٦١ - الثالث:
الحديث الذي رواه بعضهم مرسلًا، وبعضهم متَّصلًا، كحديث: "لا نكاح إلا بولي" (^١).
رواه إسرائيلُ بن يونس في آخرين، عن جدِّه (^٢) أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي بُردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري، عن رسول الله - ﷺ - مسندًا متَّصلًا هكذا (^٣).
_________________
(١) ورد الحديث عن جماعة من الصحابة، أمثلها حديث عائشة. أخرجه عبد الرزاق (١٠٤٧٢) والطيالسي (١٤٦٣) وأحمد (٦/ ٤٧، ١٦٥ - ١٦٦) وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وابن الجارود (٧٠٠)، والطحاوي (٣/ ٧، ٨)، والدارقطني (٣/ ٢٢١ و٢٢٥ - ٢٢٦)، والحاكم (٢/ ١٦٨)، والبيهقي (٥/ ١٠٧ و١١٣ و١٢٤ و١٢٥ و١٣٨) من طرق عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة. ورجاله رجال الشيخين عدا سليمان بن موسى، وهو صدوق، وللحديث علة، وهي: قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه. وردَّ هذا الأئمة، منهم الترمذي والحاكم وابن حبان وابن عدي وابن عبد البر، انظر "التلخيص الحبير" (٣/ ١٥٧)، و"السنن الكبرى" (٧/ ١٠٧)، و"إرواء الغليل" (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٩)، ولصديقنا الشيخ مفلح الرشيدي دراسة بعنوان "التحقيق الجلي لحديث لا نكاح إلا بوليّ"، وهي مطبوعة، عن مؤسسة قرطبة، مصر. وانظر: تعليقي على "الأشراف" للقاضي عبد الوهاب (٣/ ٢٨٥).
(٢) بعدها في الأصل: "عن"! والصواب حذفها.
(٣) أخرجه من طريق إسرائيل به: أحمد (٤/ ٣٩٤) والدارمي (٢١٨٨) وأبو داود (٢٠٨٥) والطحاوي (٣/ ٨) والحاكم (٢/ ١٧٠)، وقال: "فأما إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الثقة، فلم يختلف عنه في وصل هذا الحديث". وقول المصنف - تبعًا للحاكم -: "في آخرين". هم:
(٤) شريك النخعي - وسماعه قديم من أبي إسحاق - عند الدارمي (٢١٨٩). =
[ ٢٣٧ ]
ورواه سفيان الثوري (^١)، وشعبة (^٢)، عن أبي إسحاق، عن أبي
_________________
(١) = ٢ - قيس بن الربيع، عند الطحاوي (٣/ ٩) والبيهقي (٧/ ١٠٨).
(٢) زهير بن معاوية، عند ابن الجارود (٧٠٣) والبيهقي (٧/ ١٠٧).
(٣) أبو عوانة، عند ابن ماجه (١٨٨١) والترمذي (١١٠١) والطيالسي (١٥٥٤ - المنحة) والبيهقي (٧/ ١٠٧). فهؤلاء كلهم رووه عن أبي إسحاق به. وكذلك رواه يونس بن أبي إسحاق عند الترمذي (١١٠١)، واختلف عليه فيه، فقال أبو عبيدة عبد الواحد الحداد وأسباط بن محمد وقبيصة بن عقبة: "عن يونس عن أبي بردة عن أبيه" وقال زيد بن الحباب: عن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، بريادة (عن أبي إسحاق) وزادها أيضًا: عيسى بن يونس والحسن بن قتيبة، وهذا الاختلاف لا يضر، لأن يونس لقي أبا بردة أو سمع منه. وينظر "السنن الكبرى" (٧/ ١٠٩) للبيهقي. وممن رواه موصولًا مثل رواية إسرائيل: أبو حنيفة، كما في "جامع المسانيد" (٢/ ١٠٢) و"عقد الجواهر المنيفة" (١/ ١٤٦). ورقبة بن مصقلة العبدي، ومطرف بن طريف الحارثي، وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهم، انظر "المستدرك" (٢/ ١٧١).
