٢٥ - الثالث: أن الصحيح أقسام:
[المتفق عليه]:
فأولها ما أخرجه البخاري ومسلم، ويقال فيه: صحيح متفق عليه، وهو أعلاها، وهذا القسم جميعه مقطوعٌ بصحَّته، سوى أحرف يسيرة (^١) تكلَّم عليها بعضُ الحفاظ، كالدَّارقطني وغيره.
وهي معروفة عند أهل هذا الشأن (^٢).
_________________
(١) = ٦ - ما يقع فيها من الفصل للكلام المدرج في الحديث مما ليس في الحديث، ويكون في الصحيح غير مفصل.
(٢) ما يقع فيها من الأحاديث المصرح برفعها، وتكون في أصل الصحيح موقوفة أو كصورة الموقوف.
(٣) جلُّها ليس فيها قادح يُردّ به الحديث، وإنما هي من أوهام الرواة في إدخال حديث بآخر.
(٤) تراها عند الدارقطني في كتابه "التتبع"، وأجاب ابن حجر في "الفتح" في مواطن شرحه للأحاديث المنتقدة و"الهدي" (٣٤٦ وما بعد) على الأحاديث حديثًا حديثًا، ولابن عمار الشهيد انتقادات على بعض حروف في (صحيح مسلم" وهي قوية، وللغساني في "تقييد المهمل" عناية بذلك، وهي - على عدّ ابن حجر في "هدي الساري" (ص ١٢، ٣٤٦) - مئتا وعشرة أحاديث، انفرد البخاري منها بتخريج ثمانية وسبعين حديثًا، وانفرد مسلم منها بتخريج مئة حديث، والذي اشتركا فيه هو اثنان وثلاثون حديثًا، وللعلماء أجوبة عليها، وهي تدلل - قطعًا - على عدم محاباة علماء المقة لبعضهم بعضًا، وللشيخ ربيع بن هادي المدخلي دراسة جيدة مطبوعة فيها المحاكمة بين الدارقطني ومسلم، وافق في بعضها الدارقطنيُّ، وصنيع شيخنا الألباني في تخريجاته يدل على صحة الانتقاد في بعض الحروف، وسمعت منه بأنه مسبوق في ذلك، وأنه ما تفرد، وأن للصحيحين مهابة عظيمة عنده، وأن قواعد أهل الصنعة هي التي ألجأته لهذا، خلافًا لما يشاع عنه!
[ ١٥٧ ]
[هل أحاديث "الصحيحين" تفيد اليقين؟]:
قال الشيخ تقي الدين (^١): "إن العلمَ اليقينيَّ واقعٌ بأن هذا القسمَ مقطوعٌ به؛ لاتِّفاقِ الأُمَّة (^٢) على تلقي ما اتَّفقا عليه بالقبول، والأمَّةُ في إجماعها معصومةٌ عن الخطأ".
_________________
(١) المقدمة (ص ٢٨)، وعبارته: "وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقين النظري واقع به".
(٢) عبارة فيها تجوُّزٌ، بيَّنَ ذلك مُغُلْطاي في كتابه "إصلاح كتاب ابن الصَّلاح" (ق ١٠/ ب - ١/ ١١) فقال: "عاب ابنُ عبد السَّلام هذا القول على ابن الصَّلاح وقال: إن المعتزلة يرون أنَّ الأمَّة إذا عملت بحديثٍ اقتضى ذلك القطع بصحته، وهو مذهب رديء. وأيضًا إن أراد كل الامة فهو أمرٌ لا يَخفَى فسادُه، وإن أراد الأمة الذين وُجدوا بعد وضع الكتابين فهم بعضُ الأمة لا كلها، لا سيما على قول أهل الظاهر؛ فإنهم لا يعتدون إلا بإجماع الصحابة خاصة، وكذلك الشيعة وإن كنَّا لا نعتبر خلافهم على ما هو المشهور من قول العلماء. وإن أراد كلَّ حديث فيهما تلقي بالقبول من كافة الناس فغير مستقيم؛ لأن جماعة من الحفاظ تكلموا على بعض أحاديثهما. وأيضًا فإنه وقع فيهما أحاديث متعارضة لا يمكن الجمع بينها، والقطعيُّ لا يقع فيه التعارض. ثمَّ إنَّا نقول أيضًا: التلقي بالقبول ليس بححَّة؛ فإنَّ الناس اختلفوا أنَّ الأمة إذا عملت بحديث وأجمعوا على العمل به هل يفيد القطع أو الظن؟ فمذهب أهل السنة أنه يفيد الظَّنَّ ما لم يتواتر. انتهى. وأما قول أبي الفضل بن طاهر المقدسي في كتابه "صفة التصوف" - وذكر "الصحيحين" -: أجمع المسلمون على ما أخرج فيهما أو ما كان على شرطهما" فلا أدري معناه. وقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتابه "الانتصار" - في أثناء كلام -: وإن كانت الحجَّة في العلم بأنَّ ما يقوله الواحد والاثنان والنفر أنهم سمعوه من سيدنا رسول الله - ﷺ - ولم يتواتر الخبر عنه بذلك، واستفاضته وانتشاره في الكافة على وجه يقطع العذر".
[ ١٥٨ ]
وقال الشيخ محيي الدين: "هذا الذي اختاره الشيخ خلاف الذي اختاره المحققون" (^١).
_________________
(١) "التقريب" (١/ ١٨٧ - "التدريب")، "الإرشاد" (١/ ١٣٣)، وزاد قبلها: "قلت: وقد أجاب عن تلك الأحرف آخرون"، وقال في "شرح صحيح مسلم" (١/ ٢٧): "وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره". قلت: ممن أجاب عليها أبو مسعود الدمشقي، وكتابه مطبوع، وقال ابن حجر في "هدي الساري" (ص ٣٤٩) بعد أن ذكو عبارة النووي في "الشرح": "إن منها ما الجواب عنه غير منتهض"، والذي يتعنَّى (الصنعة)، ويحذق في (التخريج)، ويجمع (الطرق) و(يستوعب) يعلم دقّة جواب ابن حجر عليه الرحمة، وينظر وجه تعقب النووي لابن الصلاح في الهامش السابق ولا يظن ظان أن في هذا تهوينًا من شأن "الصحيحين"! كلا والله، إن لهما منزلة الجبال الرواسي، ولكن أبى الله إلا أن يصح كتابه، فهما ليس مثله، ولا يهوّن منهما إلا مغرور، يركب الصعب، ويقرر الغريب، ولا يعرف الصنعة، وهو - أعني: التهوين - من علامات المبتدعة، وأمر تكاد تلتقي كلمتهم عليه عند المحاججة في كثير من المسائل، ومن تفقَّد، وجد. ثم، إياك أن يخطر في بالك أن وقوع العلم اليقيني - بالجملة - لما في "الصحيحين" يخالف تعكير النووي، فالكلام على أحرف يسيرة من جهة. وسبق أن بيّنا في التعليق على (ص ١١٨) أن التواتر قسمان: عام، وخاص، وأن حصول العلم اليقيني ليس مرتبطًا بحد المتواتر المذكور عند علماء المصطلح. بقي التنبيه على أن عبارة ابن الصلاح السابقة - التي قال عنها النووي: "خلاف الذي اختاره المحققون" -، تعوزها الدّقة من جهة أن نقله الاتفاق على وجوب العمل بالأحاديث، وتلقيهم له بالقبول لا يدلل على صحة ما فيهما خاصة، لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجه الشيخان، فلم تكن للصحيحين في هذا مزيَّة، والاجماع حاصل على أن لهما مزيَّة فيما يرجع إلى نفس الصحة، أفاده ابن حجر في "نكته" (١/ ٣٧٢)، وينظر "التدريب" (١/ ١٣٣). ولكن مما ينبغي أن يذكر أن التقرير المذكور مجمل، والعلم اليقيني يتبرهن =
[ ١٥٩ ]
قلتُ: إنْ ثبتَ إجماعُ الأمة على ما حكاه الشَّيخ تقي الدين، أو ثبت تواتر هذا القسم عند علماء الحديث، فلا شكَّ في أنَّ ما قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين حقّ، وإن لم يوجد شيء من ذلك فعدُّه من اليقينيات بَعيدٌ، إلَّا عند من ذهب إلى أن الآحاد يفيد اليقين مطَّردًا، وفيه بُعْد (^١).
٢٦ - وأما قولُ الحافظ أبي نَصرٍ الوائليِّ السِّجْزيِّ: "أجمع أهل العلم من الفقهاء وغيرهم على أن رجلًا لو حلف بالطَّلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النّبيّ - ﷺ - قد صحَّ عنه، ورسول الله - ﷺ - قاله؛ فإنه لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالته" (^٢).
