٨ - وهو إما متواتر، إذا بلغ رواته مبلغًا يمنع العقلُ تواطؤهم على الكَذبِ، من تَواتر الرِّجالُ: إذا جاؤوا واحدًا بعد واحدٍ بفترة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي: رسولًا بعد رسول بفترة، وهو يفيد اليقين، كحديث: "مَن كَذَب عليَّ فلْيتبوَّأُ مقعده من النَّار" (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ٢٢٥) عن سفيان عن أبي الدرداء موقوفًا، وهو منقطع، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" - كما في "المطالب العالية" (١١/ ٧٨٠) -، وأبو الشيخ في "الأمثال" (رقم ١١٧)، والطبراني في "مسند الشاميين" (٤/ ٣٥٨)، والقضاعي في "مسنده" (١/ ٣٦٩)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٣٨) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، واضطرب فيه؛ فمرَّة يرويه عن عطية بن قيس، ومرة عن سعد بن عبد الله الأغطش كما عند الخطابي في "العزلة" (رقم ٢٠٣)، وخولف في رفعه - كما مرَّ -، وهو ضعيف سرق بيته فاختلط، ولعل هذا من تخاليطه. والله أعلم.
(٢) قال ابن الاثير في "النهاية" (٤/ ١٠٥): "القِلَى: البُغضُ، يقال: قَلاه يَقلِيه قِلىً وقَلىً، إذا أبغضه"، يقول أبو الدرداء: جرِّب الناس، فإنك إذا جرَّبتهم قَلَيتَهم وتركتهم؛ لما يظهر لك من بواطن سرائرهم، فلفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، أي: مَن جَرَّبهم وخبرهم أبغضَهُم وتركهم. ومعنى نظم قوله: وجَدْت الناسَ فعولًا فيهم هذا القولُ".
(٣) أخرجه البخاري (١٠٧) من حديث الزبير، وهو في "الصحيحين" من حديث =
[ ١١٦ ]
وإما آحاد: وهو الذي لم يبلغ رواته هذا الحدَّ.
ثم إنْ زاد رواته على ثلاثة يسمى مستفيضًا أيضًا، وهو يفيد الظَّنَّ القويَّ (^١) إن كان مستجمعًا للشُّروط على ما يُذْكَر إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) = غيره، وليس في لفظ الزبير التقييد بالعمد، وانظر تحقيقنا لأحاديث: جزء الجويباري" ضمن "مجموعة أجزاء حديثية" (رقم ١٣).
(٢) هذا كلام غير واحد ممن ألف في المصطلح وأصول الفقه، زعموا أنَّ الآحادَ الذي لم يبلُغْ حدَّ التواتر لا يفيدُ العلمَ؛ وهذا كلامٌ باطل قطعًا، حتى عند الجماهير؛ لأننا ينبغي أن نبقى على تذكر بأنَّ مرادهم بالآحاد ما ليس بمتواتر، ومذهب جماهير الأصوليين والمحدثين أنَّ الآحاد إذا لحقته قرينة، ولو كان فردًا غريبًا؛ فإنه يفيد العلم، كأَنْ يوجد حديث غريب في "الصحيحين" - أو في أحدهما -؛ فهذه قرينة، فكيف إذا كان للحديث شواهد وطرق وما شابه، ولذا؛ هذا الحد أمره إلى المحدثين وإلى أهل الصنعة الحديثية، وليس إلى مَن لا يعرف من هذه الألفاظ إلَّا الرسوم والمصطلحات، ولا يعرف حقائق الأشياء. ولذا نقول: لا يقول عاقل بتصديق خبر كلِّ أحدٍ وإفادته العلم، إلا إِنْ ثبت عند أهل الصنعة الحديثية، قال ابن تيمية في "المسودة" (٢٤٤): "فإنَّ أحدًا من العقلاء لم يقل إنَّ خبر كل واحدٍ يُفيد العلم". وقال ابن القيم في "الصواعق المرسلة" (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠): "خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه؛ فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه، وتارة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنيًّا، وتارة يتوقف فيه؛ فلا يترجح صدقه ولا كذبه، إذا لم يقم دليل أحدهما، وتارة يترجح صدقه ولا يجزم به، وتارة يجزم بصدقه جزمًا لا يبقى معه شك، فليس خبر كل واحد يفيد العلم ولا الظن". والقائلون بإفادة خبر الواحد العلم، وقع بينهم خلاف في نوعه: هل هو ضروري أو نظري؟ وهل يُفيد علم طمأنينة أو يقين؟ انظر التفصيل في: "البحر المحيط" (٤/ ٢٣٨ - ٢٤٠). والمشهور من أقوال الأصوليين: أنه يُفيد العلم الضروري، والجميع متفق على أنّ المتواتر يفيد العلم واليقين، والخلاف إنَّما هو في نوع هذا العلم؛ =
[ ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فمَن نظر إلى أنَّ العقل يضطر إلى التصديق به، وأن اليقين يحصل به في حق مَن ليس له أهلية النظر، قال: إنَّه ضروري، ومَن نظر إلى افتقار المتواتر إلى مُقدِّمات، وإنْ كانت تلك المقدِّمات بدهيّة، قال: إنَّه نظري. فهو - على التحقيق - خلاف صوري من هذه الناحية. والعلم اليقيني يُؤخذ من التواتر بقسميه: العام والخاص؛ فهو ليس لازمًا للتواتر بالحدِّ الذي ذكره المصنف، قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٥٠ - ٥١): "كذلك العلم الحاصل عقيب الخبر؛ تارةً يكون لكثرة المخبرين، وإذا كثروا فقد يفيد خبرهم العلم - وإن كانوا كفارًا -، وتارةً يكون لدينهم وضبطهم، فرُبَّ رجلين أو ثلاثة يحصل من العلم بخبرهم ما لا يحصل بعشرة وعشرين لا يوثق بدينهم وضبطهم، وتارةً قد يحصل العلم بكون كل من المخبرين أخبر بمثل ما أخبر به الآخر - مع العلم بأنهما لم يتواطآ، وأنه يمتنع في العادة الاتفاق في مثل ذلك -، مثل مَن يروي حديثًا طويلًا فيه فصول ويرويه آخرُ لم يلقه. وتارةً يحصل العلم بالخبر لمَن