(٤) روايته عند عبد الرزاق (١٠٤٧٥) والترمذي في "العلل الكبير" (٢/ ٤٢٨) ورواه من طريقه ولكن موصولًا بذكر أبي موسى: أبو كامل الفضيل بن الحسن ثنا بشر بن منصور عن سفيان به، أخرجه هكذا من طرق: ابن الجارود (٧٠٤) والطحاوي (٣/ ٩). ووصله عن سفيان أيضًا: مؤمل بن إسماعيل والنعمان بن عبد السلام، وقرن النعمان رواية سفيان مع شعبة، كما عند الحاكم (٢/ ١٦٩) والبيهقي (٧/ ١٠٩)، ووصله أيضًا: خالد بن عمرو الأموي عن الثوري، أخرجه الخطيب (٦/ ٧٩) وخالد واهٍ بمرة ونسب إلى الوضع، وأخرجه الخطيب أيضًا (٢/ ٢١٤ و١٣/ ٨٦) موصولًا من طريق مالك بن سليمان حدثنا شعبة وإسرائيل، وفي رواية مالك عنهما نظر، انظر "الميزان" (٣/ ٣٥٣، ٤٢٧).
(٥) أخرجه الترمذي في "العلل الكبير" (٢/ ٤٢٨) والطحاوي (٣/ ٩) من طريق شعبة به مرسلًا، وأخرجه البزار في "البحر الزخار" رقم (٣١١١) - ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" (١١/ ٢٤) - من طريق يزيد بن زريع =
[ ٢٣٨ ]
بُردة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا هكذا.
فالصَّحيح أن الحُكْمَ من أسنده (^١) إذا كان عدلًا ضابطًا، فيُقْبلُ خبرُه، وإن خالفه غيرُه واحدًا كان أو جماعةً.
وهذا القول صححه الخطيب (^٢)، وهو الصحيح في الأحكام وأصول الفقه (^٣).
_________________
(١) = عن شعبة به موصولًا بذكر (أبي موسى)، وينظر الهامش السابق، ورجح الطحاوي - نصرة لمذهبه - رواية سفيان وشعبة المرسلة على الموصولة، فقال: "فكان من الحجة عليهم أن هذا الحديث على أصلهم لا تقوم به حجة، وذلك أن من هو أحفظ من إسرائيل وأثبت منه قد رواه عن أبي إسحاق منقطعًا" ولم يذكر جميع الطرق السابقة!
(٢) هذا الذي أراه صوابًا والأدلة عليه كثيرة، منها:
(٣) ما أسنده البيهقي (٧/ ١٠٨) عن حجاج بن محمد قال: قلنا لشعبة: حدّثنا حديث أبي إسحاق، قالوا: سلوا عنه إسرائيل، فإنه أثبت فيها مني.
(٤) وقال البخاري: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث، أسنده عنه البيهقي (٧/ ١٠٨).
(٥) وهذا الذي رجحه الترمذي في "علله الكبير" (١/ ٤٣٠) و"جامعه" (٣/ ٤٠٠) في كلام مفصَّل مؤصَّل، فليرجع إليه.
(٦) ورجحه أيضًا الحاكم (٢/ ١٧٠) وساق تصحيح ابن مهدي وابن المديني والذهلي وأبي داود الطيالسيِّ لرواية الموصول على المرسل، وهذا الذي رجحه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان (٤٠٧٧، ٤٠٧٨، ٤٠٨٣) والبيهقي وابن حزم في جمع، وينظر في هذا: "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، "البدر المنير" (٧/ ٥٤٣ - ٥٤٩).
(٧) "الكفاية" (٢/ ٤٩٩).
(٨) على تفصيل فيه، والعبرة بالقرائن التي تحتف بكل حديث على حدة، نعم، صنيع مسلم يدل عليه في مواطن عديدة في "صحيحه" لكن بالنظر إلى =
[ ٢٣٩ ]
وسئل البخاري عن هذا الحديث فحكم من وصل، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة، فقال البخاري هذا مع أنَّ مَن أرسله شعبة، وسفيان، وهما جبلان، لهما من الحفظ والإتقان الدَّرجةُ العُليا (^١).
وقيل: إن الحكم للمرسل مطلقًا (^٢).