وقال الشيخ تقي الدين: "إنما المراد بذلك مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب" (^٣).
_________________
(١) = للمتبحر والممارس، وفَصْلُ المنتقَد ولاسيما إن كان حرفًا من الأحرف اليسيرة المنوه بها عنه، عسر من حيث الإسقاط على (المفردات)، وكذا تمييز (الحسن) مما في "الصحيحين" من (الصحيح)، ولكن (الحسن) في جل "الصحيحين" باعتبار السند لا المتن؛ فإنهما اختارا وأحسنا، ولذا أطلقت كتب المصطلح عبارة ابن الصلاح ونحوها، والذي حكاه النووي عن المحققين فيما وقف عليه من تصانيف من خالف في ذلك فحسب، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وابن عقيل، وإلا فالأمر على خلاف ما قرر، كما بينّاه، والحمد لله.
(٢) انظر لزامًا - ما قدمناه في التعليق على (ص ١١٧)، ومنه تعلم ما في كلام المصنِّفِ رحمه الله تعالى.
(٣) نقله في المقدمة (ص ٢٦)، ونقل النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (١/ ١٦ - ١٩) مثله عن إمام الحرمين. وذكر "صحيح مسلم" مع "صحيح البخاري".
(٤) "المقدمة" (ص ٢٦)، وعبارته: "ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الذي يشعر به اسمه … ".
[ ١٦٠ ]
قلت: وفيه بحثٌ؛ لأنا لا نسلِّم عدمَ وقوعِ الطَّلاقِ للجزم بصحَّته، بل لعدم الجزم بعدم صحَّته (^١)، ولا يقع الطَّلاقُ بالشَّكِّ في وقوع المعلَّق عليه، فعلى هذا كلُّ كتابٍ لم يجزم بضعف ما فيه فهو بهذه المثابة، وشأن الكتابين أعظم من أن يثبت بمثل هذه المسائل، والله أعلم.
[ما انفرد به البخاري وما انفرد به مسلم، وماذا يفيد ذلك؟]:
٢٧ - الثاني: صحيح انفرد به البُخاريّ عن مُسلمٍ (^٢).
٢٨ - الثالث: صحيح انفرد به مسلم عن البخاري.
والحق الشيخ تقي الدين هذين القسمين بالأول في إفادتهما اليقين (^٣).
[الصحيح على شرط الشيخين، والمراد بذلك]:
٢٩ - الرابع: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
قال الشيخ محيي الدين وغيره: "المراد بشرطهما أن يكون رجال
_________________
(١) استصحاب العدم من أضعف الأدلة بيقين، والظاهر أقوى منه، وتعقب المصنف قائم على أصل ضعيف! ومنه تعلم قيمة قوله الآتي: "كل كتاب .. فهو بهذه المثابة" أي: بمثابة "الصحيحين"!
(٢) انظر الأمر الأول في الهامش الآتي، والله الهادي.
(٣) المقدمة (ص ٢٩)، وتذكر أمرين: الأول: انضمام مسلم إلى البخاري، لم يأتِ بزيادة تقوِّي رواية البخاري، وكذا انضمام البخاري إلى مسلم. الثاني: ليس مرتبة المتفق عليه ولا البخاري وحده ولا مسلم وحده متساوية؛ بل منها المتواتر وغيره، وتشمل الصحيح والحسن، فالمفاضلة على الأغلب تستقيم، ولا تصح على التنويع السابق إلا به، وينظر: "التقييد والإيضاح" (ص ٤١)، "توضيح الأفكار" (١/ ٨٧).
[ ١٦١ ]
إسناده في كتابيهما على ما ذكرنا" (١).
_________________
(١) سيأتي في فقرة رقم (٤٢) نقل ابن طاهر المقدسي حول شرط البخاري ومسلم، وأنهما لم ينصصا، ولكن بالسَّبر عرف عنهما! ولذا اختلفت الأنظار في عبارة "على شرطهما" فهل من ساوى رجالهما في العدالة والضبط يلحق بهما (١)، وإن لم يخرجا له، كالشافعي - مثلًا -، فإنه لم يوفَّق لهما التخريج له، ولم يتقصَّدا الحيدة عنه! وهذا باب لاحب، والأنظار فيه مختلفة، والسابقون أقدر على تمييزه من غيرهم، ومنهم من حصره بأعيان من أخرجا له، وإن لم تكن أخبارهم في "الصحيحين"، وعلى هذا درجت عبارات المتأخرين، ونصروه ولم يذكروا غيره، ومن أقدم من رأيته يصنع ذلك الاسماعيلي، فأفاد أن شرط الشيخين هو إخراج الصحيح، وقال: "لما كان مرادهما إيداع الصحيح في كتابيهما؛ كان من يرويا عنه رواية موثوقًا به، فجائز من حذا حذوه أن يحتج به بعينه، وإنْ كان في غير ذلك الخبر، فإذا رويا عن مالك، والليث، وعقيل، ويونس، وشعيب، ومعمر، وابن عيينة، عن الزهري؛ فقد صار هؤلاء بأجمعهم من شرطهما في الزهري، =
(٢) الظاهر أن هذا هو شرط الحاكم في "المستدرك" فإنه قال في (أوله) (١/ ٣): "وأنا أستعين بالله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما"، قال العلامة الميرة في كتابه "الحاكم وكتابه المستدرك" (ص ٣٠٣). "فقوله: "بمثلها" أي: بمثل رواتها، لا أنهم أنفسهم، وحينئذ فلا يصح جعل شرطهما ما ذكره ابن الصلاح ومن تبعه ، وأكد ذلك بأن الحاكم ألف كتابًا سماه "تسمية من أخرجهما الشيخان" فهو لا يجهل الرواة عند قوله: "على شرطهما" أو على شرط أحدهما. قلت: وعليه، فإنما يقع تعقبه على اصطلاح حادث، طرأ بعده، وهو لم يَدُرْ في خلده، ولا سنح في باله، ولم يخطر في خياله! ثم فصل الميرة (ص ٣٠٨ وما بعد) في (المثلية عند الحاكم).
[ ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وحيث وجدوا إذا صحت الرواية عنهم، فأيّهم جيء به بدلًا عن الآخر؛ كان شرطهما فيه موجودًا". كذا في "لقط الدرر" (٩٠) للسيوطي. وقد صرّح المزِّيُّ بالفرق بين اصطلاح المتقدّمين والمتأخّرين في شروط الشيخين؛ فذكر أن اصطلاح المتقدّمين إذا قالوا: على شرط البخاري ومسلم؛ أي: إن ذلك مخرج على نظير رجال "الصحيحين"، واصطلاح المتأخرين إذا كان على رجال "الصحيحين" أنفسهم، انظر "اللقط" أيضًا. وإلى الأخير ذهب شيخُ الإِسلام ابنُ تيمية رحمه الله تعالى؛ فقال في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٤٢): "وأما شرط البخاري ومسلم؛ فلهذا رجال يروي عنهم، يختصّ بهم، ولهذا رجال يروي عنهم، يختصُّ بهم، وهما مشتركان في رجال آخرين، وهؤلاء الذين اتفقا عليهم؛ عليهم مدار الحديث المتّفق عليه، وقد يروي أحدُهم عن رجلٍ في المتابعات والشواهد دون الأصل، وقد يروي عنه ما عرف من طريق غيره، ولا يروي ما انفرد به، وقد يترك من حديث الثّقة ما علم أنه أخطأ فيه؛ فيظنّ من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب "الصحيح"، وليس الأمر كذلك؛ فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفنّ". وهذا هو عين قولِ ابن الصَّلاح، وهو الذي لم يرضَ المباركفوري غيرَهُ، قال رحمه الله تعالى في (مقدمة) "تحفة الأحوذي" (١/ ١٤٢ - ١٤٣): "فاعلم واستمع وأنت تنفض يديك عن لوث التقليد والتزليق، وتمسح عينيك عن قذى العصوبة في نظرك إلى شواهق ذروة التحقيق، أن الحذاق الكبراء من هذا الفنّ تكلّموا في تعيين شروط الشيخين في "الصحيحين"، على اختلافِ كثيرٍ لم يقضِ وطرأ عن تعيين تلك الشروط، وآلتْ كلمتُهُم إلى أن شرطهما فيهما بذل جهدهم في التيقّظ من كل وجهٍ في الأسانيد والمتون من حيث ما أمكن لهم من صرف مجهودهما في كونهما سلطاني سلاطين الصّنعة"، قال رحمه الله تعالى: "لم يَبْقَ سبيل إلى ضبط ما راعياه واحتاطاه على مبلغ كمالهما وخبرتهما في دقائق التصحيح والعلل في كتابَيْهما، وقد ثبت أنهما أخرجاهما عن ألوف من الصحاح الثابتة عندهما"، قال: (فَدَقَّقا النَّظَرَ في الصحيح عندهما، وأخرجا منهما اللبَّ، وكلّ ما به وقع التدقيق؛ فهو شرطهما، فلا =
[ ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يعرف شرطهما إلا بتصريحهما، ولم يُصرِّحا. فلا محيص إلى الفوز بشروطهما إلا الإِخراج عن رجالهما بأعيانهم، ولهَذا قال الإِمام النووي وغيره ممن نظر فيما فصَّلنا لك: "إن المراد بقولهم: على شرط الشيخين أن يكون رجال إسناده في كتابيهما"، وعلل النووي كلامه هذا بقوله: "لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما، ولا في غيرهما"، انتهى. يعني: لم يصرّحا به، ولم يوجد بالإِجماع في عصرهما ولا فيما بحد ذلك مثلهما في هذا الفن وإِمامته؛ فلا سبيل إلى إتيان مثل شروطهما في حذاقتهما من غير الرواية عن رجالهما بالأعيان، وذلك أيضًا برواية غيرهما عنهم لا يوجب المساواة بهما، ولا يزول به خصوص أصحيّة ما فيهما بالنّسبة إلى غيرهما، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أنّ الشيخين لا يكتفيان في التصحيح بمجرد حال الراوي في العدالة والاتّصال من غير نظر إلى غيره، بل ينظران في حاله مع من روى عنه في كثرة ملازمته له أو قلّتها، أو كونه من بلده ممارسًا لحديثه، أو غريبًا من بلد من أخذ عنها، ثم ذكر أربعة وجوه أخرى تدلك على أن الحكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في "صحيحه" بأنه من شرط "الصحيح" غفلة وخطأ، بل ذلك يتوقف على النظر في كيفية رواية مسلم عنه، وعلى أي وجه اعتمد عليه، ثم قال: "والحاصل أن الحُدّاق ربما يروون عن رجالٍ ليسوا على باله، ولا يضرّهم ذلك بما رزقوا من البصارة في أمرهم، على ما ثبت عن سفيان أنه كان يقول: حدثني فلان، وهو كذاب، فقيل له: أنت تروي عنه، وتقول: هو كذاب؟! قال: إني أعرف كذبه من صدقه. وهذا الذي بسطنا لك يعطيك أن رواية غير الشيخين لا يوجب مساواة مرويِّه بمرويِّهما". وبهذا الفرق الذي ذكره المزي، وبهذا الكلام الذي ذكره المباركفوري ينفصل البحث معنا إلى ما حطّ عليه المتأخِّرون، وهو قول ابن الصلاح - كما نقله عند المصنف - ومن تابعه، وهو صنيع جماعة من المتقدمين، مثل: الدارقطني في "الإِلزامات"، وابن دقيق العيد في "الاقتراح"، والذهبي في "مختصر المستدرك"، وابن القيم في "زاد المعاد" (٣/ ٥٠٢)، وغيرهم.
[ ١٦٤ ]
وقيل: شرطهما أن لا يرويا عن أحد إلا إذا كان له راويان فصاعدًا، ليدفع عنه الجهالة والنكارة، فإذا روى عن رسول الله - ﷺ - صحابي مشهور له راويان، ثم يروي عنه اثنان التابعي المشهور بالرواية وله راويان ثقتان، ثم يروي عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته.
هكذا نقل عن أبي عبد الله الحاكم (^١)، وسنعود إليها إن شاء الله تعالى (^٢).
[الصحيح ليس على شرط واحد من "الصحيحين]:
٣٠ - الخامس: صحيحٌ عند غيرِهما، وليس على شرطِ واحدٍ منهما، لكن عُرف أن طريقَه صحيحٌ إلى منتهاه، فهو أيضًا معمولٌ به.
القسم الثاني: الحسن.
[تعريف الحسن وقيوده ومحترزاته]:
٣١ - قال الإمام أبو سليمان الخطابي: "الحسن ما عرف مَخْرَجُه، واشتهر رجاله" (^٣).
_________________
(١) صرح به في "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل" (ص ٣٨).
(٢) في آخر فقرة رقم (٤٢)، وينظر تعليقنا هناك.
(٣) معالم السنن (١/ ٦). وهذا الحد ينطبق على الصحيح أيضًا، إذ قوله: "عرف مخرجه" لازمه أن يكون متصلًا، فالمنقطع لم يعرف، وقوله: "واشتهر رجاله" يريد أن يكون رواته معروفين بالعدالة والضبط، ولكن مراده ما لم يبلغ مبلغ الصحيح، والحسن مرتبة من مراتب الصحيح، ولكنه في آخرها، وهو لا ينفك =
[ ١٦٥ ]
قوله: "ما عرف مخرجه"؛ قيل: احتراز عن المنقطع (^١).
وقوله "اشتهر رجاله"؛ احتراز عن حديث المدلس قبل أنْ يتبيَّنَ مُدلَّسَه (^٢) والمستور، وقال الحافظ قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد: "ما اشتهر رجاله: أي: ما لم يبلغ درجة الصحيح، لئلا يدخل الصحيح في حد الحسن" (^٣).
قلت: وفيه بَحْثٌ، لأنه سيذكر من قوله أن الصَّحيح أخصُّ من
_________________
(١) = عن ضعف ما، ولو انفكَّ لصح، ولا يطمع للحسن بقاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، ولذا (اضطربت أقوالهم في الحسن)، بناءً على أن الضعف اليسير نسبيٌّ من جهة، وهو ينقدح في نفس المخرج، فهو خفيٌّ، وهو يستضعفه الحافظ عن أن يرقّيه إلى رتبة الصحيح، بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده من حديث إلى حديث، بل قد يتغير في الحديث الواحد، وربما استضعف بعض المعتبرين الحديث، ويحسنه نفسه آخرون، والمسائل الفقهية التي أدلتها من هذا النوع الخلاف فيها واسع، وهو مستساغ، ولا سيما للمقلّدين. ومما ينبغي اعتباره وعدم الغفلة عنه أن (الحسن) موجود في "الصحيحين" وهو في "صحيح مسلم" أكثر وأشهر، بالنظر إلى مفردات الأسانيد في الغالب، وكذا في "صحيحي ابن خزيمة وابن حبان" وكذا في (المستخرجات) و(المستدركات) على "الصحيحين"، من كتابي "البيان والإيضاح" (ص ٦٠)، نشر الدار الأثرية وانظر: "المنهل الروي" (ص ٣٦).
(٢) زاد المصنف في مقدمة "المعيار" (١/ ١٣): "لأنه لم يعرف مخرجه، والمنكر كله، والمدلّس قبل البيان، والغريب لأنه لم يشتهر رجاله".
(٣) نقله البقاعي في "النكت الوفية" (ق ٦٠/ أ) عن التبريزي وضبط (مُدَلَّسه) بقوله: "مصدر، مراد به اسم المفعول، أي: قبل أن يتبيَّن مُدَلَّسَه: أي الراوي الذي دلَّس المدلس ذلك الحديث عنه"، وانظر: "محاسن الاصطلاح" (ص ١٠٣)، "البحر الذي زخر" (٣/ ٩٥٠ - ٩٥١)، ونقل السيوطي فيه كلام التبريزي هذا، وعزاه لـ"الكافي".
(٤) الاقتراح (١٦٤ - ط العراقية).
[ ١٦٦ ]
الحسن، ودخول الخاص في حد العام ضروري (^١)، والتقييد بما يخرجه مخلٌّ للحد (^٢)، والله أعلم.
_________________
(١) في هامش الأصل: "ضروري: أي صدقه وصحّته، لأن من شروط صحّته أن يكون مانعًا، وهو إنما يكون جامعًا بذلك".
