لكتابنا هذا أهمية بالغة، وجمع محاسن (اختصارات) "علوم الحديث" لابن الصلاح التي قبله، فاعتمد ترتيب شيخه ابن جماعة، وهو بديع، وتلاشى مؤاخذةً على ابن الصلاح في ذلك (^١)، وضمَّ إليه زيادات ابن دقيق العيد والنووي في اختصاريهما: الأول: في "الاقتراح"، والثاني: في "الإرشاد" (^٢)، وزاد إليهما ما جادت به قريحتُه من تفريعات وإضافات، وإفاضات وتنكيتات، وذكر فوائد بديعات، واستطرادات مليحات، "جمع فيها خلاصة محصوله، وأخلاه من حشو الكلام وطوله، وقد ينقل كلام بعض الأئمة الأعلام بنصه، ويحذف من بعض في حشو فصِّه" (^٣).
ومع هذا فقد ظهر أثر هذا الكتاب في كتب المصطلح التي جاءت بعده، وبعضها لأئمة أعلام، وهم فرسان في هذا الميدان، وهذه جولة سريعة تدلل على ذلك:
_________________
(١) نص على ذلك، كما بيّناه سابقًا (ص ٣٢ - ٣٣).
(٢) انظر ما شق بيانه مفصلًا (ص ٢٣ - ٢٤).
(٣) هذا الذي اعتمده شيخه ابن جماعة في "المنهل الروي" وما بين قوسين " " من (ديباجة) كتابه (٢٦).
[ ٥٦ ]
نقل منه ابن حجر في مواطن من كتابه العجيب "النكت على كتاب ابن الصلاح"، ورضي تعقبه على ابن الصلاح تارةً، ورده تارةً أُخرى، فرد تعقب أبي الحسن التبريزي على ابن دقيق العِيد لما قال: "إن الصحيح أخص من الحسن"، قال التبريزي في فقرة (٣١) على إثره:
"وفيه بحث" قال: "ودخول الخاص في حد العام ضروري"، ونقل كلامه هذا جمع ممن ألف في المصطلح، واحتفلوا به، وبيان ما فيه من مؤاخذة، ابتداءًا (^١) من ابن حجر في "نكته" (١/ ٤٠٥) وكذلك الزركشي في "نكته" أيضًا (١/ ٣٠٥) والبقاعي في "النكت الوفية" (ق ٦٠/ أ) والسخاوي في "فتح المغيث" (١/ ١١٧ - ط. المنهاج) وجمع السخاوي أطراف كلام التبريزي في اعتراضه، وقبل كلامه.
وممَّن ساق كلام أبي الحسن التبريزي: العراقي في "التبصرة والتذكرة" (١/ ٨٥) وفي "التقييد والإيضاح" (ص ٤٤)، وقال على إثره: "وهو اعتراض متّجه"، وأقره السيوطي في "تدريب الراوي" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣/ ط. العاصمة) وفي "البحر الذي زخر" (٣/ ٩٥٢ - ٩٥٣) وقبله الأبناسي في "الشذا الفياح" (١/ ١٠٨).
فأنت ترى أثر كلام أبي الحسن التبريزي فيمن قارب عصره ومصره ومن بَعُد عنه، فقد تتابعت جهود العلماء في العناية به، ونقله، وفحصه، وعرضه على سائر كلامه، وتقويمه أو ردّه.
وهكذا حصل مع التبريزي لما تعقب ابن الصلاح -على الرغم من متابعة النووي له- في تعقبه البغوي في اصطلاحه (الحسن) من كتابه "المصابيح"، فنقل دفاع أبي الحسن التبريزي جمع ممن أَلَّف في
_________________
(١) بل قبله كما سيأتيك قريبًا.
