذب والتزوير والوضع على الرسول ﷺ
ثانيهما: أن الدكتور نجم خلف ذكر أن أحد مشايخ المغرب واسمه مصطفى المغربي حدَّثه في مدينة الرباط سنة ١٤٠٣؟ أن المستشرق "شاخت"
_________________
(١) السابق (ص ٦٢٣)، ومقال برونشفيج (ص ٦٣٠، ٦٣١، ٦٣٣، ٦٣٥)، المستشرقون (٢/٤٦٩) .
(٢) مقال برنارد لويس (ص ٦٢٨ - ٦٢٩) .
(٣) السابق (ص ٦٢٩)، ومقال برونشفيج (ص ٦٣٢) .
[ ١٠ ]
قد استعار منه، ومن غيره بعض المخطوطات أثناء إقامته في المغرب، ثم استولى عليها ولم يعدها، رغم المكاتبات والشفاعات، بل أنكرها في النهاية (١) .
مكانته العلمية عند المستشرقين
إن الكلام على مكانة هذا الرجل عند المستشرقين، لا يُراد به مدحه أو الثناء عليه، ولكن بيان مدى مكانة أحكامه وأقواله لدى المهتمين بالدراسات الإسلامية عند غير المسلمين، وحتى تتبين لنا الخطورة التي تمثلها الآراء التي يبثها في أوساط المستشرقين، وفيما يلي بعض النصوص الدالة على ذلك:
يقول سافوري: «من أكبر علماء الشريعة الإسلامية في العالم» (٢) .
ويقول السير هاملتون جيب: «سيصبح كتاب "أصول الفقه المحمدي" أساسًا لجميع الدراسات المستقبلية في الحضارة الإسلامية والفقه الإسلامي، ولو عند الغربيين على الأقل» (٣) .
ويقول كولسون أستاذ الفقه الإسلامي في جامعة لندن: «إن "شاخت" صاغ نظرية عن أصول الشريعة الإسلامية غير قابلة للدحض» (٤) .
ويقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي: «أما المنزلة التي وصل إليها البروفسور " شاخت "، فلم يصل إليها من قبل أي مستشرق في هذا المجال» (٥) .
_________________
(١) نقد المتن بين صناعة المحدثين ومطاعن المستشرقين (ص ١٠) .
(٢) موقف الاستشراق من السيرة والسنة النبوية (ص ٣٨) .
(٣) أصول الفقه المحمدي لجوزيف شاخت في كتابات الغربيين (ص ٦٤٦) .
(٤) مناهج المستشرقين (١ / ٦٨) .
(٥) السابق (١ / ٦٧) .
[ ١١ ]
ويقول أيضًا: «وصار كتابه - يعني أصول الفقه المحمدي - منذ ذلك الحين " إنجيلًا ثانيًا " لعالم الاستشراق، وفاق " شاخت " سلفه "جولد زيهر" حيث غيَّر نظرته التشكيكية في صحة الأحاديث، إلى نظرة متيقنة في عدم صحتها، ولقد ترك كتابه هذا أثرًا عميقًا في تفكير دارسي الحضارة الإسلامية وكافة الباحثين في الغرب، أثنوا عليه ثناء عاطرًا» (١) .
ويقول الصديق بشير نصر: «وليس من قبيل المبالغة إذا قلت: إن كل من كتب بعده من المستشرقين في هذا الحقل المعرفي هم عيال عليه، وحسبك أنه لا تكاد توجد جامعة من جامعات الغرب لها اعتناء بالدراسات الإسلامية، إلا ونجد هذا الكتاب مقررًا على طلابها» (٢) .
ويؤكد برونشفيج أن أغلب العلماء في الغرب قبلوا ووافقوا على نظرية "شاخت" في الحديث النبوي؛ لما تتضمنه من تحليلات ونظام نقدي وتفسيري (٣) .
إنتاجه العلمي
يعد " شاخت " من المستشرقين الغزيري الإنتاج، ويظهر هذا جليًا لمن يدقق في القائمة التي جمعها روبير برونشفيج (٤)، والسرد الذي قام به نجيب العقيقي (٥)، ولعل أبرز كتبه هي: أصول الفقه المحمدي، ومدخل إلى الفقه
_________________
(١) دراسات في الحديث النبوي - المقدمة (ص ي، ك) .
(٢) أصول الفقه المحمدي في كتابات الغربيين (ص ٦٤٦) .
(٣) مقال برونشفيج (ص ٦٣٢) .
(٤) السابق (ص ٦٣٥ - ٦٤٤) .
(٥) المستشرقون (٢ / ٤٦٩ - ٤٧١) .
[ ١٢ ]
الإسلامي، وتحريره لبعض مواد دائرة المعارف الإسلامية في طبعتيها القديمة والجديدة، وأما مقالاته وبحوثه المنشورة في المجلات العلمية فهي كثيرة جدًا كما يظهر من عرض برونشفيج، والعقيقي.
ويعد كتابه " أصول الفقه المحمدي " أشهر كتبه، وقد قام الأستاذ الصديق بشير نصر بترجمة بعض فصوله، ونشرها في مجلة كلية الدعوة الإسلامية بليبيا.
وفاته
هلك " شاخت " في غرة شهر أغسطس سنة ١٩٦٩م في مدينة إنجلوود بولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كان يتأهب للانتقال إلى منزل آخر لقرب موعد تقاعده، وقد وافته المنية حيث كان منهمكًا في مراجعة كتاب " تراث الإسلام "، وهو من تأليف عدد من الباحثين (١) .
_________________
(١) السابق (ص ٦٣٤)، ومقال لويس (ص ٦٢٤) .
[ ١٣ ]