(٢) قال الزركشي في "النكت" (١/ ٣٠٥) بعد ذكر عبارة التبريزي: "قلت: هذا إن جعلنا الحده عند قوله: "واشتهر رجاله"، وهو الظاهر فإن ما بعده أحكام؛ لأن قبول الحديث والاحتجاج به فرع ثبوت حسنه ويدل له تكراره". وتعقب الحافظ ابن حجر في "النكت" (١/ ٤٠٥) عبارة التِّبريزي فقال: "بين الصحيح والحسن خصوص وعموم من وجه، وذلك بيِّنٌ واضح من تدبره، فلا يرد اعتراض التبريزي؛ إذ لا يلزم من كون الصحيح أخص من الحسن من وجه أن يكون أخص منه مطلقًا حتى يدخل الصحيح في الحسن، وقد سألت شيخنا إمام الأئمة عنه، والله الموفق". وقال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ١١٧ - ط المنهاج) بعد إيراده كلام الخطابي السابق، وكلام ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص ١٦٣ - ١٦٥) - وسيأتي في كتابنا في فقرة رقم (٣٨) - قال: "هذا مع أنَّ التاج التبريزي ألزمَ ابن دقيق العيد بانتقاده إدخالَ الصحيح في الحسن، مع قوله في الجواب عن استشكال جمع الترمذي بين الحسن والصحة - كما سيأتي -: كل صحيح حسن التناقض، وقال: إنَّ دخولَ الخاص - وهو هنا الصحيح - في حدِّ العام ضروري، والتقييدُ بما يخرجه عنه مخل للحد، وقال الشارح: إنه متجه. انتهى. وبه - أيضًا - اندفعَ الاعتراضُ، وحاصله أنَّ ما وجدت فيه هذه القيود كان حسنًا، وما كان فيه معها قيد آخر يصير صحيحًا، ولا شك في صدق ما ليس فيه على ما فيه إذا وجدت قيودُ الأول". قلت: ونقل العراقي في "التبصرة والتذكرة" (١/ ٨٥) وفي "التقييد والإيضاح" (ص ٤٤)، كلام التبريزي، فقال: "واعترض الشيخ تاج الدين التبريزي على كلام الشيخ تقي الدين بقوله … " وساق كلامه هذا وقال: "وهو اعتراض متجه"، وأقرَّه السيوطي في "تدويب الراوي" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣ - ط =
[ ١٦٧ ]
[الحسن عند الترمذي]:
٣٢ - وقال الترمذي: "المراد بالحسن أن لا يكون في إسناده مَنْ يُتَّهم بالكذب، ولا يكون شاذًّا، ويروى من غير وجه" (^١).
_________________
(١) = العاصمة) وفي "البحر الذي زخر" (٣/ ٩٥٢ - ٩٥٣) وقبله الأبناسي في "الشذا الفياح" (١/ ١٠٨). وفي هامش الأصل ما نصه: "قوله: "مخل للحد" أي: مفسدًا لماهيته، وهو إخراجه من كونه جامعًا لأفراده … " وتتمته غير واضحة. وهنالك هامش آخر على الأصل فيه نحو كلام ابن حجر والسخاوي وفيه ذكر لابن دقيق العيد، ثم ما نصه عنه: "لأن البحث الذي أورده بالنظر إلى حدِّه عندهم، لا إلى ما عنده من البحث، وكون الصحيح أخصَّ من الحسن لا يوجب بداية ولا نهاية ولا () تصحيح اختلاف الجهة، بالنسبة في ما عنده لا إلى ما (يلحقهم؟) في الإلحاق في تحقيق عدم التضاد على (مخرج؟) واحد، فهم من قوله "أخص" أنه ليس مطلقًا، وإلا فكان البحث غير مستقيم، إنما حد على ذلك البحث ما هو مقرر معانيه غير (مقيد؟)، لا أن المطلق يقيد لي تصوره، وأنّ الحدّ به يتعيّن إخراجها إلى الكامل، والكامل هنا هو المطلق لا الوجهين، وإنما كان كذلك، لأنه باعتبار الححّة، والآخر باعتبار المجاز، وإنما يدل على هذا ما ذكروه في خلاف أمور المجاز من (التزام؟) المفسد فيه، وعدم ذلك في الحدّ".
(٢) "العلل الصغير" (ص ٨٩٦ - المطبوع في آخر "الجامع")، وعبارته: "كل حديث يُروى لا يكون في إسناده " وزاد المصنف عقبه في "المعيار" (١/ ١٣ - ١٤): "فيعتضد بالمتابعة والشواهد، فيخرج به عن النكارة". قلت: اشتراط الترمذي في الحسن السلامة من الشذوذ بقوله: "ويروى من غير وجه" فإذا كان الشذوذ بمعنى مخالفة الراوي من هو أتقن منه، فيغني عن هذا قوله: "ويروى من غير وجه". والذي أراه صوابًا في مراد الترمذي بالشاذ أن لا يكون التفرد بأصل الحديث، وإنما ورد في معناه أحاديث كثيرة تشهد له، وإن لم تتطابق مع ألفاظه، وحينئذ فلا تكرار، ويكون لكل قيد فائدة، ويزول الاستشكال الذي في "جامعه" من إطلاقه للحسن على أحاديث لم ترد ألفاظها إلا من وجه واحد، فتأمل.
[ ١٦٨ ]
[الحسن عند ابن الصلاح]:
٣٣ - قال الشيخ تقي الدّين: "ليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يتميز به الحسن عن الصحيح، وقد اتضح لي من استقراء كلامهم أن الحسن قسمان:
أحدهما: أنه لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم تتحقَّق أهليتُه، وليس مغفَّلًا كثيرَ الخطأ فيما يرويه، ولا ظهر منه تعمّدُ كَذِبٍ في الحديث، ولا يكون سبب آخر مفسِّق، وعرف متن الحديث بأن روي مثله من وجه آخر حتى اعتضد بمتابعة أو اعتضد بما له شاهد، وهو ورود حديث آخر نحوه؛ فيخرج بذلك عن أن يكون منكرًا، وكلام الترمذيِّ يُنزَّلُ على هذا القسم" (^١).
[تعقب ابن الصلاح]:
قلت: سيبيِّنُ أنَّ روايةَ من لم تتحقَّق أهليته مردودة، كيف يجعل ما يرويه من قسم الحسن، ويُنزِّلُ كلامَ الترمذي على هذا، وليس في كلامه ما يُشعِرُ به، والله أعلم (^٢).
القسم الثاني: "أن يكون رواتُه من المشهورين بالصِّدقِ والأمانةِ، غير أنه لم يبلغ درجةَ رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ومع ذلك يرتفع حاله عن حال مَن يعدُّ حديثه منكرًا إذا انفرد، وعلى هذا القسم
_________________
(١) "المقدمة" (ص ٣٠ - ٣١).
(٢) لم يسلم كلام ابن الصلاح من مناقشة؛ تجد ذلك في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١١/ ب - ١٥ ب)، و"نكت الزركشي" (١/ ٣١٣)، "التقييد والإيضاح" (٤٧)، "الشذا الفياح" (١/ ١٠٨)، "نكت ابن حجر" (١/ ٤٠٦)، وينظر لما ذكره المصنف "توضيح الأفكار" (١/ ١٦٧ - ١٦٨).
[ ١٦٩ ]
ينزلُ كلام الخطابيِّ" (^١).
فروع:
[الاحتجاح والعمل بالحسن]:
٣٤ - الأوّل: أن الحسن وإن كان أدنى درجة عن الصّحيح، لكن مثله في الاحتجاج والعمل به.
[إطلاق الصحيح على الحسن ومظان وجوده]:
ولذلك أطلق جماعة من علماء الحديث اسم الصحيح عليه، وهو ظاهر من كلام أبي عبد الله الحاكم في تصرفاته (^٢)، ومن التّرمذيّ حيث سمّى كتابه "الجامع الصحيح" (^٣)، ومن كلام الحافظ أبي بكر الخطيب (^٤) بإطلاق اسم الصحيح عليه، ومن كلام الحافظ أبي طاهر السِّلفي حيث ذكر الكتب الخمسة من "الصحيحين" و"سنن أبي داود" و"جامع الترمذي"
_________________
(١) انظر "خلاصة الطيبي" (ص ٤٢).
(٢) أي في "المستدرك"، وسبق في التعليق على (ص ١٦٢) أن الحاكم يخرج فيه لمثل رجال "الصحيحين"، فالحسن موجود في "الصحيحين" أيضًا، وقد نصصتُ على هذا قريبًا في التعليق على (ص ١٦٠)، وعلى هذا درج ابن حبان وابن خزيمة، وقد أطلق الحاكم في "مستدركه" (الحسن) على عدة أحاديث، انظر منها - على سبيل المثال -: (١/ ٤٤٠) و(٣/ ١٤٩، ٢٧٣). وينظر للتفصيل: "لقط الدرر" (١/ ١٦٢) "فيض القدير" (١/ ٢٦)، "توضيح الأفكار" (١/ ٢٠٥)، "الحاكم وكتابه المستدرك" (٣٣٤ - مرقوم على الآلة الكاتبة).