[ ٥٧ ]
المصطلح، مثل: ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦) وطوَّل في نصرة كلام صاحبنا في كتابنا هذا فقرة رقم (٣٦)، وهكذا فعل الزركشي في "نكته" (١/ ٣٤٣) فقال عن تعقب ابن الصلاح ومتابعة النووي له: "عجيب"! ورده بنحوه، إلا أنه لم يرد لصاحبنا أبي الحسن ذكر عنده! وكذا فعل -قبله- البُلقيني في "المحاسن" (١١١) والعراقي في "التقييد" (٤٤) ومغلطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح"، (ق ١٤/ أ) إلا أن السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ١٥٢ - ط. المنهاج) والسيوطي في "البحر الذي زخر" (٣/ ١١٤٣ - ١١٤٥) نقلوا كلام التبريزي، وارتضوه، بينما اكتفى السيوطي في "تدريب الراوي" (١/ ٢٤٣ - ط. العاصمة) بقوله: "وكذا مشى عليه علماء العجم".
قلت: وصاحبنا التبريزي علي بن عبد الله منهم، كما سيأتي في ترجمتنا له.
ومن الجدير بالذكر أن عناية العلماء حافلة بكلام أبي الحسن التبريزي في هذا الكتاب حتى في المواطن التي لم يقبلوا فيها تعقّبه لابن الصلاح أو غيره، فنقلوا كلامه وأبهموا صاحبه تارة، كما يظهر لك بالمقارنة -مثلًا- ما في فقرة (٣٧) من هذا الكتاب مع ما في "نكت ابن حجر" (١/ ٤٧٤)، و"نكت الزركشي" (١/ ٣٦٧)، إلا أني رأيت السيوطي يصرح بأن الكلام الذي ناقشه كلٌّ من ابن حجر والزركشي إنما هو للتاج التبريزي، وأقرهما.
وصرحوا بالنقل من صاحبنا والرد عليه تارة أُخرى، كما وقع لهم فيما أورده المصنف في آخر فقرة (٦٣) من رده اعتراض النووي على ابن الصلاح، بينما انتصر للنووي: مُغُلطاي في "إصلاح كتاب
[ ٥٨ ]
ابن الصلاح" (ق ٢٥/ أ)، فأجمل اعتراض المصنف ولم يسمِّه، ولم يقبله، وانتصر للنووي، وكذلك فعل تلميذه ابن حجر في "نكته" (٢/ ٦٩٦) إلا أنه صرح باسم المصنف، فقال: "وتعقب الشيخ تاج الدين التبريزي كلام الشيخ محيي الدين بقوله .. " ثم قال على إثره: "وهذا التعقّب غير مرضيٍّ".
ومن الجدير بالتنويه عليه في هذا الصدد أن مُغُلْطاي نقل في كتابه "إصلاح كتاب ابن الصلاح" من كتابنا هذا فقرة طويلة بالحرف، ولم يعزها له، انظر (فقرة رقم ٩٥) مع تعليقنا، وكذا صنع ابن الملقن (^١) يظهر لك هذا من مقارنة ما في (آخر فقرة ٢١٣، ٢١٦، ٢٣٣) من كتابنا هذا مع ما في "المقنع" -على الترتيب- (٢/ ٥١٥، ٢/ ٥١٦، ٢/ ٦٠٦)، مع التنويه على اشتراكهما في نقل عبارة النووي من "الإرشاد" في بعض الأحايين.
وقد تفطن السيوطي لنقل العلماء من كتابنا "الكافي"، وصرح بذلك في موطنين من كتابه "البحر الذي زخر" قال فيه (٣/ ١٢١٨) ونقل كلامًا للتبريزي، وصرح أنه في "الكافي" -وهو في فقرة رقم (٣٩) من كتابنا هذا- قال:
"وذكر مثله البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" … " ونقل كلامه، وقال على إثره: "وقد اعتمد هذا الحافظ ابن حجر"، وقال أيضًا فيه (٣/ ١٢٢٦) بعد كلام طويل أورده للزركشي، قال: "وبعضه مأخوذ من كلام التبريزي فإنه قال في "الكافي" … " وأورد ما في كتابنا (فقرة رقم ٣٨).
_________________
(١) وهو تلميذ المصنف، كما سيأتي في ترجمته.
[ ٥٩ ]