يمكن لأي باحث مبتدئ في قضايا التاريخ أن يقع في سوء فهم لبعض العبارات أو المصطلحات الموجودة في النصوص القديمة، ولكن أساتذة المنهجية وضعوا قواعد في فهم العبارات، أوجبوا على كل باحث في التاريخ أن يراعيها، يقول: "لانجلوا" «ينبغي أن نتعلم كيف نقاوم الغريزة التي تدفعنا إلى تفسير كل عبارات النص بالمعنى الكلاسيكي أو المعنى العادي
ويقضي المنهج بتعيين المعنى الخاص للكلمات في الوثيقة، ويقوم على بعض مبادئ بسيطة جدًا:
١ - إن اللغة في تطور مستمر من شأنه أن يفسدها، ولكل عصر لغته الخاصة التي ينبغي النظر إليها على أنها نظام خاص من الرموز والعلامات، وعلى هذا فإنه لفهم وثيقة ما، ينبغي معرفة لغة العصر، أعني معنى الألفاظ والصيغ في العصر التي كتبت فيه الوثيقة. ومعنى اللفظ يتعين بجمع المواضع التي استعمل فيها
٢ - والاستعمال اللغوي يمكن أن يختلف من إقليم إلى آخر، ولهذا ينبغي معرفة لغة الإقليم الذي كتبت فيه الوثيقة، أعني المعاني الخاصة المستعملة بها الألفاظ في الأقاليم المختلفة.
٣ - ولكل مؤلف طريقته الخاصة في الكتابة، ولهذا يجب أن ندرس لغة المؤلف، والمعنى الخاص الذي استعمل به الكلمات
٤ – ويختلف معنى التعبير بحسب الموضع الذي يوجد فيه، ولهذا ينبغي ألاّ تفسر كل كلمة وكل جملة، مفردة بل بحسب المعنى العام (السياق)، وقاعدة
[ ٥٣ ]
السياق هذه قاعدة أساسية في التفسير، وتقضي بأنه قبل أن أستعمل جملة من نص أن أقرأ النص كله أولًا
وهذه القواعد لو طبقت بدقة تؤلف منهجًا دقيقًا في التفسير، لا يكاد يترك مجالًا للخطأ) (١) .
إن طبيعة كتابات " شاخت " المتعلقة بالسنة النبوية تنتمي إلى نوعية البحوث التاريخية بحسب المقاييس الغربية، كما أن النص الذي نقلناه آنفًا هو لمؤرخ فرنسي توفي سنة ١٩٢٩م، وقد صدر كتابه الذي نقلنا منه في سنة ١٨٩٨م (٢)، وهو معتمد على مراجع ألمانية منها كتاب " متن في المنهج التاريخي " لأرنست مانهايم، فلذلك أستبعد أن يكون " شاخت " - الذي هو من أصل ألماني ويكتب باللغة الفرنسية كما ورد معنا في ترجمته -، لم يطلع على القواعد المذكورة آنفًا في أحد المراجع، إلا أن يكون كتب بحوثه التاريخية من دون أن يتعلم منهج البحث التاريخي!.
لقد خالف " شاخت " تلك القواعد في عدد من كتاباته، ومن ذلك مثلًا أنه فسر كلمة " الفتنة " التي وردت في كلام ابن سيرين الذي يقول فيه: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت " الفتنة "، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (٣)، بقوله: «الفتنة التي بدأت بمقتل الوليد بن يزيد " ت ١٢٦؟ "، على مقربة من نهاية الدولة الأموية، كان تاريخًا مصطلحًا عليه، لاعتباره
_________________
(١) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص ١١٤ - ١١٦) .
(٢) انظر مقدمة عبد الرحمن بدوي لهذا الكتاب في " النقد التاريخي " (ص ٩) .
(٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١ / ١٥) .
[ ٥٤ ]
نهاية الأيام الجميلة القديمة وبما أن تاريخ وفاة ابن سيرين هو ١١٠؟، لذلك لا بد أن نعد نسبة هذا الكلام إلى ابن سيرين غير صحيحة، والأثر موضوع. وعلى كل فليس هناك ما يدعو إلى أن نقبل أن بداية الإسناد تسبق في وجودها بداية القرن الثاني الهجري» (١) .
وبناء على مقتضى القواعد التي تقدم ذكرها في منهجية الفهم من النصوص التاريخية، سنرى أن تفسير " شاخت " متعسف جدًا لما يلي:
١ - من المعلوم أن ابن سيرين ولد عام ٣٣؟، وتوفي عام ١١٠؟، وله من العمر ٧٧ سنة (٢)، فالزعم أن معنى الفتنة يقصد بها مقتل الوليد بن يزيد سنة ١٢٦؟، مصادم لتاريخ وفاة ابن سيرين.