(٣) وأطلق فيه (الحسن) على عشرات الأحاديث كما هو معلوم، وانظر الفقرة (٣٦).
(٤) انظر: "مقدمة تحفة الأحوذي" (١٨١)، "زهر الربى على المجتبى" (١/ ٥) للسيوطي.
[ ١٧٠ ]
و"سنن النسائي"، وقال: "اتفق على صحَّتها علماء الشرق والغرب"، (^١) وهذا نوعُ تساهلٍ؛ لأن فيها ما صرَّحوا بكونه ضعيفًا، أو منكرًا، أو شبهه.
وقال الشيخ محيي الدّين: "مراد الحافظ السِّلفي أنّ معظَم كتب الثلاثة سوى "الصحيحين" يُحتجُّ به" (^٢).
[عادة أصحاب "المسانيد" تخريج الصحيح والضعيف]:
وأمّا غير "الكتب الخمسة" من المساند (^٣) "كمسند أبي داود الطيالسي"، و"مسند أحمد بن حنبل"، و"مسند إسحاق بن راهويه"، و"مسند الدارمي"، و"مسند أبي يعلى الموصلي"، و"مسند البزار أبي
_________________
(١) أفاد البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (١٨٧) أنّ الحافظ السِّلفي ذكره في "شرح مقدمة السنن" للخطابي، قلت: وهو فيه (٢/ ٣٥٧) بذيل "معالم السنن" بلفظ: "وكتاب أبي داود أحد الكتب الخمسة التي اتفق أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ الحديث الأعلام النبهاء على قبولها، والحكلم بصحة أصولها" انتهى، وهذا لا إيراد عليه، ولا تساهل فيه، لأنه لا يخالف بلفظ لا مؤاخذة فيه، بخلاف ما أورده ابن الصلاح، وينظر "التقييد والإيضاح" (٦٠ - ٦٢)، "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١٦/ أ).
(٢) الإرشاد (١/ ١٤٣) وبنحوه في "المنهل الروي" (ص ٥٤) لشيخ المصنف ابن جماعة.
(٣) المسانيد المذكورة مطبوعة، كاد أنّ يكمل "مسند البزار"، طبع منه لغاية هذه السطور (١٥) مجلَّدة، وأما "مسند أبي يعلى" فطبع كاملًا برواية أبي عمرو بن حمدان، والرواية المبسوطة له، هي رواية ابن المقرئ لم تطبع بعد، ويخرج منها ويكثر الضياء في "المختارة"، و"مسند الطيالسي" المطبوع منه ناقص وهو واسع ويمتاز بتخريج مسانيد كثيرة، وتفرد بصحابة ليسوا في "مسند أحمد" - على سعته - والمكرر من أحاديثه قليل جدًّا، و"مسند أحمد" كمل بطبع مؤسسة الرسالة، وفي الطبعة الميمنية سقط مقطع في (مسانيد) بعض الصحابة، و"مسند إسحاق" طبع الموجود منه فيما نعلم، وبقيت قطعة =
[ ١٧١ ]
بكر"، وأشباهها (^١)؛ فغير ملحقة بها في الاحتجاج بها، لأن عادة مصنّفيها أنّ يخرجوا في مسند كلِّ صحابي جميع ما رووه من حديثه صحيحًا كان أو ضعيفًا (^٢)، ولا يعتنون فيها بالصحيح، فلذلك تأخَّرتْ رتبتُها عن الكتب الخمسة، وإنْ جَلَّتْ لجلالة مُصنِّفيها.
_________________
(١) = يسيرة (ورقات) من آخره (نسخة دار الكتب المصرية) وهي قسم يسير من (مسند ابن عباس) لم تنشر بعد، فرغنا من إعدادها للنشر عن الدار الأثرية، بتحقيق الأخ الأستاذ عمر الصادق، ومراجعتي.
(٢) لصديقنا توفيق السيدي "لقط العناقيد في بيان المسانيد"، جمع فيه جميع ما وقف عليه من (المسانيد) والجهود التي قامت حولها، مع تعريف بنسخها وتوثيقها، وهو عمل جيد، يسر الله خروجه إلى عالم النور.
(٣) فصَّل الإمام ابن القيم في كتابه "الفروسية" (ص ٢٤٦ وما بعد - بتحقيقي) في بيان أنّ ليس كل ما رواه الإمام أحمد في "المسند" وسكت عليه، يكون صحيحًا عنده، وأورد أمثلة عديدة على ذلك، ثم نقل تصريحه في مواطن خارج "المسند" على تضعيفها. وبهذا يعلم وهم أبي موسى المديني في كتابه "خصائص المسند" (ص ٢٤): "إن ما خرّجه الإمام أحمد في "مسنده" فهو صحيح عنده"!! بقي التنبيه على أنّ "مسند الدارمي" ليس مرتبًا على أسماء الصحابة وإنما على الأبواب: الطهارة والصلاة، وما أشبهها، وأطلق عليه "الصحيح" جماعة من الحفاظ، وقدّموه على "سنن ابن ماجه" بيَّن ذلك بما لا مزيد عليه الدكتور محمد عويضة في كتابه "الإمام الدارمي وأثره في علوم الحديث" (٤٧٥)، وللبزار بيان المعلّ من الحديث، وبيّنه أخونا الدكتور زياد العبادي في أطروحته "منهج التعليل عند البزار في مسنده" البحر الزخار"". وأما إسحاق، فقد ورد عنه قوله: "خرجت عن كل صحابي أمثلَ ما ورد عنه"، ولذا قال أبو نعيم الحافظ - وذكر حديثًا في من الذكر -: "هذا إسناد صحيح لأن إسحاق إمام غير مدافع، وقد خرجه في "مسنده"". نعم، المكرر في أحاديثه مع الكتب الستة كثير، وكذا الدارمي، ولذا قدّموا ابن ماجه في عدّه سادسًا عليها فحسب، وأحاديث "مسند الدارمي" - مثلًا - بالجملة أنظف من أحاديث "سنن ابن ماجه"، فتنبه!
[ ١٧٢ ]
[الحسن بتعدد طرقه يصل لدرجة الصحيح ومثاله]:
٣٥ - الثاني: (إذا كان راوي الحديث دون درجة أهل الحفظ والإتقان، لكن من المشهورين بالصِّدق والصَّلاحِ، وروي حديثه من غير وجه فقد اجتمعت له قوَّة من الجهتين، فيرتفع حديثه عن درجة الحسن إلى درجة الصَّحيح، كحديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "لولا أشُق أَشُقَّ على أمِّتي لأمرنهم بالسِّواكِ عند كلِّ صلاة" (^١).
مُحمَّد بن عَمرو بن عَلْقَمة (^٢) من المشهورين بالصِّدق والصِّيانة، وليس من أهل الإتقان؛ فحديثه إذا لم يتابع حسن، فلما روي حديثه هذا من وجه آخر انجبر عدم إتقانه، والتحق بدرجة الصحيح.
[تفاوت زوال الضعف بتعدد الطرق]:
ولا يلزم ذلك في الأحاديث المحكوم بضعفها وإن رويت بأسانيد كثيرة، مثل "الأذنان من الرأس" (^٣) ليلحق بالحسن، لأنه ليس كل ضعيف
_________________
(١) الحديث في "صحيح البخاري" (٨٨٧)، و"صحيح مسلم" (٢٥٢) من طريق الأعرج عن أبي هريرة، وطريق محمد بن عمرو أخرجها الترمذي (٢٢) وأحمد (٢/ ٢٥٩، ٣٩٩) والنسائي في "الكبرى" (٣٠٤٢) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٤) وغيرهم.
(٢) انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٠ - ٣١)، "تهذيب التهذيب" (٩/ ٣٣٣)، وقد قال فيه الحافظ في "التقريب": "صدوق له أوهام"، وقد أخرج له الشيخان متابعة، وقال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٦٧٣): "شيخ مشهور حسن الحديث" وقال في "السير" (٦/ ١٣٦): "وحديثه في عداد الحسن".
(٣) جاء هذا من حديث عدد من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وجابر وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأنس وأبو أمامة وعبد الله بن زيد وسمرة بن جندب وعائشة - ﵂ - أجمعين، وقد فصلت الكلام على الحديث من طرقه جميعًا - ولله الحمد - تفصيلًا طويلًا في تعليقي على "الخلافيات" =
[ ١٧٣ ]
يزول ضعفه بمجيئه من وجه آخر، بل ذلك على التفاوت، فإنْ كان ضَعفًا ناشئًا من ضَعف حَفظِ راويه مع كَونه عَدلًا، ثم جاء من وجهٍ آخرَ صحيحٍ يُعتبر، وكذا إنْ كان ضعفُه للإرسال وزالَ ذلك بمجيئه من وجهٍ آخر مسندًا أو مرسلًا، وأما إن كان ضعفهُ لتُهمةِ الرَّاوي بالفِسقِ أو الكَذِب، فلا ينجبرُ بمَجيئه من وجهٍ آخر.
[تعقب ابن الصلاح]:
قلت: هكذا أطلقه الشيخ تقي الدين، وفيه بحث (^١)؛ لأنا لو حكمنا بضعف حديثٍ، لكَذِبِ راويه أو فِسْقهِ، ثم رأينا جاء ذلك الحديث بطريق آخر صحيح إلى منتهاه، فلا نحكم قطعًا بضعف الحديث، بل غاية ما في الباب أنّ يقال له: هذا ضعيف من هذا الوجه إذا روي بالطريق الأول، وذلك لأنَّ الحُكمَ بضعف الحديث، لضعف الإسناد إنما يمكن إذا كان شاذا من ذلك الطريق، نعم إذا كان الطريق الثاني فيه وهن أيضًا، فكثرة الطرق الضعيفة لا تفيد شيئًا، وكذلك قال بعضُهم في المرسل (^٢)، والله أعلم.
_________________
(١) = (١/ ٣٤٧ - ٤٥٠) للبيهقي، والخلاصة أنه صحيح موقوفًا، ضعيف مرفوعًا" فما من طريق من طرقه إلا وهي معلولة، والله أعلم.
(٢) معنى كلامه: إذا ورد من طريق ليس فيه الفاسق أو الكاذب انجبر، ولم ينظر حينئذ إلى هذه العلّة، ولكن يبقى النظر مقصودًا على الطريق السالمة منه، وكلام الشيخ ابن الصلاح يقضي أنه لا ينجبر، ولكن هذا متعقب بأن الطريق التي فيها الكذاب أو الفاسق هي التي لا تنجبر، إذ ضعفها شديد، فهي كالعدم، لا تُشدّ بها اليد، والكذاب يروي على الجادة ليسؤق كذبه، فالباب مغلق دونه، وهذا لا دخل له بالحكم على الحديث الذي ليس له فيه ذكر، فثبوته من وجه آخر لا ينازع فيه، فافهم.
(٣) ضعف المرسل ليس بشديد، ولذا يقوّى بسندٍ ضعيف مثله بخلاف الشذوذ، فهو وهم طرأ على الراوي، ولا حقيقة له في الخارج!
[ ١٧٤ ]
[مظان الحسن في دواوين السُّنّة]:
٣٦ - الثالث: كتاب الترمذي (^١) أصلٌ في معرفة الحسن، وهو الذي شهر باسمه وأكثر من ذكره في "جامعه"، ويوجد في كلام بعض مشايخه كأحمد بن حنبل (^٢)، والبخاري، وطبقتهما (^٣)، ونص الدارقطني في "سننه" (^٤) على كثير من ذلك، وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله: "حسن"، أو "حسن صحيح" ونحو ذلك، فينبغي أنّ تصحِّح أصلَك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتَّفقت عليه (^٥).
[الحسن في "سنن أبي داود"]:
ومن مظانِّ الحسن "سنن أبي داود"، روي عنه أنه قال: "ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه"، وقال: "وما فيه وهن شديد فقد بيَّنتُه، وما لم أذكر
_________________
(١) الجامع لأحاديثه - في نظري - أنه عمد للأحاديث التي تدور في مجالس الفقهاء وألسنتهم في زمانه، ولذا درجاتها متذبذبة، والغالب عليها الحسن، وجرّد منه بعض المتأخرين ما أطلق عليها (الحسن)، وهي كثيرة، ومخطوطته في مكتبتي، والحمد لله وحده، ثم وجدت للدكتور عبد الرحمن بن صالح محيي الدين "الأحاديث التي حسنها أبو عيسى الترمذي وانفرد بإخراجها عن أصحاب الكتب الستة، دراسة تحليلية" وهي مطبوعة عن دار الفضيلة، الرياض.
(٢) أحمد ليس من شيوخ الترمذي، وإنما هو من طبقة شيوخ شيوخه، وكلام ابن الصلاح جاء على قاعدة اللف والنشر غير المرتب.
(٣) انظر "محاسن الاصطلاح" (١٨٠ - ١٨١١)، "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١٣/ أ- ب).
(٤) انظر منه - على سبيل المثال -: (١/ ٣٦، ٤٠، ٤٨ - ٥٠، ٥٦، …).
(٥) أشار المزي - غالبًا - في "تحفة الأشراف" إلى اختلاف النسخ، واليوم - مع عدم تداول الأصول الخطية - يكفي الرجوع إليه في ذلك، فتنبه!
[ ١٧٥ ]
فيه شيئًا، فصالح، وبعضُها أصحُّ من بعضٍ" (^١).
قال الشيخ تقي الدين: "فعلى هذا ما وجدناه مذكورًا في كتابه مطلقًا وليس في أحد "الصحيحين"، ولا نصَّ على صحَّته ممن يميِّزُ بين الحسن والصحيح، فهو حسن عند أبي داود، وقد يكون فيه ما ليس بحسن عند غيره" (^٢).
[اصطلاح البغوي في "المصابيح والاعتراض عليه وردّه]:
وأما ما قسم صاحب "المصابيح" (^٣) أحاديثها إلى نوعين:
_________________
(١) "رسالته إلى أهل مكة" (ص ٣٧ - ٤١)، وتكلَّمتُ طويلًا على هذه العبارة في تعليقي على "شرح النووي على سنن أبي داود" نشر الدار الأثرية، فانظره لزامًا. ومما ينبغي التيقُّظ له: إن أبا داود لم يتلفظ بلفظ (الحسن) فيما ذكره في "رسالته"، ولا فيما ذكره عنه ابن الصلاح ومن اختصر كتابه، كالمصنف وغيره، نعم، صرح بعضهم بأنه عنى به بقوله: "وما يقاربه". انظر: "المنهل الروي" (٥٥)، "اختصار علوم الحديث" (٤١)، "الإرشاد" (١/ ١٤٩)، "رسوم التحديث" (٦١). والحق أنّ الذي أطلقه أقسام، منه ما هو صحيح متفق عليه، وصحيح لذاته، وحسن لذاته، وحسن لغيره، وهذان القسمان يكثران في كتابه. وكلمة (صالح) عنده للاعتضاد لا للاحتجاج، فلا ينبغي الاغترار بسكوته على الأحاديث، كما سيأتي في عبارة ابن الصلاح الآتية، وبيّنت ذلك بتفصيل في الموضع الذي أحلت إليه في أول هذا التعليق، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(٢) "المقدمة" (ص ٣٦)، وينظر الهامش السابق.
(٣) يشير إلى كتاب "مصابيح السنة" لأبي محمد البغوي، وهو مطبوع، ورزق حسن القبول من العلماء، وأثنوا عليه، ونقلت المصادر عن مصنفنا (أبي الحسن التبريزي) قوله عنه: "وكان كتاب "المصابيح" أجمع كتاب صنف =
[ ١٧٦ ]
الصِّحاح، والحسان، مريدًا بالصِّحاح ما ورد في "الصحيحين" أو في أحدهما، وبالحسان ما أورده أبو داود والترمذي وأشباههما في تصانيفهم (^١)؛ فهذا اصطلاح لا يُعرف؛ إذ ليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك، وهذه الكتب مشتملة على الحسن وغير الحسن.
وقال الشيخ محيي الدين: "هذا الكلام من البغوي ليس بصواب؛ لأن في السنن الصَّحيح والحسن والضعيف" (^٢).
قلت: ليست المشاحَّة في الاصطلاح، وتخطئة الشَّخص على اصطلاحه - مع نص الجمهور على أنّ من اصطلح في كتاب فليبين في أوله - بعيد عن الصواب، فإن البغوي نص في ابتداء "المصابيح" بهذه العبارة، قال: "وأعني بالصحاح ما أخرجه الشيخان .. " إلى آخرها، ثم قال: "وأعني بالحسان ما أورده أبو داود وأبو عيسى الترمذي أو غيرهما من الأئمة … " إلى آخره، ثم قال: "فما كان فيها من ضعيف أو غريب
_________________
(١) = في بابه، وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها" كذا في "المشكاة" (١/ ٣)، و"كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح" للصَّدر المناوي (١/ ١٥ مقدمة المحقق).
(٢) عبارة البغوي في "مصابيحه" (١/ ٦٠ - مع "الكشف"): "وتجد أحاديث تنقسم إلى: صحاح وحسان، أعني بالصحاح: ما أخرجه الشيخان … أو أحدهما، وأعني بالحسان: ما أورده أبو داود والترمذي وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم - ﵏ - وأكلثرها صحاح، بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة من صحة الإسناد، إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرتُ إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، والله المستعان، وعليه التكلان".
(٣) الإرشاد (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، "التقريب" (١/ ٢٤٢ - مع "التدريب").
[ ١٧٧ ]
أشرتُ إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان مُنْكَرًا أو موضوعًا" (^١) أعرضت، هذه عبارته، ولم يذكر قط أنّ مراد الأئمة بالحسان كذا، وبالصحاح كذا، ومع هذا لم نعرف وجه تخطئة الشيخين (^٢) إياه (^٣)، والله أعلم (^٤).
_________________
(١) "المصابيح" (١/ ٢) أو (١/ ٦١ - مع - "كشف المناهج والتناقيح" للمناوي) وتعقبه الصدر المناوي في مواطن عديدة من "كشف المناهج والتناقيح"، لأنه لم يفِ بشرطه، انظر - على سبيل المثال -: الأرقام (٢٦٠، ٢٩٣، ٣٦٧، ٥٧١، ٦٥٧، ٨٣٣، ١٠٣٠، ١٠٣٤، ١١٦٦، ١٢٠٠، ٢٨٤٦، ٣١٥٠، ٤٥٣٢، ٤٥٣٩، ٤٧٢٤، ..).
(٢) يريد: ابن الصلاح والنووي - رحمهما الله تعالى -.
(٣) نقل السيوطي في "البحر الذي زخر" (٣/ ١٤٤) هذه العبارة عن التبريزي هكذا: "فلا يعرف لتخطئة الشيخين إياه وجه".
(٤) قال الزركشي في "نكته" (١/ ٣٤٣) متعقبًا النووي: "قد تبعه النووي وغيره في الاعتراض على البغوي، وهو عجيب؛ لأن البغوي لم يقل إن مراد الأئمة بالصحاح كذا، وبالحسان كذا، وإنما اصطلح على هذا رعاية للاختصار، ولا مشاحة في الاصطلاح، فإنه قال: "أردت بالصحاح: ما خرجه الشيخان، وبالحسن: ما رواه أبو داود وأبو عيسى وغيرهما، وبيان ما كان فيهما من غريب أو ضعيف أشرت إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا". انتهى. فقد التزم بيان غير الحسن، وبوب على الصحيح والحسن، ولم يميز بينهما لاشتراك الكل في الاحتجاج في نظر الفقيه، نعم، في "السنن" أحاديث صحيحة، ليست في "الصحيحين"، ففي إدراجه لها في قسم الحسن نوع مشاحة". وبنحوه عند السِّراج البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (١١) والعراقي في "التقييد والإيضاح" (٤٤)، ونقل انتصار التبريزي للبغوي ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦) والسخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٥٢ - ط المنهاج)، والسيوطي في "البحر الذي زخر" (٣/ ١١٤٣ - ١١٤٥) وفي "تدريب الراوي" (١/ ٢٤٣ - ط العاصمة) وفيه: "وكذا مشى عليه علماء العجم، آخرهم شيخنا العلامة الكافيجي في "مختصره"، =
[ ١٧٨ ]
[الفرق بين إسناده صحيح أو حسن من جهة، وحديد صحيح أو حسن من جهة أخرى]:
٣٧ - الرابع: قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد دون قولهم: هذا حديث حسن أو صحيح؛ لأنه قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصحّ، لكونه شاذًّا أو معلَّلًا، غير أنَّ المصنِّفَ المعتمدَ منهم إذا اقتصر على قوله: صحيح الإسناد أو حسنه، ولم يقدح فيه فالظاهر من حاله الحكم بصحته وحسنه، لأن الأصل والظاهر السلامة من القدح، هكذا قال الشيخ تقي الدين (^١)، وتابعه الشيخ محيي الدين (^٢).
[تعقب ابن الصلاح والنووي]:
وفيه بحث؛ لأنا لا نسلِّم إذا قيل: صحيح الإسناد أو حسنه يحتمل كونه شاذًّا أو معللًا مردودًا؛ فإنَّ صحَّة الإسناد من المبدأ إلى المنتهى مستلزمة لصحَّة المتن، والحكم بصحَّة الإسناد مع احتمال عدم صحَّته بعيد جدًّا (^٣).
_________________
(١) = وفيه: "إن هذا اصطلاح حادث ليس جاريًا على المصطلح العرفي" - وأوردوا عليه نحو المذكور، وينظر أيضًا: "المنهل الروي" (٥٤)، "مختصر الكافيجي" (ص ١١٤)، ثم وجدت مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١٤/ أ) يتعقَّب ابن الصلاح بنحو كلام المصنف، ويعتذر عن ابن الصلاح بقوله - بعد إيراده عبارة البغوي -:: وأعرضت عن ذكر … " - فقال: "وكأن الشيخ - أي: ابن الصلاح - رأى نسخة من "المصابيح" ليس فيها ما ذكرناه، واعتمدها وليس جيدًا، لأن من سجيّته - على ما ذكر في كتابه - مقابلة الكتاب بعدّة أصول، وعدّة روايات … ".
(٢) المقدمة (ص ٣٨).
(٣) "التقريب" (١/ ٢٣٤)، "الإرشاد" (١/ ١٤٣).
(٤) نقله الزركشي في "النكت على ابن الصلاح" (١/ ٣٦٧) وتعقّبه بقوله بعد =
[ ١٧٩ ]
ومع ذلك هذا الاحتمال قائم في قولهم: هذا حديث حسن أو حديث صحيح؛ لجواز إطلاق المطلق وإرادة المقيَّد، اللّهم إلا إذا كان مراد الشيخين أنهم اصطلحوا على خلاف الظاهر، والله أعلم.
[معنى قولهم: حديث حسن صحيح]:
٣٨ - فإن قيل: قول الترمذي وغيره: "هذا حديث حسن صحيح" فيه إشكال؛ لأن الحسن قاصر عن درجة الصحيح، والجمع بينهما جمع بين نفي القصور وإثباته.
_________________
(١) = إيراده كلام التبريزي هذا - ولم ينسبه له -: "فيه نظر" قال: "وقد تقدّم أنهم قالوا: هذا حديث صحيح، فمرادهم اتّصال سنده، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر" قال: "وقد تكرر في كلام المزي والذهبي وغيرهما من المتأخرين: إسناده صالح، والمتن منكر". فلت: ووقع ذلك في كلام المتقدمين، كالدارقطني والحاكم. انظر "فتح المغيث" (٨٩)، و"توضيح الأفكار" (١/ ٢٣٤). واعتمد ابن حجر في "نكته" (١/ ٤٧٤) هذا الجواب، فقال: "لا نُسلِّم أنّ عدم العلّة هو الأصل، إذ لو كان هو الأصل ما اشترط عدمه في شرط الصحيح، فإذا كان قولهم: صحيح الإسناد يحتمل أنّ يكون مع وجود علَّة، لم يتحقق عدم العلة، فكيف يحكم له بالصّحة"، وأقر كلامهما - كلام الزركشي وابن حجر - وتعقبهما للتِّبريزيِّ: "السيوطي في "البحر الذي زخر" (٣/ ١٢٤٩ - ١٢٥٠). قلت: مما ينبغي ذكره هنا:
(٢) لا يشترط فَقْد العلّة إلا إذا كانت مؤثرة.
(٣) ثم القبول لا يلزم منه أنه صحيح، فإنهم يقبلون الحسن. راجع "توضيح الأفكار" (١/ ٢٣٥).
(٤) هنالك عبارات يكثر المخرجون منها، وهي دالة على صحة السند فحسب، كقولهم: "رجاله ثقات" و"رجاله رجال الصحيح"، وأكثر من استعمال ذلك الهيثمي في "مجمع الزوائد"، ولا يلزم من هذه العبارات صحة الحديث، لاحتمال العلّة القادحة فيه.
[ ١٨٠ ]
فأجيب: بأن ذلك راجع إلى الإسناد بأن روي ذلك الحديث بإسنادين، أحدهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح، فاستقام أن يقال فيه: إنه حسن صحيح (^١).
وقال قاضي القضاة تقي الدين: "يجوز أن يقال: حسن باعتبار الصفات الأدنى، وهي الصِّدقُ والعَدَالة وعدم التهمة والكذب في رواته، وصحيح باعتبار الصفات الأعلى من الضبط والإتقان والحفظ، ولا تنافي بينهما، وكل صحيح حسن دون العكس" (^٢).