وقيل: الحكمُ للأكثر (^٣).
وقيل: للأحفظ (^٤).
_________________
(١) = زيادة بعض الألفاظ والزيادات التي تذكر في كتب (العلل) تدل على خلافه، وينظر عن صنيع البخاري الهامش الآتي.
(٢) أخرج الأثر عن البخاري الخطيب في "الكفاية" (٢/ ٥٠٣) وعلق عليه ابن حجر في "نكته" (٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧) فقال: "لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فية بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجَّحت عنده حكم الموصول … " ثم ساق المرجِّحات. وهذه المسألة كثر الخوض فيها بين طلبة علم الحديث هذه الأيام، وقامت حولها جهود، واستنفدت أوقات، وكادت كلمة المتعنين هذا العلم أن تتشتت بسببها.
(٣) عللوه بقولهم: إن سلوك غير الجادّة دال على مزيد الحفظ والغالب على الألسنة الوصل، فإذا جاء الإرسال علم أن مع المرسل زيادة علم. نقله مُغُلْطاي في "الاصلاح" (ق ٢٥/ أ- ب) عن النسائي وابن القطان، وقيل: إن الإرسال قدح والجرح يقدم على التعديل، وسيجيب عنه المصنف. وينظر "فتح المغيث" (١/ ١٦٤).
(٤) لأن تطرق السهو والخطأ بعيد، نقله الحاكم في "المدخل" (٢٢) عن أئمة الحديث.
(٥) الكثرة تدل على الحفظ إلا في أشياء لها ملابسات ومؤيدات، فجعل هذا قسيمًا لما قبله غير دقيق! نعم، ليست العبرة دائمًا بالعدد، وإنما ينظر =
[ ٢٤٠ ]
والصّحيح ما ذكرناه!!.
فلو وصل شخصٌ مرّةً، وأرسل أخرى، أو رفعه مرةً، ووقفه أخرى؛ فالحكم للمتَّصلِ، والمرفوعِ، لأنّه كالزِّيادة، وهي عن الثقة مقبولة (^١)، وهو مذهب جمهور أصحاب الحديث، والفقهاء فيما حكاه الخطيب أبو بكر (^٢).
٦٢ - فإن قيل: الإرسالُ نوعُ قَدْحٍ في الحديث، فإذا اجتمع مع الاتِّصال وجب أن يقدَّم الجرحُ على التعديل.
فالجواب عنه: أنَّ الجرح إنما يقدَّم لما فيه من زيادةِ عِلمٍ، والزِّيادة هاهنا مع مَن وَصَل.
_________________
(١) = في بعض الأحايين للطبقة، ومدار الترجيح عليهما في أمثلة تتنوّع، بتنوُّع مَنْ أرسل، ومَنْ وصل، والله أعلم، وينظر "تقدمة الجرح والتعديل" (٣٥٦) لابن أبي حاتم. ثم وجدت ابن الوزير يقول في "توضيح الأفكار" (١/ ٣٤٣) بعد كلام: "قلت: وعندي أن الحكم في هذا لا يستمر، بل يختلف باختلاف قرائن الأحوال، وهو موضع اجتهاد". قلت: وعليه مدار أهل الصنعة، ولا سيما النقاد منهم، مثل: أصحاب "الصحيحين" و"السنن" وصنيع شيوخهم يدل عليه، وكذا صنيع المتأخرين عنهم، كالدارقطني وابن عبد البر والبيهقي وابن دقيق العيد في جماعة آخرين.
(٢) شرط أبو الفضل بن طاهر المقدسي في كتابه "تصحيح التعليل" أن الزيادة تقبل عند أهل الصنعة عن الثقة المجمع عليه، نقله مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٢٤/ ب).
(٣) الكفاية (٢/ ٤٩٩)، وارجع إلى عبارته لتعلم عدم دقة نقل ابن الصلاح، ويلحق هذا المصنف، وتعقب مُغُلْطاي (ق ٢٤/ أ) ابن الصلاح في ذلك، ونقل عبارة الخطيب بطولها، وقال: "فينظر فيما ذكره عنه ابنُ الصلاح".
[ ٢٤١ ]
٦٣ - الرابع: