١٤ - اعلم أنّ الحديث ينقسم ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف.
١٥ - القسم الأول: وهو الصَّحيح.
[معنى الصحيح: لغة واصطلاحًا]:
وهو في اللغة: ضدُّ السَّقيم والمكسور.
وفي الاصطلاح: هو الحديث المسند الذي اتَّصل إسنادُه بنقْل عَدْلٍ ضابطٍ، عن عَدْلٍ ضابط، إلى منتهاه من غير شذوذٍ وعلَّةٍ قادحةٍ، ولا نكارة.
[قيود التعريف ومحترزاته]:
وإنما قُيِّد العدل بالضابط (^١)؛ لأنه لو كان عدلًا ولم يكن ضابطًا لا يعدُّ حديثُه صحيحًا.
وقوله: "من غير شُذوذٍ وعلَّةٍ قادحةٍ ونَكَارة" (^٢)؛ احترازٌ عما كان فيه شيء من ذلك؛ فإنه لا يسمَّى صحيحًا.
_________________
(١) قيده ابن حجر في "النخبة" (ص ٢٩ - مع "النزهة") بنقل عدل تام الضبط، ليخرج من خَفّ ضبطه، وهذا على اعتبار كون الصحيح قسيماَ للحسن، وإن كان في أدنى مراتبه، فلا داعي له. وسيأتي تنبيه المصنف عليه، وينظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (١٨/ ٢٣)، و"فتح المغيث" (٦/ ١٦ - ١٧).
(٢) قال الحافظ متعقبًا لاشتراط نفي النكارة في حد الحديث الصحيح =
[ ١٢٩ ]
وتحقيق الكلام في الشذوذ والعلَّة، وفيما كان مقبولًا منهما أو مردودًا، وفي النَّكارة سيجيء إن شاء الله تعالى.
١٦ - وكلما قيل: "هذا حديث صحيح" يُرادُ به الحديثُ الجامعُ للصِّفاتِ المذكورة.
١٧ - وكلما قيل: "إنه غيرُ صحيح" فليس مرادهم أنه كَذِبٌ أو ضعيفٌ جزمًا، بل المراد أنه لم يستجمع الصِّفات (^١).
١٨ - وقد يُطلقُ الصَّحيحُ على ما نقله عَدْلٌ، وإنْ لم يكن ضابطًا متُقنًا (^٢)؛ فحينئذٍ تختلف أقسام الصِّحاح بحسب اشتراط جميع الصِّفات.
فروع ثلاثة:
[أول من صنف في الصحيح]:
١٩ - الأول: أول مَن صَنَّف الصَّحيح الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجُعفيُّ البُخاريُ، وبعده أبو الحسين مسلم بن الحجَّاج الإمامُ القُشَيرِيُّ النَّيْسَابوريّ.
ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري، واستفاد منه، شاركه في أكثر
_________________
(١) = في "النكت" (١/ ٢٣٧): "إنما لم يشترط نفي النكارة؛ لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ، هو أشد ضعفًا من الشاذ، فنسبة الشاذ من المنكر نسبة الحسن من الصحيح، فكما يلزم من انتفاء الحسن عن الإسناد انتفاء الصحة، كلذا يلزم من انتفاء الشذوذ عنه انتفاء النكارة، ولم يتفطن الشيخ تاج الدين التبريزي لهذا وزاد في حد الصحيح، أن لا يكون شاذًا ولا منكرًا"، وأشار إلى هذا السيوطي في "البحر الذي زخر" (١/ ٣٢٢).
(٢) انظر: "فتح المغيث" (١/ ٢١)، "توضيح الأفكار" (١/ ٢٨).
(٣) قلت: يشترط المحدثون في راوي الصحيح الثقة وهي العدالة والضبط، فإن خفَّ ضبط الراوي فقد ينزل إلى درجة الحسن أو الضعيف.
[ ١٣٠ ]
شيوخه، وكتابهما أصحُّ كتب بعد كتابِ الله تعالى باتفاق العلماء.
وأمّا قول الشافعي الإمام - ﵁ -: "ما أعلم في الأرض كتابًا في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك"؛ فإنما قاله قبل وجود كتابي البخاري ومسلم (^١).
_________________
(١) اعترض عليه الشيخ علاء الدين مُغُلْطاي في كتابه "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٦/ ب - ١/ ٧ - النسخة الأزهرية) بأن مالكًا أول من صنف في الصحيح وتلاه أحمد بن حنبل وتلاه الدارمي قال: "وليس لقائل أن يقول: لعله أراد الصحيح المجرد، لأن كتاب مالك فيه البلاغ والمقطوع والمنقطع والفقه وغير ذلك، لوجود مثل ذلك في كتاب البخاري" انتهى، ونقله ابن حجر في "نُكته على ابن الصلاح" (١/ ٢٧٦ - ٢٧٩) وأورد رد العراقي في "التقييد والإيضاح" (ص ٢٥)، وقال: "وقد أجاب شيخنا - ﵁ - عما يتعلق بالموطا بمأ نصه: "أن مالكًا لم يفرد الصحيح بل أدخل في كتابه المرسل والمنقطع … " إلى آخر كلامه، ثم علق ابن حجر قائلًا: "وكأن شيخنا لم يستوف النظر في كلام مُغُلْطاي". وإلا فظاهر قوله مقبول بالنسبة إلى ما ذكره في البخاري من الأحاديث المعلقة وبعضها ليس على شرطه. بل وفي بعضها ما لا يصح كما سيأتي التنبيه عليه عند ذكر تقسيم التعليق، فقد مزج الصحيح بما ليس منه كما فعل مالك. وكأن مُغُلْطاي خشي أن يجاب عن اعتراضه بما أجاب به شيخنا من التفرقة فبادر إلى الجواب عنه، لكن الصواب في الجواب عن هذه المسألة أن يقال: ما الذي أراده المؤلف بقوله: أول من صنف الصحيح. هل أراد الصحيح من حيث هو؟ أو أراد الصحيح المعهود الذي فرغ من تعريفه؟ الظاهر أنه لم يرد إلا المعهود، وحينئذ فلا يرد عليه ما ذكره في "الموطأ" وغيره، لأن "الموطأ" وإن كان عند من يرى الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وأقوال الصحابة صحيحًا؛ فليس ذلك على شرط الصحة المعتبرة عند أهل الحديث، والفرق بين ما فيه من المقطوع والمنقطع وبين ما في البخاري =
[ ١٣١ ]