وفيه بحث؛ إذ لا نسلِّم أنَّ كلَّ صحيح حسن، فإنَّ الصحيح الذي ليس له إلا راوٍ واحد - على ما تبين إن شاء الله تعالى - ليس بحسن، لما بيَّنَّا أنّ الحسن ما روي من غير وجه.
_________________
(١) قال عنه السيوطي في "التدريب" (١/ ١٦٤): "هو الذي أرتضيه، ولا غبار عليه". قلت: ليس كذلك قطعًا" ويؤيده أنه معروف في كلام الترمذي قوله في "جامعه": "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، ينظر فيه: الأرقام (١١٥، ٢٠٢، ٢١٠، ٤٨٠، …). ويجاب على هذا الاعتراض بأمرين: الأول: أنّ كلام الترمذي محمول على الغالب، فالذي ذكره الترمذي بقيد "إلا من هذا الوجه" مغمور وقليل بالنسبة إلى مطلقه. والآخر: يحتمل أنّ يريد به: لا نعرفيه إلا من حديث بعض الرواة، لا أنّ المتن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، أي: انفراد الراوي به من راوٍ آخر، لا أن المتن منفرد به. ويدل على هذا أنه أخرج في كتاب الفتن: باب ما جاء في إشارة المسلم إلى أخيه بالسلاح (٤/ ٤٦٣ - ٤٦٤) حديث خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة رفعه: "من أشار على أخيه بحديدة … "، قال: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، يستغرب من حديث خالد" فاستغربه من حديث خالد لا مطلقًا، وينظر منه أيضًا حديث (رقم ١١٥)، وينظر أيضًا: "نكت الزركشي على ابن الصلاح" (١/ ٣٧٠)، وكتابي "البيان والإيضاح" (٦٦ - ٦٧).
(٢) "الاقتراح" (ص ١٧٦)، بتصرف.
[ ١٨١ ]
[في تحقيق الفرق بين الصحيح والحسن] (^١):
نعم؛ لو قيل: بينهما عموم من وجه (^٢)، لكان متَّجهًا؛ إذ بعض الحسن ليس بصحيح أيضًا؛ لكون رجاله ليسوا من الضبط والإتقان والشهرة بذاك، وإنْ كان معروف المخرج، وروي من غير وجه فحينئذٍ بينهما عموم وخصوص من وجه، فحيث عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وهم بمكانٍ من الضبط والإتقان بعد العدالة، وروي من غير وجه؛ فحسن صحيح، وحيث روي من وجه واحد، وليس له إلّا راوٍ واحد في كلِّ درجة، وهو ضابظ مُتقن عدل ثقة؛ فصحيح دون الحسن، وحيث له مخرج مُشْتهر، وأخرج من غير وجه، ورجاله موصوفون بالصفة الأدنى، وهي الصدق والعدالة، وعدم التُّهمة؛ فهو حسن دون الصحيح، هذا هو التحقيق، والله أعلم (^٣).
٣٩ - قال الشيخ تقي الدِّين: "ويجوز أن يكون المراد بالصحيح الاصطلاحيَّ على ما ذكرنا، وبالحسن اللغوي، وهو ما تميل إليه النَّفسُ من جودة الألفاظ" (^٤).
قال قاضي القضاة تقي الدين: "يلزم من ذلك أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ أنه حسن، وذلك لا يقوله أحد في الاصطلاح" (^٥).
وفيه بحث، لأن الحسن الذي ذكره الشيخ هو الحسن المذكور مع
_________________
(١) هذا العنوان من هامش الأصل.
(٢) انظر ما علقناه على فقرة (رقم ٣١).
(٣) نقل كلام التبريزي وعزاه لـ"الكافي" السيوطي في "البحر الذي زخر" (٣/ ١٢٢٦) وكان قد أورد كلامًا طويلًا للزركشي في "نكته على ابن الصلاح" (١/ ٣٠٥) وقال: "وبعضه مأخوذ عن كلام التبريزي، فإنه قال في "الكافي" … "وأورده بتصرف. وقارنه بـ "نكت ابن حجر" (١/ ٤٧٦)، وينظر "إسبال المطر" (ص ٥٠).
(٤) المقدمة (ص ٣٩)، والنقل بالمعنى.
(٥) "الاقتراح" (ص ١٧٤).
[ ١٨٢ ]
الصَّحيح، فإن كان مراد الحافظ قاضي القضاة ذاك؛ فلا نسلِّم أنه موضوع، وأنه لا يقال في الاصطلاح إنه حسن، وإن كان مراده الحسن المطلق؛ فلا يرد على الشيخ تقي الدين، لأنه يبحث في الحسن المذكور مع الصحيح، ومع ذلك لا نسلم أنه لا يقال للحديث الموضوع الحسن اللفظ: هذا حسن، والله أعلم (^١).
_________________
(١) ذكر مثله البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (ص ١٨٦): "وأما الموضوع فلا يَرِد؛ لأنّ الكلام فيما بين الصحة والحُسن، وهو غيرُ داخل"، وقد اعتمده ابن الملقن في "المقنع" (١/ ٩٠) وابن حجر فقال في "النكت" (١/ ٤٧٥) عقب كلام ابن دقيق العيد السابق: "هذا الإلزام عجيب، لأن ابن الصلاح إنما فرض المسألة حيث يقول القائل: حسن صحيح، فحكمه عليه بالصحة يمتنع معه أن يكون موضوعًا"، وأيد السخاوي التبريزي، فقال في "فتح المغيث" (١/ ١٦٥ - ط المنهاج): "لكن أجاب بمنع وروده بعد الحكم عليه بالصحة الذي هو فرض المسألة، وهو حسن". ولكنه قال أيضًا: "ولكن لا يأتي هذا إذا مشينا على أن تعريفه إنما هو لما يقول فيه حسن فقط". ولم يقبل السماحي في "المنهج الحديث" (ص ١١٧ - ١١٨/ قسم المصطلح) ما تقدم عن الأعلام السابقين، فقال: "حمل كلام ابن الصلاح على حسن اللفظ ليس حسن الإسناد، إذ الحسن في كل شيء بحسبه، ألا ترى قول ابن طاهر في شرط الصحيح: فإن كان له راويان فحسن، وإلا فصحيح فقط" قال: "فلو أراد الترمذي غير المعنى المصطلح عليه فيما إذا اجتمع الحسن مع غيره لبيَّنه، كما بيَّن الأول - أي: الحسن إذا انفرد - فإرادته للحسن اللغوي بعيد"، وقارنه بـ"شروط الأثمة" لابن طاهر (ص ١٢)، وممن اعتنى بكلام التبريزي، فنقله، وعزاه لـ"الكافي" وأيده: السيوطي في "البحر الذي زخر" (٣/ ١٢١٨). وتعقب مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١٥/ ب -١٦/ أ) بالذي سبق، وزاد وجهًا ثانيًا، قال: "لو ظفر بقول الترمذي إثر حديث: هذا حديث مليح، ونقله، لكان لقوله وجه، إذ الملاحة تكون غالبًا في الشيء المستحسن، ولكن الشيخ قاله من عنده، ولم يسنده إلى قول أحد، فتوجَّه الإيرادُ عليه ". =
[ ١٨٣ ]
[استشكال قول الترمذي: "حسن غريب" أو "حسن لا يعرف إلا من هذا الوجه" وجوابه]:
٤٠ - فإن قيل: قول الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" أو "حسن لا يعرف إلا من هذا الوجه" أو "من حديث فلان لا فيه إشكال؛ لأن شرط الحسن أن يكون مرويًّا من غير وجه، والغريب ما انفرد واحد من رواته بالرواية، فبينهما تناقض؟!
فالجواب: أن الغريب على أقسام - كما سنبيِّن إن شاء الله تعالى -: غريب من جهة الإسناد والمتن، وغريب من جهة المتن دون الإسناد، وغريب من جهة الإسناد دون المتن، وغريب في بعض السند فحسب أو في بعض المتن، فالذي يمكن أن يجمع من هذه مع الحسن هو الغريب من جهة الإسناد دون المتن، لأن هذا الغريب معروف عن جماعة من الصحابة، لكن تفرد بعضهم بروايته عن صحابي، فبحسب المتن حسن لأنه عرف مخرجه واشتهر رجاله في الصدر الأول، ووجد شروط الحسن في سائر الطبقات، وبحسب الإسناد غريب لأنه لم يروِ عن تلك الجماعة إلا واحد، فلا منافاة بين الغريب بهذا المعنى وبين الحسن، بخلاف سائر الغرائب؛ فانها تتنافى.