٢ - بالنظر في مصطلح الفتنة عند ابن سيرين وجدناه يطلقها على ما جرى بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلممن قتال بسبب مقتل عثمان ﵁، ففي نص صحيح السند عن ابن سيرين نفسه يقول فيه: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمعشرة آلاف، فما خف لها منهم مائة» (٣) .
ومن المعروف أنه يستحيل أن يكون هذا العدد الكبير من الصحابة على قيد الحياة سنة ١٢٦؟ حين مات الوليد بن يزيد، مما يرجح أن المقصود هو ما حدث من قتال بين معسكري علي ومعاوية ﵄ بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁.
_________________
(١) نقلًا عن دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٩٤ - ٣٩٥) .
(٢) انظر تهذيب الكمال (٢٥ / ٣٥٣ - ٣٥٤) .
(٣) العلل ومعرفة الرجال لأحمد (٢ / ٤٦٦) .
[ ٥٥ ]
وفي نص آخر عن ابن سيرين قال: «عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن. قال: ثم رأيت بعد أن يبعن.
قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. أو قال في الفتنة. قال فضحك علي» (١) . ففي هذا النص دلالة واضحة على أن مصطلح الفتنة في هذه الرواية التي جاءت من طريق ابن سيرين نفسه المراد بها قتال علي ﵁ لخصومه.
وفي نص آخر أيضًا قال ابن سيرين: «قال: قال رجل: ما منا أحد أدركته الفتنة إلا لو شئت لقلت فيه، غير ابن عمر» (٢) . ومن المعروف أن ابن عمر ﵄ قد اعتزل الحرب بين علي ومعاوية ﵄، فلم يشارك مع أحدهما ضد الآخر.
٣ - النظر في سياق النص يعطينا دلالة واضحة على أن ابن سيرين يتحدث عن عادة ظهرت قبل أيامه، لذلك يستعمل ضمير الغائب في النص كله: " كانوا لا يسألون قالوا: سموا لنا "، ولم يستعمل ضمير المتكلم، فعدوله عن استعماله إلى ضمير الغائب مع صيغة الماضي يشير في الواقع إلى أن هذا الاتجاه سابق له، ومتقدم عليه (٣) .
ومثال آخر على تعسف " شاخت " وتحكمه في فهم النصوص التاريخية وتفسيرها، فقد علق على حديث أخرجه موسى بن عقبة في مغازيه، ونص
_________________
(١) المصنف لعبد الرزاق (٧ / ٢٩١) .
(٢) السنن لسعيد بن منصور (٢ / ٣٩٩) .
(٣) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٩٦) .
[ ٥٦ ]
الحديث كما يلي: «حدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: "اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار" وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار» (١) .
فقال: «يمدح هذا الحديث حزب الأنصار، الذي كان مواليًا للحكام، وفي صف العباسيين، وعلى هذا الأساس لا تصح نسبة هذه الأحاديث إلى النبي ﷺ» (٢) .
وقد فَنَّد الأعظمي (٣) هذا الفهم العجيب من " شاخت " بما ملخصه:
١-لا نجد كلمة واحدة في هذا الحديث في مدح الأنصار كما يظهر من سياق الحديث وعباراته، وإنما يوجد فيه استغفار للأنصار ودعاء لهم، والله ﷾ هو الذي أمر نبيه بالاستغفار، قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) .
٢-أثنى الله ﷿ على الأنصار في غير ما موضع في كتابه الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ
_________________
(١) أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن عقبة (ص ٧٨) رقم الحديث [١٠] .
(٢) بحث لشاخت بعنوان " على كتاب المغازي لموسى بن عقبة "، نقلًا عن ترجمة الأعظمي في كتابه منهج النقد (ص ١٣٧) .
(٣) منهج النقد عند المحدثين (ص ١٤١ - ١٤٢) .
[ ٥٧ ]
اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١٠٠) .
فالقرآن يعطي الأنصار أكثر مما أُعطوا في الحديث الآنف، فإذا كان قد اخترع في منتصف القرن الثاني أو بعده لمصلحة الأنصار الموالين للعباسيين والمعادين للعلويين، فلا ندري من الذي اخترعه واخترع معه تلك الآية وما يشبهها من آيات تثني على الأنصار وتعطيهم منزلة تفوق ما ورد في الحديث.
٣-مما يؤكد أنَّ الحديث لا يفهم منه أنه ضد العلويين أننا نجد الشيعة قد أخرجوه في كتبهم كالمجلسي في «بحار الأنوار» وغيره من كتبهم، ولو كانوا يشتمون منه أنه موجه ضد العلويين لما نقلوه في كتبهم.
وبما تقدم يعلم تجاهل " شاخت " لعبارات النص وسياقه، مما يؤكد تعسفه في فهم النصوص وتفسيرها.
[ ٥٨ ]