عنده الفطنة والذكاء والعلم بأحوال المخبرين وبما أخبروا به ما ليس لمَن له مثل ذلك، وتارة يحصل العلم بالخبر لكونه روى بحضرة جماعة كثيرة شاركوا المخبر في العلم ولم يكذبه أحدٌ منهم؛ فإنَّ الجماعة الكثيرة قد يمتنع تواطؤهم على الكتمان، كما يمتنع تواطؤهم على الكذب. وإذا عُرفَ أنَّ العلم بأخبار المخبرين له أسباب غير مجرد العدد، عُلِمَ أنَّ مَن قيَّد العلم بعددٍ مُعين وسوَّى بين جميع الاخبار في ذلك؛ فقد غلط غلطًا عظيمًا. ولهذا كان التواتر ينقسم إلى: عام، وخاص. فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما لم يتواتر عند العامة؛ كسجود السهو، ووجوب الشفعة، وحمل العاقلة العقل، ورجم الزاني المحصن، وأحاديث الرؤية، وعذاب القبر، والحوض والشفاعة، وأمثال ذلك. وإذا كان الخبر قد تواتر عند قومٍ دون قوم، وقد يحصل العلم بصدقه لقوم =
[ ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = دون قوم؛ فمَن حصل له العلم به وجب عليه التصديق به والعمل بمقتضاه، كما يجب ذلك في نظائره، ومَن لم يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإجماع الذين أجمعوا على صحته، كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إلى مَن أجمع عليها من أهل العلم؛ فإنَّ الله عصم هذه الأُمة أن تجتمع على ضلالة. وإنما يكون إجماعها بأن يسلم غير العالم للعالم؛ إذ غير العالم لا يكون له قول، وإنما القول للعالم، فكما أن مَن لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقوله؛ فمن لا يعرف طرق العلم بصحة الحديث لا يعتد بقوله. بل على كُلِّ مَن ليس بعالمٍ أن يتبع إجماع أهل العلم". قال أبو عبيدة: يتأكد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية بأمور: الأول: لو اشترطنا - كما يقول بعضهم اليوم - للاستدلال في العقيدة بالتواتر اللفظي! لقلنا: قولكم هذا عقيدة، ونحتاج إلى نصٍّ متواترٍ تواترًا لفظيًّا دليلًا عليه، وهو معدوم! فسقط الشرُّ! ودفن منذ ولادته! الثاني: من لوازم هذا الاشتراط أنَّ عقيدة الناس مضطربة، ولا نعرف - على فرض صدقه - كتابًا اعتمد على مثله، ولا زال المصنفون في التوحيد يعتمدون الأحاديث والآثار ممن هي دونه. الثالث: ومن لوازم هذا الاشتراط - أيضًا - إلغاء الاستدلال بالمتواتر من الخبر؛ لأنَّ تواتر الأخبار لم يبلغنا إلا عن طريق الآحاد؛ فعاد الأمر إليه. والقول بحجية خبر الواحد - إذا تلقته الأُمّة بالقبول تصديقًا له، أو عملًا به - وإفادته العلم هو "الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتَّبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرًا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء، وأهل الحديث والسلف عى ذلك". قاله شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٣٥١). وقال بعدها: "وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبًا للقطع به؛ فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أنَّ الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة". =
[ ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال (١٣/ ٣٥٣) أيضًا: "والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميّز بين الصحيح والضعيف؛ فيشك في صحة أحاديث، أو في القطع بها مع كونها معلومة مقطوعًا بها عند أهل العلم به. وطرف ممن يدَّعي اتّباع الحديث والعمل به، كلما وجد لفظًا في حديث قد رواه ثقة أو رأى حديثًا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتَّى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلًا له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط". قال أبو عبيدة: والفريق الثاني في كلام ابن تيمية أبعد بعض الغيورين ممن لم يفهم الحديث على الجادة؛ فاسترسل في تماديه وعناده في القول بعدم حجية الآحاد! ولا قوَّة إلا بالله. وكلام ابن تيمية السابق في تقسيم المتواتر إلى: عام وخاص يحل (العقدة) في موضوع الاستدلال بالآحاد في (العقيدة)! ويؤكد أن المتواتر - بالحد الذي ذكره المصنف - ليس هو - فقط - الذي يفيد العلم، وذكره شيخ الإسلام عن أكثر الأشعرية، قال: "وأمَّا الباقلاني؛ فهو الذي أنكر ذلك، وتبعه مثل أبي المعالي، وأبي حامد، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي، ونحو هؤلاء". قلت: وقولهم هذا مأخوذ من المعتزلة؛ فهم الذين اخترعوا التلازم بين العلم والتواتر! قال أبو المظفر السمعاني - فيما نقله عنه السيوطي في "صون المنطق" (ص ١٦٠ - ١٦١) -: "إن الخبر إذا صح عن رسول الله - ﷺ -، ورواه الثقات والأئمة، وأسنده خَلَفُهم عن سَلَفِهم إلى رسول الله - ﷺ -، وتلقته الأُمَّة بالقبول؛ فإنَّه يوجب العلم فيما سبيله العلم. هذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة. وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به؛ شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان =
[ ١٢٠ ]
ويجب العملُ به بالإجْماع.